Atwasat

ماذا لو قاطعونا هم؟

خالد العيساوي الثلاثاء 22 أكتوبر 2024, 02:50 مساء
خالد العيساوي

تتعالى الأصوات في العالم الإسلامي لتنادي بمقاطعة المنتجات الغربية، وذلك لأسباب لا تخفى على أحد، والناس حيال هذه الدعوة منقسمون بين مؤيد وغيرِ مكترثٍ ومتذبذب، وذلك لأسباب لا تخفى على أحد أيضًا، لكن المشكلة تكمن في أن الصورة غيرُ مكتملةٍ على ما يبدو؛ فليس هناك تحديد واضح لما يجب على المسلم أن يقاطعه من منتجات غربية وما لا يجب عليه أن يقاطعه، وما من دراسة حقيقية تبين جدوى المقاطعة من عدم جدواها، وما من دراسة أيضًا تبين ما إذا كان للمقاطعين صبر على ما أقدموا عليه، أم أن صبرَهم سريعُ النفاد، وجعبتَهم خاويةٌ بلا زاد.

كثيرون سيعارضون ما سيقرأون في هذه المقالة، لكن كثيرين غيرَهم سيتماهون معه، وقبل ذا وذاك، فلنعدد بعض المنتجات الغربية التي ينتجها الغرب ونستهلكها نحن، ولننظر هل نقدر على مقاطعتها؟ الدواء مثلًا، منتج غربي فهل سنقاطعه؟ الغذاء مثلًا، أغلبه منتج غربي فهل سنقاطعه؟ لباسنا الذي نستر به سوآتنا وعوراتنا، أيضًا منتج غربي، فهل سنقاطعه؟ الطائرات والقطارات والبواخر والسيارات وكلُ وسائلِ النقلِ غربيةُ الصنعِ فهل سنقاطعها؟ وهل سنعود للبغال والحمير والأحصنة والإبل؟ كلُ مستحضراتِ التنظيفِ التي نزيل بها أدراننا وأوساخنا غربية الصنع، فهل سنقاطعها؟ أجهزةُ الهاتفٍ والكمبيوترِ والتلفازِ والأقمارُ الصناعيةُ التي تبث عليها قنواتنا غربيةُ الصنعِ، فهل سنقاطعها؟ حتى المباني والأبراج التي نزين بها مدننا صناعةٌ غربية مشيدة بتقنيةٍ غربية وبآلات غربية، فهل سنتركها ونعود للخيام؟ بل حتى وسائلُ التواصلِ التي ندعو من خلالها للمقاطعة هي الأخرى صناعة غربية، فهل سنتواصل إذا ما قاطعناها؟ وغير ذلك كثير وكثير.

قد يقول قائل: ما لا يدرك كله لا يترك جله، نعم، ولكن فلننظر إلى الأثر من كل ذلك، فإن حقق المراد فنعم، وإلا فما هو إلا إرضاء للنفس المنهزمة نوهمها بأنها فعلت شيئًا، والحقيقة أنها لم تفعل أي شيء... فماذا يضير القومَ إذا امتنعت عن شرب الكوكا كولا وأكل «شكلاطة» النوتيلا وأنت تشتري منهم الطائراتِ والبواخرَ والوقودَ والدواءَ والغذاءَ وكلَ اللوازمِ والكماليات؟ أما كان أجدر بك أيها المسلم بدل أن تقاطع النوتيلا التي سلبت عقول الكبار والصغار معًا، أن تفتح لك مصنعًا وتنتج «شكلاطة» تنافسها في السوق، والمواد الخام موجودة، وصناعتها ليست معجزة ولا تحتاج إلى تقنية حديثة، ثم اطرحها في السوق وارفع الضريبة على البضاعة المستوردة، وستجد الناس قد قاطعوها دون أن تدعوهم لمقاطعتها، وافعل ذلك في المنتجات التي لا تحتاج تقنية كبيرة في إنتاجها، وطّن لنفسك صناعة محلية منافسة، أنتج، واطرح في الأسواق، وافرض ضريبة على المستورد كله، وسترى أن المقاطعة إنما تكون هكذا، وليس كما يريد البعض الذي يوهم نفسه الكسولةَ بأنه فعل شيئًا يفخر به، لتراه بعد أسابيع أو أشهر، إن لم يكن بعد أيام، وقد عاد يستهلك ما كان ينادي بمقاطعته.

قبل أن تقاطع تحرر من قيودك، قيود الجهل والكسل وعدم الإنتاج، قيود الثقافة السلبية، تحرر من ثقافة الاستهلاك، وقيود التخلف الاجتماعي، ومن الجري وراء أخبار الفنانين ولاعبي كرة القدم، وتقليد التافهين في أفكارهم ولباسهم وقصات شعورهم، تحرر من عقدك النفسية، واقتحم مجال العلم والعمل والإنتاج، قاطع هذه المنتجات بصنع منتجات بديلة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وليس بإقناع الناس بألا يأكلوا كذا وألا يشربوا كذا وألا يستعملوا كذا بعد أن أمضيت عقودًا من الزمن وأنت تغرقهم بهذه المنتجات والملذات، فمن اعتاد على شيء صعبت عليه مفارقته.

ثم تدبر... ماذا لو أن الغرب فكر وقال في نفسه: ما داموا يفكرون في مقاطعتنا فلنبادر نحن بمقاطعتهم؟ بمعنى أننا لن ننتظر أن يمتنعوا عن شراء منتجاتنا؛ بل سنمتنع نحن عن بيعها وتصديرها لهم، فقل لي حينها بربك، كيف ستخرج الماء من تحت أرجلك وقد صار غورًا ولم تعد آلاتك القديمة قادرة على إخراجه؟ وكيف ستخرج نفطك الذي هو قوتك اليوم وقد سحبوا حفاراتِهم المرصعة بالألماس؟ وكيف ستصنع دواءك تعالج به مرضاك، وتداوي به جرحاك؟ وكيف ستدير شؤونك وقد قطعوا عنك خيوطً الشبكةِ العنكبوتيةِ لتتوقف مطاراتُك وموانئك والسككُ الحديديةُ ومنظوماتُ محطات الكهرباء والمياه والصرف الصحي ومنظوماتُ المصارفِ والبنوك... وغيرُ ذلك كثير؟ بل ماذا ستطعم أبناءك إن أوقفوا بيع القمح لك؟ يا أمة لا تملك حتى القمح تطعم به أبناءها، وأرضها خصبة واسعة، ومياهها عذبة وافرة، أم أنك ستردد ما قاله ناجي العلي: فإن منعوا عنك الغذاء ارسم بستانًا، وإن منعوا عنك الدواء ارسم وطنًا، وإن منعوا عنك الهواء ارسم فلسطين؟ وسيصدح صوتك عاليًا تتغنى بهذه الكلمات بألحانِ محمد حسن؟ هذا إن وجدت ورقة وقلمًا لتكتب هذه الكلمات، وإن وجدت آلات لتعزف تلك الألحان، فالأوراق والأقلام من صنعهم، وآلات العزف من صنعهم هي الأخرى، وإن وجدت ذلك، فهل سيكفي النشيد والغناء؟ هل ستقاوم الجوعَ بملعقة من الشعر، والمرضَ بجوقة من الموسيقى؟ أم أنك ستقول نقاطعهم في هذه، ونشتري منهم تلك؟

أيها المواطن المسلم في كل مكان أفق من سباتك، المقاطعة لا تكون بالامتناع عما اعتادت النفس البشرية عليه أعوامًا طويلة وقد أغرقتموها في الترف والملذات، إنما تكون بإنتاج البديل ذي الجودة العالية والسعر المنافس، حينها ستكون المقاطعة تلقائية ومنطقية، وابدأ بما تستطيع إنتاجه مما لا يحتاج إلى تقنية وعلم، فأن تكون لك سلسلة مقاهٍ أفضلُ من مقاهي ستاربكس، وسلسلة مطاعم أفضلُ من ماكدونالدز، وبطاطا ألذ من تشيبس، وعطرٌ أفضلُ من غوتشي، وحذاء رياضي أجود من أديداس، وبدلة رجالية أكثر أناقة من بدلة بوس... كل ذلك أمور ممكنة، لتصل شيئًا فشيئًا إلى غيره، فما لا تستطيعه اليوم، تقدر عليه في الغد، متى ما كانت هناك عزيمة، وكان هناك جد وعمل، بذلك وحده تستطيع أن تقاوم كما قال ناجي العلي، وأن تقاطع كما يريد الكثيرون، أما غير ذلك فإيهام للنفس الضعيفة بأنها فعلت شيئًا، وتزوير للتاريخ، وضحك على الأجيال، وتخدير للعقول، وحجب للشمس بعين الغربال، قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا).



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»