الجامعة الليبية في بدايتها كانت من معارك النهضة بالاتجاه نحو المستقبل. رحلة بدأت وانطلقت، ثم استمرت من ذلك المبنى الصغير وسط أهم شوارع بنغازي، وهو الاستقلال. كان وراء ذلك أكثر من معنى لتوطين العلم، وفتح الأبصار للغد الجديد. استطاعت الجامعة الوليدة استقطاب شخصيات علمية شهيرة، وعلى قدر عالٍ من الكفاءة تلك الأيام على مستوى العرب والعالم أيضا.
وعلى الرغم من صغر الجامعة، ونسبة عدد طلابها في تلك البداية، وتخلف البلد الذي لم تزل تعقره آلام الماضي ومعاناته.. رغم ذلك وباختصار شديد ضمت واحتوت أولئك الأعلام من قادة الفكر والرأي.
كان هناك خلال الخطوات الأولى: بوريدة في الفلسفة وعلم الكلام، وطه الحاجري في اللغة العربية وبلاغتها وفقهها، وطريح شرف في الجغرافيا، وشعيرة في التاريخ وتفاصيله، ووليامز في اللغة الإنجليزية وآدابها.. وهكذا على الدوام، ثم توافر وانتشر المزيد.
بنغازي في أصيافها وربيعها وشتائها كانت شاهدة على ولادة مؤسسة ستغدو من الجامعات العربية المبكرة التي أنشأتها الدولة بإصرار وعزم كبيرين. الولادات الصغيرة تنمو وتعيش وتتنفس مع الحرية والحركة والرعاية والاهتمام، ثم يأتي وليم كليلاند، من قدامى موظفي الخارجية في أمريكا والأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، إلى بنغازي، ويصير أول عميد لكلية الآداب والتربية. أمريكا حاربت الفكرة في انطلاقتها وحاولت وأدها.
ربما رأت في الليبيين أنهم ما زالوا قاصرين عن معنى الجامعة، وأن المدرجات وقاعات المحاضرات أكبر من ليبيا بكثير. لكن وليم قدم من القاهرة. كان لديه هناك اهتمام بالسكان في مصر. أعد عنهم دراسات وبحوث، ولم ينس أي شيء يتعلق بذلك أو يتركه للصدفة، وفي بنغازي واصل الاهتمام، وألقى أولى المحاضرات العامة بالجامعة في بنغازي عن ذلك المشروع الذي يشغل فكره.
عند أمريكا أضحى الأمر واقعا على الأرض، وفي وسط شارع الاستقلال، بعد صراع خفي تحت الرماد مع مصر، لإيقاف مشروع التأسيس كما سبق ذكره. ولاحقا ستوفد الدولة الليبية العديد من طلابها إلى جامعات أمريكا، لمواصلة دراستهم العليا، ثم عادوا إلى الجامعة الصغيرة أساتذة ومحاضرين يرفعون من شأن الجامعة، ويسهمون في خوض معارك النهضة المتجددة.
بنغازي ظلت تشهد على الكثير. وهنا بعد وليم الذي غادر يأتي د. مجيد خدوري، العالم العراقي وأستاذ التاريخ المعروف. يصل من جون هوبكنز من واشنطن. يصبح العميد الثاني من يناير 1957 إلى يوليو من العام نفسه.
كان خدوري من أشهر التاريخيين العرب. سيستقر في بنغازي بمسكن متواضع ترافقه زوجته مجيدة. يتعرف على بنغازي ورجالها ورجال الوطن كله. يتجه لإعداد كتابه «ليبيا الحديثة» عبر المقابلات والروايات من صناع الحدث في ليبيا، بدءا من الملك مؤسس الجامعة نفسه. كان خدوري في بنغازي يوالي تدوين يومياته دون توقف. إشارات وملاحظات مهمة، فمثلا يوم السبت 20 أبريل 1957 كتب: «في المساء ذهبت مع السيد مهدي المطردي لزيارة السيد خليل القلال في داره الساعة التاسعة بعد الظهر.
قال إنه حين ذهب أول مرة في الوفد البرقاوي إلى ليكسس، وكان الوفد يمثل المؤتمر البرقاوي، عرض الوفد مطالب برقة كما يلي: 1- استقلال برقة. 2- الإمارة السنوسية. 3- الاتحاد مع طرابلس إذا كانت ترضى بالإمارة السنوسية. أما الوفد الطرابلسي فقد طالب بما يلي: 1- استقلال طرابلس. 2- الاتحاد مع برقة. 3- الانضمام إلى الجامعة العربية».
وفي يوم الأربعاء 17 ابريل 1957 كتب يقول: «ذهبت أنا ومجيدة إلى دعوة عشاء إفطار رمضان في بيت محمد صلاح في الساعة السابعة. منذ الساعة الثالثة والنصف إلى السادسة قضيتها في قراءة التقارير الرسمية عن ليبيا التي سمح لي بقراءتها المستر أوبري هالفورت في السفارة البريطانية. وفي الساعة التاسعة ذهبت إلى الجامعة، لتقديم عبد الهادي بوريدة لإلقاء المحاضرة العامة. كانت محاضرته عن الإنسان والفكر ومركزه في الكون، وقد تكلم نحو ساعة ونصف، بينما المقرر أن تكون المحاضرات لساعة واحدة.
المحاضرة استعراض عام لأقوال الفلاسفة والكتاب عن طبيعة الإنسان واحدا فواحدا، ثم قال في الأخير إنه لا يوجد رأي يبين الإنسان بصورة كاملة، ولذلك قال: يجب أن نلتفت إلى الأديان والكتب المنزلة، لأن الله، وهو خالق الإنسان، قد ذكر طبيعة الإنسان في التوراة والإنجيل والقرآن.
وبعد المحاضرة حين أعلنت انتهاءها، قلت إن كل فيلسوف يصف الإنسانية كما يراها هو، وقد يعكس ما في نفسه. ونظرا لأن الأستاذ بوريدة رجل متدين وصوفي، فهو لا شك يرى أن المميزات الروحية هي أبرز ما في الإنسان وأهمها».
أيام الشهور السبعة التي قضاها خدوري في بنغازي لم يركن خلالها إلى هدوء أو راحة. متابعة للعمل الأكاديمي. اتصالات ومقابلات عبر دروب المدينة، وتدوين لكل ما يحدث بمنظار الراصد العالم. وسيعود في صيف 1961، ويقابل الملك إدريس في طبرق، ويدون لقاءه معه يوم الاثنين 31 أغسطس 1961. روايات مهمة، ثم يلتقي عبد المجيد كعبار ومحمد عثمان الصيد وعبد الرازق شقلوف ورجال الجماعات السياسية والكيانات الحزبية القديمة. حراك لا يهدأ. تلك بدايات الجامعة بمن حل بها من أصحاب المواهب والقدرات العلمية الفخمة.
وفي الجامعة تخلقت جنينات التيارات الفكرية وجراثيمها الحيوية. الطلبة بين حين وآخر شرعوا ينغمسون في شؤون السياسة. الآذان تسمع القادم من الأصوات من الدول المجاورة. لم يكونوا بعيدين عما يدور في الشارع وفي الخارج. تشكلت خلالها بذور للبعث والقوميين والإخوان، ولم تكن ثمة صدامات أو مواجهات عنيفة.
كل يسعى إلى شيخه وطريقته، ومع التطور الذي سيدب، مثل النمل في مرافق البلد، كان ثمة حراك اجتماعي ينمو قليلا. اكتشف البترول في عمق الصحراء اللاهبة. حلت الشركات الأجنبية من كل مكان.. أسو - بكتل - أويزس - شل، وغيرها.
أقامت معسكراتها وسط الرمال البعيدة، ونصبت حفاراتها في جوف الأرض وتحت الشمس الحارقة، ومعها انتشرت وتمددت ثقافة جديدة مع حرارة الأصياف والصحراء والرمال. ثقافة البترول وتغيراته. هجر الليبيون الأرض والحقول والمدن، واتجهوا إلى تلك الشركات، وثمة أطعمة ومشروبات وصلت مع تلك الثقافة، لتكون ثقافة في الأكل والموائد.. الحليب المجفف والكورن فليكس والنسكافيه والبلابيف، وغير ذلك.
وعبر لهب الصيف وريح الصقيع في الشتاء تتمدد الثقافة الجديدة والمعارف التي غزت المدينة والبلاد كلها. أقبل خوف وهلع من هذا التغيير الذي سيغير بدوره المجتمع ويهزه بقوة. رائحة البترول والنسكافيه فتحت شهية الكثيرين، وخلالها انتشرت أيضا روائح الشبهات والفساد والصفقات مع مرور الوقت. صار المجتمع يستهلك أكثر من العطاء والإنتاج. كل الأفراد يتجهون إلى الشركات ومرافق الدولة موظفين ومستخدمين ومباشرين. لم يعد صيف بنغازي كما كان. غطته الرائحة المقبلة من وراء البحر.
وحين تضرب الطائرات المعادية بورسعيد في مصر، وتنزل جنودها بمظلاتهم هناك، تشتعل بنغازي بالمظاهرات والإضرابات في الميناء. مدرسة توريلي عند البحر قرب مقام خريبيش تضم طلابا من بنغازي والدواخل. أيضا كانت سكنا لطلاب الثانوية.
ينشطون ويخرجون في تلك المظاهرات. السلطات تغلق المدرسة. توزع الطلاب على مدارس جديدة بأقسامها الداخلية في أجدابيا ودرنة وسوسة والأبيار، والحراك يستمر هناك. وتصبح توريلي، الثكنة العسكرية الإيطالية القديمة، مدرسة اسمها النهضة بمرحلة ابتدائية وإعدادية. مخاضات الصيف وتداعيات ما يحدث قربنا أو بعيدا عنا تأتي إلى الدروب هنا، وتنتشر وتستمر.
ومع هذه الأطياف وسطور مراحل التاريخ، كان الملك قد واجه اغتيال ناظر الخاصة إبراهيم الشلحي بإبعاد جانب من أسرة «الشريف» إلى مناطق أخرى من البلاد. كانت جادو وطمينة في مصراتة وجوددائم وهون وغيرها مستقرا لتلك الأسر.
ستشعر بالغبن، وأنها أُخذت بجريرة عمل لم تشترك به. مواقف إنسانية ظلت تطل من ردة فعل الملك وتأثره على المستوى الشخصي والإنساني بحادثة الاغتيال. التأثر تحكمت فيه العاطفة وأهواء أخرى غذت «الصراع الخفي».
وهنا عبر الأصياف والمتاعب على المستوى الإنساني والمأساة المحزنة تنهمر الرسائل من أولئك المبعدين وهي تقطر بالألم والانكسار. الرسائل من البعض كانت تدوينا وإشارات لبعض رؤوس الدولة الذين أسهموا في زيادة الشرخ الكبير دون علم الملك أو تعليماته. تلك أحوال الدهر في كل النكبات. الرسائل شجن وحزن، وهي قطعة من التاريخ وأطيافه وراء الأفق، وصهد الصيف في منافي الوطن.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات