يقولون: «كل عدو تُرجَى مودتُه إلا من عاداك في الدين»، مع أن الأديان جميعَها تدعو إلى التسامح وإلى احترام الآخر، «لكم دينكم ولي دين»، لكن النفس البشرية لا بد أن تتخذ لها عدوا تشغل نفسها به، وتعلق عليه فشلها وأخطاءها، حتى صارت هذه السلوكيات سمة بارزة لكثير من الأفراد والدول للأسف، فالعدو «الوهمي» يوجب علينا اليقظة والاستعداد وحتى التقشفَ من أجل مواجهته المحتملةِ في أي لحظة، والعدو «الوهمي» هو سبب ما نحن فيه من تخلف اجتماعي وعلمي وثقافي وحضاري وحتى أخلاقي إن لزم الأمر.
وبذلك نجد مشجبا مناسبا نعلق عليه فشلنا، وتبريرا مقبولا لدى الكثيرين نعلل به عجزنا وتعثرنا، خاصة أن العامة من الناس تسيطر عليهم العاطفة الخداعة، فلا بأس أن نخرج عليهم بين الحين والحين ببعض المقالات والأخبار والخطب لنقول لهم إن العدو يفكر فينا ليل نهار، ويتربص بنا الدوائر عليه دائرة السَوء، وأنه لا ينفك يتآمر علينا ويكيد لنا، ولولاه لكنا في مصاف الأمم المتقدمة، وقوائم الدول القوية المتحضرة.
وهكذا تسيطر «نظرية المؤامرة» على عقولنا، وتوجه سلوكياتِنا، والطامة الكبرى حين تُغرَسُ في أذهاننا أفكار ترسم هذا العدوَ المتآمرَ علينا المتربصَ بنا على أنه كائن خارق، يعرف خبايا الأمور، ويوجه الأحداث والأقدار، ولا يمكن له أن يخطئ في تخطيطاته أبدا، فما نحن عليه الآن من تشظٍ وتفككٍ أمر كان قد خطط له العدو من أكثر من قرن من الزمان، وما سنؤول إليه هو ما يخطط له العدو الذي لا تخطئ تنبؤاته أبدا، ألم تقرأ ما كتبه القس فلان بن فلان قبل مئة ونيف من السنين في كتابه «تفكيك المفكك وتشظية المتشظي»؟
أم أنك لم تسمع ما قاله زعيمهم الفلاني حين أكد على أن الحالة الراهنة التي نعيشها اليوم كانوا قد عملوا عليها منذ بدايات القرن الماضي وأنهم قد وصلوا إلى مبتغاهم بعد عمل وجهد؟ أو لعلك تذكر ما قالته قنواتهم الإخبارية من أن موت الرئيس الفلاني يعد خسارة كبيرة لهم؛ إذ كان من أكبر عملائهم في المنطقة؟ أوَلم تدرك بعدُ أنهم يعرفون أسرارنا وما تخفي صدورُنا وحتى ما يرتسم في عقولنا وخيالاتنا؟ إلى غير ذلك من أخبار تزرع الوَهَنَ في النفوس، وتثبط الهممَ عن العمل، إذ لم يعد هناك معنى لشيء ما دام العدو قد اخترقنا، وجند القادة منا والعامة، وصار قادرا على معرفة أسرارنا، وتوجيه شؤوننا وأقدارنا.
ولكن دعونا نسلم بكل هذه الأمور وننظر إليها من جهة أخرى، لنذهبْ في هذا الاتجاه ولنقل إن هناك مؤامرةً ضدنا من العدو، فما الغرابة في ذلك؟ أليس هو بالعدو؟ إذن فمن الطبيعي جدا أن يتآمر علينا، لكن غير الطبيعي ألا نتآمر نحن عليه، لنكتفي بأن نشكوه لله تعالى من جهة، وبأن نندب حظنا العاثر الذي أوقعنا في عدو متآمر بدل أن يوقعنا في عدو وديع من جهة أخرى، إن العداوة أمر متبادل حتما، فمن كان عدوا لك فأنت لزاما عدو له، بعكس المحبة التي يمكن أن تكون باتجاه واحد فقط، وما دامت العداوة متبادلة بشكل حتمي وما دام العدو يبحث عن فرصة يعلو بها على عدوه في أي مجال من المجالات، فمن الطبيعي أن يتآمر عليه بشكل من الأشكال.
بل إن التآمر قد يكون بين المتنافسين ناهيك عن الأعداء، وهذا ما يجب أن يكون، وبالمقابل فإنه من غير الطبيعي ألا يتآمر عدو على عدوه لينتظر ما سيوقع به من وقائع وانهزامات، ولذلك إذا سلمنا بأن العدو يتآمر علينا فيجب أن نعرف أننا نتعامل مع عدو واع وعاقل وليس مع عدو جاهل وأحمق، وقديما قالوا: «عدو عاقل خير من صديق أحمق»، وإذا سلمنا بأننا لا نتآمر على هذا العدو فيجب علينا أن نعرف أيضا أننا نسلك في عداوتنا له سلوكا غير طبيعي، وأننا لا نفقه لا في السياسة، ولا في طبيعة الصراع بين الأمم، ولا في طبيعة العلاقات بين الدول، ولا حتى في طبيعة النفس البشرية.
يرى الكثيرون أن ما عليه الأمة الآن ما هو إلا نتيجة تخطيط من العدو قديم، وأن تشرذمنا وبعدنا عن الموروث والعادات والدين إنما هو أمر دبر لهذه الأمة بليل، وأن المستقبل مظلم ومخيف، فخيوط المؤامرة حيكت بعناية، ونسجت بذكاء ودراية، وأن عدونا لا يبتغي لنا الخير، ونسي هؤلاء أن هذه هي طبيعة العداوة ولا غرابة في الأمر، ولكن غيرَ الطبيعي في هذه العداوة أن نعلق كل السوءِ الذي وصلنا إليه على مشجب المؤامرة، وأن ننسى أخطاءنا وتخاذلنا وكسلنا ونومنا والناس مدلجون، وغيرَ الطبيعي أيضا ألا نتآمر نحن على عدو ندرك أنه يتآمر علينا، فإذا كانت للعدو خيوط ينسج به مؤامرته ضدنا فيجب علينا أن نملك خيوطا ننسج بها مؤامرتنا ضده، وإذا كان للعدو ليل يدبر فيه أمرا ضدنا، فيجب علينا أن يكون لنا ليل ندبر فيه أمرا ضده، وما سوى ذلك عجز وخور.
إن العدو، حسب ما يرى أصحاب نظرية المؤامرة، يتآمر علينا، فماذا لو تآمرنا نحن عليه؟ ماذا لو أخرجنا خريطة جديدة للعالم وقلنا إن العالم سيكون على هذه الصورة بعد مائة عام وبدأنا العمل من الآن كما بدأوا هم منذ مائة عام على تغيير خريطة منطقتنا؟ ماذا لو جندنا شخوصا مهمة منهم تعمل لصالحنا كما جندوا هم شخوصا مهمة منا تعمل لصالحهم؟
ماذا لو عملنا على احتكار العلم لصالحنا كما يعملون هم على احتكار العلم لصالحهم؟ ماذا لو كان لنا دعاة يعملون على نشر ثقافتنا بين ظهرانيهم كما لهم دعاة يعملون هم على نشر ثقافتهم بين ظهرانينا؟ ماذا لو كان لنا بنوك وأسواق ومنتجات في أراضيهم كما لهم بنوك وأسواق ومنتجات في أراضينا؟ ماذا لو كانت لنا لوبيات في كثير من المؤسسات المتنفذة في العالم كما لهم لوبيات في كثير من المؤسسات المتنفذة في العالم؟ وماذا لو؟ وماذا لو؟ وماذا لو؟ يضيق صدري ولا ينطلق لساني.
الخلاصة أيها المواطن العزيز، إذا تآمر علينا عدونا بشكل من أشكال التآمر فهذا أمر طبيعي وعقلاني، لأن هذا ضرب من أضرُبِ الحِذق، أما إذا لم نتآمر نحن على عدونا فهذا أمر غير طبيعي ولا عقلاني، لأن هذا صنف من أصناف الحُمق، لكننا مع ذلك كله نبقى نحن الأوفرَ حظا من عدونا في هذه المعادلة، فنحن عدونا عاقل، وعدونا... عدوه أحمق.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات