في الأيام الأولى من عملية «طوفان الأقصى» انقلبت إسرائيل رأساً على عقب، واتهم الجميع الحكومة والمؤسسات الأمنية والاستخباراتية، وطالبوا بمحاكمة المسؤولين عن هذه الكارثة. ولم تكد تمضي إلا بضعة أيام حتى بدأت هذه الإدانات والمطالبات تتقلص بوتيرة حادة، فقبل انتهاء شهر أكتوبر أصبح الذين يصرون على إجراء التحقيقات والمساءلة هم فقط عائلات الأسرى والمقتولين وقلة من المسؤولين غير المؤتمنين، وهم غالباً من خارج الدائرة الأولى التي على رأسها نتنياهو وبن غفير وسموتريش وغالانت وغانتس وهليفي. حتى إن زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد نفسه سكت عن الأمر ولم يعد يطالب بمحاسبة المسؤولين.
فلماذا صمَت كل هؤلاء، فجأة، وعلى الأخص المعارضين الذين يفترض أن يجعلوا من ضربة 7 أكتوبر مطية تقربهم من كرسي الحكم!؟
ما الذي حدث؟ وكيف انقلب هؤلاء على عقبيهم بهذا الشكل المريب جداً؟ وهل يمكن أن تُرجَّح فرضية علم إسرائيل المسبق بضربة 7 أكتوبر، وأنها لم تتصد لها لسبب أكبر من مقتل 1200 إسرائيلي؟
في البداية، لا تستند فرية «الاختراق الأمني» التي روجتها إسرائيل إلى أي دليل يثبت صحتها ويعزز وجود خلل عسكري أو أمني يجعل منها حدثاً محتملاً؛ فالرقابة الأمنية المشددة على طول الشريط الحدودي بين إسرائيل وقطاع غزة كانت في ذروة نشاطها وكانت البلاغات ترد إلى الجهات الأمنية - من داخل إسرائيل وخارجها - مؤكدة أن كتائب القسام ستقوم بهجوم وشيك كبير وغير مسبوق حضروا له منذ أعوام طويلة!
ورغم أن وحدة الاستخبارات «8200» التابعة للجيش الإسرائيلي، أبلغت فرقة غزة العسكرية بالهجوم الوشيك الذي ستشنه حماس وطالبت بالاستعداد للتصدي له وإحباطه، إلا أن الحكومة ووزارة دفاعها لم تتخذا أي قرار وأعلنتا لاحقا أنهما لم تأخذا الأمر على محمل الجد!
فهل تعجز إسرائيل المدججة بأبراج الكاميرات وطائرات التجسس ومراكز الذكاء الصناعي والجواسيس والعملاء الذين يأكلون ويشربون مع المقاومين، عن كشف هذا الهجوم الكبير والتصدي له خاصة أن التقارير الاستخباراتية أكدت أن الهجوم بات وشيكاً؟
وهل كانت استقالة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أهارون حاليفا، وقائد القوات البرية تامير يادعي، جزءاً من خطة نتنياهو لتضليل الإسرائيليين؟
أسئلة كثيرة تحتاج إلى المزيد من الأسئلة أكثر مما تحتاج إلى إجابات، وتحتاج إلى فهم العقلية الإسرائيلية اليهودية أكثر مما تحتاج إلى عد وحصر المبررات والأسباب التي تدعم صدق هذه الفرضية أو تلك.
بلا أدنى شك، كانت إسرائيل تعلم بموعد الهجوم وحجمه وكان قادتها يترقبونه وينتظرون حدوثه، وقد تعمدوا الابتعاد عن مسرح الأحداث لسبب كانوا يرونه أعظمَ من التضحية بأي عدد من اليهود.
حتى إنهم أحرقوا من نجا من مواطنيهم بصواريخ أطلقتها مروحياتهم لتضاعف عدد القتلى وتعرض بعد ذلك جثث الإسرائيليين التي أشعلتها ومزقتها وقطعت رؤوسها القنابل الحارقة، على أنهم ضحايا المتوحشين الفلسطينيين، الذي دخلوا قاعات رقصهم وبيوتهم الآمنة وفعلوا بهم ما فعلوا!
وبالطبع هذا أمر لا يستطيع أحد من قادة إسرائيل الإفصاح عنه لأن ذلك يعتبر تضحية بمواطنين إسرائيليين وتقديمهم قرابين على مذبح بقاء دولة إسرائيل وتوسعها .. فمصلحة إسرائيل فوق مصلحة جمهورها؛ والتضحية لدى اليهود شيء مقدس ولكن الإعلان عنها يقلب إسرائيل في غضون 24 ساعة!
وقبل أن تبرد جثثهم المحترقة، رفعت إسرائيل قمصانهم فوق فوهات البنادق؛ فلم يكن السابع من أكتوبر سوى ذريعة لتهجير وإبادة الفلسطينيين، وتأليب العالم ضدهم، وإظهار الخطر الوجودي الذي يتهدد الإسرائيليين الطيبين على يد الحيوانات البشرية التي تريد رؤية كل المتحضرين أمواتاً!
وبالفعل ذروا الكثير من الرماد في عيون الغرب، الذين انخدعوا بمكيدتهم وهبوا لنجدتهم وحمايتهم وتزويدهم بالأسلحة الحديثة والذخائر شديدة الانفجار، التي قتلت أكثر من أربعين ألفاً من أهل غزة ثلثاهم من النساء والأطفال.
فانحياز الغرب لإسرائيل هو انحياز أبدي ديني وديموغرافي: (يدعمونها إذا ضَربت ويحمونها إذا ضُرِبت)! رغم أن إسرائيل تزدري أصحاب العيون الزرقاء كما تزدري ديانتهم على حد سواء.
فهي لا تحترم الغرب ولا تعبأ بجميع المؤسسات الدولية بدءاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمحكمة الدولية الجنائية التي وصفت أعضاءها بأنهم مجرد أراجوزات ومهرجي سيرك لا يجب أن تبدي لهم أي احترام، فإسرائيل لا تُظهر الاحترام للمؤسسات الدولية لأنها لم تشعر يوماً أنها دولة تنتمي إلى هذه المؤسسات.
والسؤال الذي سيطرحه المتابع لعملية «طوفان الأقصى» هو: لماذا تفعل إسرائيل ذلك؟ لماذا تلحق العار بجيشها وقوات أمنها واستخباراتها؟ وما هو الثمن الأكبر من هذا العار؟
- فلسطين! الأقصى! إبادة الفلسطينيين وتهجيرهم! وتصفية القضية الفلسطينية! وهو أيضاً الذريعة التي ستقدمها إسرائيل للعالم لجزِّ القوة المتنامية للمقاومة قبل أن تنمو أكثر وأكثر ويتعذر عليهم اقتلاعها! .. فأرض فلسطين والمسجد الأقصى يستحقان التضحية بأي عدد من رؤوس الإسرائيليين.
وحتى تُحكِم إسرائيل لعبتها المقدسة، وترضي أهالي المقتولين، أظهرت غضبها الزائف، وقررت أن تنتقم لضحايا إسرائيل من مقاتلي «حماس» وآبائهم وأمهاتهم وأزواجهم وأطفالهم، فلا أحدَ بريئاً في غزة! وعلى غزة كلها أن تدفع ثمن المقتولين. وبهذه الذريعة الصوتية بدأت إسرائيل تحقق أهدافها الحقيقية بشنها حرب إبادة اتسمت بالتوحش والكراهية والتعطش الذي لا ينتهي للدماء. وكما في تراثهم الديني فإن القتيل اليهودي لا بد أن يُقتل به أربعون أمياً (أممياً).
فالإبادة والتهجير هدف استراتيجي تاريخي لقادة إسرائيل وقد نادى بهما جميع رؤسائها وقادتها وكتابها ومفكريها منذ العام 1947، وهو ما يردده بكل وضوح بنيامين نتنياهو: «كرست كل حياتي لعدم قيام دولة فلسطين»! فهو يدرك قبل غيره، أن قيام الدولة الفلسطينية يقود إلى انتهاء الدولة اليهودية.
فنتنياهو سيستمر في حربه ضد غزة ليس لإطالة أمد حكمه، وإنما من أجل تدمير غزة والضفة الغربية وجعلهما ليستا صالحتين للعيش! وطوال هذه الحرب سيدعمه بايدن وستارمر وبارنييه وشولتس، دون قيد أو شرط!
والحقيقة أنه ليس لنا أن نلوم الغرب على هذا التواطؤ والانحياز والصمت إزاء جرائم إسرائيل. وإنما نلوم أهلنا العربَ الذين تخلوا عن أشرف فرسانهم وهم يُذبحون في معارك إنقاذ فلسطين والأقصى.
لقد فقد العرب جرأتهم بعد كل مواجهاتهم المذلة مع دولة إسرائيل! حتى رأينا العرب يدفنون رؤوسهم في الرمل، ومصر تنجر لتلعب دور الوسيط في صراع كان لا بد أن تكون جزءا منه!
فالعرب يهابون إسرائيل، ويخشون حتى تفعيل «معاهدة الدفاع المشترك لجامعة الدول العربية»، وأظن أن هذا الخوف سيبقى طالما وجد في وطننا العربي حاكم واحد استنشق هواء يوم 5 يونيو 1967.
أما الفلسطينيون (واسطة عقد العرب) فعليهم أن يواصلوا إظهار الشجاعة العظيمة، ومقاومة لا تموت.
.. فإسرائيل تنتهي عندما تخسر أول معركة، وقد توافرت أسباب زوالها! حتى إن المفكر اليهودي أبراهام بورغ أوصى الإسرائيليين بالحصول على جواز سفر ثانٍ!
لقد كسر المقاومون شوكة إسرائيل يوم 7 أكتوبر الماضي، وكان على هذا النصر المبين أن يتحقق سواء أحْزن الهجوم قيادات إسرائيل أو أسعدهم، وسواء أغمضوا أعينهم أمامه أو فتحوها عن آخرها! ..
.. وأي قوة تستطيع التصدي لرجال انشقت عنهم الأرض!.
هامش:
الكيد المرتد / البومرانج/boomerang : عصا معقوفة يرميها الرامي فتطير في الهواء ثم تعود لراميها. والمعنى الاصطلاحي: ارتداد الكيد إلى نحر صاحبه؛ وهذا انطبق على إسرائيل عندما كادت لحماس وانقلب الكيد عليها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات