من أبجديات التفكير الإيجابي أن يعرف الإنسان هدفه الذي يسعى لتحقيقه، وأن يرسم خطة ملائمة لتحقيق هذا الهدف، وأن يتخذ الوسائل المعينة التي تساعده لكي يصل إلى مبتغاه، وأن يعرف كيف يوزع جهده على مراحل سيره نحو غايته، ولكنَّ هناك أمرا آخر لا يقل أهمية عن كل ما ذُكر سابقا، وهو أن يعرف المرء ما إذا كان قد سلك الطريق الصحيح للوصول إلى هدفه المنشود أم أنه أخطأ في اختيار هذه الطريق، فإذا كانت الأولى فإنه سيصل، وإن كان وصوله بطيئا، وإذا كانت الثانية فكلما أسرع كان خطؤه أنكى وأفظع.
عندما تسافر بالسيارة وتسير في الطريق الصحيح قد لا يهمك أن تكون مسرعا أم بطيئا ما دمت تسير في الاتجاه الصحيح، وقد تكون ممن يعشقون تحطيمَ الأرقامِ القياسيةِ والتباهيَ بذلك، وقد تكون من أنصار تلك المقولة التي نراها في الطرقات «يا أبي لا تسرع، فنحن في انتظارك»، لكن المشكلة تكون عندما تكتشف أنك تسير في غير الاتجاه الذي ينبغي عليك أن تسير فيه، هنا يجب عليك العودة والبدء من الصفر، والمشكلة تكون أكبر حين تسير وتسير، وتُسرع وتُسرع، ولا تصل أبدا، وبدل أن تغير الطريق تصر على أنك تمضي في الاتجاه الصحيح، جهلا وغباء، أو عنادا واستكبارا، والجهل مضحكة، والعناد وباء ومهلكة.
السياسة هي فن تحقيق الممكن، وليست فن تحقيق كل شيء، وبادئ ذي بدء عليك أن تعرف ما هو الممكن في هذه المرحلة، وما هو الممكن في المرحلة القادمة، وما هو غير الممكن الآن وغدا، ثم عليك أن تعرف كيف تصل إلى هذا الممكن، وأي سبيل يمكن أن توصلك إليه، وما هو الجهد الذي ينبغي أن يبذل في كل مرحلة، وما هي الأدوات المساندة والمساعدة اللازمة لكل مرحلة. أما من يفعل خلاف ذلك، فأولئك الذين ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
نسمع كثيرا وكثيرا عن لقاءات وتشاورات، واجتماعات ومؤتمرات، ومنتديات وملتقيات، ومبادرات ومقترحات، ومسميات أخرى كثيرات، تنفق عليها الأموال، وتشد إليها الرحال، وتؤجر من أجلها أغلى الطائرات، وتحجز الفنادق الفارهات، وتقام من أجلها الولائم، ويدعى إليها الأكابر والأكارم، وتستدعى إليها الصحف والإذاعات، وحتى القنوات والفضائيات، وتلقى فيها الخطب والكلمات، وتسطر حولها الأخبار والمقالات، ويستدعى لأجلها ضيوف في النشرات، ورجال في الحوارات، يقال إنهم محللون سياسيون، ومفكرون متميزون بارعون، بعضهم مؤيدون، وبعضهم الآخر محتجون معارضون.
يستمع إليهم عامة الناس، لينقسموا بعد ذلك إلى فريقين: فريق يتبع أهل اليمين، وما هم بأهل يمين، وفريق يتبع أهل اليسار، والحق أنهم أهل إعسار، فيتناطح الفريقان، ويختصم الجمعان، ويختلف الأخ مع أخيه، والابن مع أمه وأبيه، وتحتار الناس من شدة تشتتها واندهاشها، فيصعب عليها ترتيب أفكارها ولَمِّ شتاتها، ويثار غبار المعارك السياسية، وتثور معه الحمية الجاهلية، ويُمضي الناس في كل ذلك وقتا من أعمارهم ليس بالقصير، لتأتي بعد ذلك كله كلمة الفصل والتقرير، فتقول: إن كل ما صدر من كلام في هذا الشأن صدر عن غير ذي شأن، وإن كل مَن وصف المشهد السياسي الحالي بصفة ما هو غير ذي صفة، وإن كل ما سمعتموه جعجعة بلا طحين، وكل ما رأيتموه برق خلب، وكل الوعود مواعيد عرقوب.
كم رأينا من تنصيب وعزل، ومن دمج وفك، ومن تقارب وتنافر، ومن اتفاق واختلاف، ومن اجتماع يعقبه تفرق، ونسجٍ للخيوط يتلوه تمزق، ومعانقاتٍ وأحضانٍ يغلب عليها النفاق والتملق، وسقوط مدوٍ بعد صعود سريع وتسلق، لكننا لم نرَ أي نتيجة على الأرض من وراء كل ذلك، لماذا؟ لأن الجميع أخطأ الطريق، الجميعَ يتسابق خارج حلبة المضمار، الجميعَ يغرد بعيدا عن السرب، ولك أن تتخيل بعد ذلك الجهود المبذولة، والأزمنة الضائعة، والأموال المهدرة، والأحلام المعلقة، والقلوب المتأملة، والأبصار المشرئبة، كل ذلك يتلاشى كهباء منثور، ويهوي كقصر من خيال، ويبتعد كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، بسبب المسلك الخطأ، والطريق الخطأ، والتفكير الخطأ.
حين وضعت ليبيا تحت البند السابع صار أمرها بيد غير أهلها، وحين رضي أبناؤها بالاجتماع تحت القبة الأممية بادئ الأمر أصبح لزاما عليهم أن يجدوا حلولا لمشكلاتهم تحت هذه القبة وليس بعيدا عنها، أما من يحاول استخلاص الحلول الناجعة بعيدا عن هذه القبة، فهو كمن يحاول استخلاص السكر الحلو من ماء البحر المالح، لذلك فإن ما يقوم به بعض الأفراد أو ما تقوم به بعض المؤسسات من محاولات لإيجاد مخارج للأزمة السياسية الراهنة لا يمكن أن يكتب له النجاح إلا إذا كانت مخرجاته جاءت من تحت القبة الأممية من جهة، وتوافقت عليه الأطراف الفاعلة من جهة أخرى، بعيدا عن الشخوص الساعية لحضور المؤتمرات المعقودة في العواصم العالمية، وفي فنادق النجوم الخمسة.
وبعيدا عن الوجوه التي اعتاد المواطن البسيط على رؤيتها في القنوات الفضائية، فهذه الشخوص وهذه الوجوه ليست هي الشخصيات المتسابقة والمتنافسة، وهذه الفنادق وتلك القنوات الفضائية ليست هي حلبة السباق والمنافسة. وإنه لمن غير الحكمة أن تطلب الشيء من فاقده، وإنه لمن غير الحكمة أيضا أن يستجير الناس بمن لا يجير، وقديما قال الشاعر:
المستجيرُ بعَمروٍ عند كربتهِ ... كالمستجير من الرمضاءِ بالنارِ
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات