1-
عند جهينة الخبر اليقين، مثل معروف، مثله "الصيف ضيعت اللبن"، وذات مرة كان عندي الخبر وضيعته في الصيف. عملت سنوات عدة، بإدارة الأخبار والشئون السياسية، بالإذاعة والتلفزيون والجرائد. كانت طاولة الأخبار، يحيط بها عدد من محرري الأخبار، وتدعى «الدسك»، وعند كبير المحررين توجد سلة، توضع فيها الأخبار المحررة المقرر نشرها، فيقوم محرر مسؤول بإحالتها للمطبعة.
كنت تلك الليلة المحرر المسؤول، ومن سوء الحظ مرّ رئيس التحرير، على غير عادته، علي المطبعة عند الفجر، حيث تكون الجريدة قد طبعت، فتصفحها السيد الرئيس، فلم يجد خبرا كان بعثه، ملحا على بروزته في الصفحة الثالثة.
ذلك اليوم ازدحم بالأخبار، والمحرر من راجع الخبر، في زحمة الشغل، أراد وضع الخبر في السلة، فسقط منه سهوا خارجها. ومع كثر الأخبار، كنا في نقاش حامي الوطيس، حول خبر ساخن عاجل، فلم أراجع ما تسلمت من أخبار، فضاع الخبر المهم في هذا الزحام، وبات الدرس الأول لي، في معرفة الخبر الضائع.
لكن ازدحام الأخبار، خاصة عواجلها، زاد خلال العقد الثاني من الألفية الثالثة، وفي هذه الفترة ثمة خبر مركزي، كالنار في الهشيم، يغطي علي بقية الأخبار وقد يزيحها. هذا من جهة، يريح المحررين، ومن جهة أخرى، يُضيِّع منهم خبرا مهما، من أجل سطوة الخبر الأكثر أهمية. ومن الطبيعي أن المتابعة الدقيقة والحكيمة، تجرى في حال الاستقرار، ما إن غاب تضيع حقائق عدة، ولا يكون ثمة لحظة للتأمل والتفكر، فتعم الفوضى حيث يسود التملق والادعاء، فلا يكون عند جهينة الخبر اليقين.
2-
تتناقل الميديا والسوشيال ميديا، صور وأخبار شخصية، تبدو وكأنها منفلتة من رواية لكافكا، شخصية رغم أنها من الواقع، وأفعالها وقائع دامغة، لكن رغم ذلك فإنها تنتمي لرواية فنتازيا، أكثر من كونها شخصية واقعية. وقبل أن أفصح عنها، أفكر هل ثمة شخصية روائية، يمكن أن نلتقيها في الحياة، هل يمكن أن نلتقي شخصية خيالية كفرنكشتاين في الحياة؟، ثم هل يمكن اعتبار شخصيات روائية شخصيات عالمية، بالخصوص في الروايات الطليعية، كروايات فرانز كافكا؟، أم أن شخصيات كافكا شخصيات محلية؟.
لنأخذ فرنكشتاين مثلا، أحمد سعداوي اصطاد هذه الشخصية، في روايته «فرنكشتاين في بغداد»، الحائزة جائزة «البوكر» 2014م، هذه الشخصية الروائية، تؤكد أن بإمكانها الخروج، من عالم رواية إلى عوالم أخرى، وأنها شخصية عالمية، قادرة على أن تنتحل روحا محلية، ففرنكشتاين الإنجليزي/ ماري شيلي، هو فرنكشتاين العراقي/ أحمد سعداوي، والفرقان في الكتابة وليس في الشخصية.
والشيء بالشيء يذكر، فإن كنا نتحدث، عن الشخصية الروائية العالمية، فهل ثمة رواية عالمية أصلا؟، جوهان غوته الألماني العام 1827م، بشر بأن قال: «بتُّ اليوم مقتنعا، أكثر فأكثر، بأن الشعر هو ملكية كونية للإنسانية. يكشف عن كينونته، في كل الأمكنة والأزمنة، وفي مئات عدة من الرجال.
الأدب القومي هو اليوم مفردة مفتقدة للمعنى، وحقبة الأدب العالمي هي الطاغية، وعلى الجميع أن يسعوا بأقصى ما يستطيعون، للتعجيل في ترسيخ هذا الأدب». ولقد علق آدم كيرش الأميركي، في كتابه الرواية العالمية ترجمة لطيفة الدليمي: «من ذا الذي يستطيع، أن يشكك في أن نبوءة غوته، قد تحققت مرات عدة، في القرن الحادي والعشرين...».
باعتبار أن الآداب والفنون نتاج المخيلة البشرية، فإنها مهدمة الحدود، وتخرج عن جلدها/ اللغة، كما يخرج الثعبان ليتجدد. لهذا الاعتبار فإن فاوست، وقبل دون كيشوت، وقبل سندباد وعلاء الدين، شخصيات عالمية، شخصيات خرجت من سياقها السردي، لنلتقيها كأيقونة، أو كشخصية حية هنا أو هناك. فمنا من يتغرض: أن يلبس لبوس سندباد، أو يكون دون كيشوت، وقد يكون فاوست، من تسلل من رواية غوته، بعد أن باع روحه في السياق الروائي إلى الشيطان، تسلل ليعود من حيث أتى، إلى الحياة، بعد أن باع الروح.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات