يكثر الحديث عن اليسار أو ما يفضل تسميته، كنوع من التقية، اليسار المعتدل، أو يسار الوسط، أو وسط اليسار، يعمل غالبًا في المنطقة الرمادية بين اليمين الراديكالي واليسار الراديكالي، وحقيقة يصعب في الواقع فرز هذا الطيف اللوني المموه، ويتشبه باليمين في تدرجاته الشبيهة بألوان الطيف التي هي في الواقع انعكاسات للون واحد أبيض. وفي زمن النزوح العظيم هذا نزح اليسار صوب ضفاف الرأسمالية الليبرالية التي تتحكم في العالم، بل غدت أمم مثل الصين وروسيا في قلب الرأسمالية، ما جعلها لقمة سائغة للعقوبات التي تفرضها المؤسسات المالية الغربية، في الوقت الذي لم تُنطق فيه كلمة (الاشتراكية) بتاتًا في حملات الانتخابات اليسارية في بريطانيا وفرنسا، وكأنها أصبحت مدعاة لشبهة تشي بمعاداة الرأسمالية. فالعالم أصبح يحكمه منطق السوق، أو ما يسمى السوق العالمية التي لا يمكن أن تنخرط في صراعها إلا بالانصياع لماكينة الرأسمالية التي تجعل من تسمية اليسار مجرد حنين يتعلق ببركة الأجداد وزيارة حولية لأضرحة الاشتراكية المهجورة، وهذا كان في زمن العمل المضني في المناجم والمصانع البدائية حين كان العمال كادحين فعلًا يقضون معظم أوقاتهم بين تروس صاخبة أو في أنفاق خانقة تحت الأرض، أما عمال هذا العصر الذين ما زالت بعض الأحزاب تتاجر باسمهم الرنان فما عادوا يمتون لليسار بصلة، وتحولوا إلى تكنوقراط (كادح وأنيق) يتهددهم عصر الذكاء الصناعي بروبوتات ذكية تحل محلهم بحشد من العمال والموظفين الذين لا ينامون، ولا يحتاجون إلى نقابات مزعجة، أو إضرابات، أو تأمينات طبية، أو ضمان اجتماعي، أو عطلات. ويحدث هذا بعد أن احتكرت الرأسمالية العلماء والعلم ومراكز البحث، وأصبحت أداتها في مواجهة أي انتعاش (يساري) جديد لا عدة له سوى النظريات والتبشير والنثر العظيم.
ما أراه الآن في هذه التوصيفات الدعائية أن تلك التيارات تنقسم إلى يمين متشدد ويسار مشحون برومانسية القرن التاسع عشر الحالمة، وتيارات يمينية ويسارية مرتبكة تبحث في المنطقة الرمادية عن موقع قدم مستفيدة من حيرة الناخب أمام نقيضين يشبه صراعهما مباريات المصارعة الاستعراضية التي تجذب الكثيرين رغم الاتفاق المبدئي بين المصارعين على سيناريو المعركة. في المملكة المتحدة حيث ما زال القصر الملكي هو قبلة الديمقراطية والكنيسة معبدها وبركتها، تتشكل ثنائية مختلفة عن باقي البر الأوروبي، بين المحافظين من جهة واليسار الجديد المتشبث بشعاره العمالي من جهة أخرى، أو يسار محافظ في مواجهة يمين محافظ.
«اليساري القديم» توصيف شائع الآن وكأنه يشي بتوبة من تهمة ما تربط هذا اليسار بأحد محاور الشر كما تسميه الدعاية المضادة، ولا ملاذ لما تبقى من أحزاب يساريةِ الشعار سوى أن تنزح من هذا الإرث المشوش إلى منطقة اليمين المعتدل الدافئة، أو اليمين الوسط كما يحلو لمهندسي الحملات الانتخابية تسميته. على المستوى الفلسفي والفكري كان مثقفو اليسار العتيدون يعبرون عن توبتهم بمداخل فلسفية ونقدية جديدة لما يسمونه اليسار الجديد أو اليسار المتحول، وكانت مذاهب مثل البنيوية والتفكيكية وحتى بعض تيارات ما بعد الحداثة تحاول وصلَ اليسار المحتضر سياسيًا بأجهزة التنفس في غرف الإنعاش المعرفي، بينما في مواجهة هذا التنظير الذي ينزح كل مرة بما تبقى من مقولات اليسار إلى منطقة آمنة، يقف العلم وما ينتجه من تقنية في مواجهة هذه النظريات التي يسميها (اليساري القديم) ألان سوكال1 «هراء عصري»: أو هراء على الموضة، وما يجعل رئيس الوزراء البريطاني المحافظ من أصول هندية، ريشي سوناك، يتفاخر في خطبة وداعه بأن أهم إنجازاته ربطُ الاقتصاد في بريطانيا بالتكنولوجيا.
يقول الفيزيائي ألن سوكال الذي تصارعت في داخله الأيديولوجيا والعلم: «أعترف بأني يساري قديم لا يخجل من يساريته، لم يستطع قط أن يفهم تمامًا الكيفية التي يفترض أن يساعد بها التفكيك الطبقة العاملة. أنا أيضًا عالم تقليدي يعتقد، بسذاجة، أن هناك عالمًا خارجيًا، وأن هناك حقائق موضوعية حول هذا العالم، وأن وظيفتي تتمثّل في اكتشاف بعض منها... غير أن موضع انشغالي الأساسي لا يتمثّل في الدفاع عن العلم ضد جحافل نقاد الأدب المتوحشين؛ لكنّه سياسي صراحة، وبوجه أعمّ مكافحة الافتتان بالذاتانية، المعادية في تقديري لقيم اليسار ومستقبله. وقد عبّر آلن ريان عن هذا بأسلوب جيّد حين قال: ومَثل هذا أن الأقليّات المحاصرة التي تتبنّى مواقف ميشيل فوكو، ناهيك بجاك دريدا، إنما تلقي بنفسها إلى التهلكة. لقد كانت رؤية الأقليّة دائمًا هي أنه يمكن تقويض القوّة بالحقيقة، وما إن تقرأ فوكو يقول إن الحقيقة مجرد أثر للقوّة، حتى يكون قد نالك ما يكفي، غير أن أقسام الأدب، وعلم التاريخ، وعلم الاجتماع الأميركية تضم عددًا كبيرًا ممن يصفون أنفسهم باليساريين الذين خلطوا بين الشكوك الجذرية في الموضوعية والجذرية السياسية، وانتهى بهم المطاف في وضع لا يحسدون عليه»2.
وهذا الوضع غير المحسود عليه يمثل الآن، حسب اعتقادي، وضع اليسار في فرنسا المذعور من صعود اليمين المتشدد لدرجة أنه بدأ يرتدي أقنعة اليمين بكل تدرجاته في الحفل التنكري الذي يشهده العالم الآن، كما يمثل وضع اليسار في بريطانيا المبتهج بفوزه التاريخي على حزب المحافظين الذين هيمنوا على الانتخابات البريطانية لمدة 14 عامًا، كان فيها اليسار حزبًا معارضًا يجلس على يمين المُشاهد في مجلس العموم، ولأن المحافظين ليسوا يمينيين بالمفهوم السائد وحزب العمال ليس نقيضًا جذريًا له، فثمة يمين ينمو ببطء فعال في بريطانيا يقوده حزب الإصلاح بزعامة نايجل فاراج، المتحدر من أصول ألمانية، وحزبه الذي استقطب كوادر مهمة من المنشقين عن المحافظين والعمال، هو نسخة إنجليزية منقحة عن حزب «الجبهة الوطنية» اللوباني في فرنسا، ينتظر فشل اليسار في تلبية رغبات الناخبين المعقدة مثلما فشل المحافظون كي ينقض على صناديق الاقتراع في المستقبل مستفيدًا من خطابه الشعبوي تجاه مسألة الهجرة خصوصًا، ورغم أن بعض المحللين يهدئون من هذا الروع بقولهم إن بريطانيا المحافظة (أخلاقيًا) مختلفة عن باقي دول البر الأوروبي باعتبار أن لها تاريخا في قمع أي نزوع متطرف في مهده مثلما فعلت مع أصحاب القمصان السود المناهضة لليهود واليساريين بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أن الذعر لم ينقشع بعد في أمة متعددة الأعراق والطوائف بشكل كبير، وملف الهجرة قد يكون حاسمًا في مستقبل هذا الخوف، حيث هو الملف الذي يجعل كل الغرب المتوجس حيال هويته وأمنه في مَرْكب واحد في النهاية، أو ما يسميه عالم الاجتماع البولندي، زيجمونت، باومان «الهلع الأخلاقي» الذي سيشكل التعويذة الدائمة التي يبني عليها كل يمين راديكالي ـ يتظاهر بالاعتدال ـ مشروعه المستقبلي لاجتياح صناديق الاقتراع عبر الترويج لهذا الهلع.
يقول باومان في وصف بديع لهذا الهلع الذي تتبناه كل وسائل الميديا: «أضحت أخبار التلفزيون، وعناوين الصحف، والخطب السياسية، وتغريدات الإنترنت، التي دأبت على تأمين بؤرة ومتنفس لقلق العامة ومخاوفهم، تطفح بالإحالات على أزمة الهجرة التي يظهر أنها تغمر أوروبا وتنذر بانهيار وأفول الحياة التي نعرف، ونمارس، ونبجّل. وترمز هذه الأزمة في الوقت الراهن إلى المرحلة الحالية من المعركة الدائمة التي يشنها قادة الرأي من أجل غزو الأذهان والمشاعر البشرية والسيطرة عليها. ويكاد أثر بث الأخبار من ساحة هذه المعركة يسبب (هلعًا أخلاقيًا)» ويتبنى باومان في هذه الحالة تعريف ويكيبيديا الإنجليزية لمصطلح «الهلع الأخلاقي» الذي يحيل على «خوف ينتاب عددًا كبيرًا من الناس من أن شرًا ما يهدد رفاه المجتمع»3.
وهذا الشر ما يتفق حياله المحافظون والعمال في بريطانيا، والذي جعل سطاتها تحيل بموافقة الحزبين (ما عدا الراديكاليين من حزب العمال) رواندا إلى غوانتنامو للهجرة، عبر إبعادها لطالبي اللجوء إلى معسكرات في رواندا حتى يتم تدارس طلباتهم، مع ضخ مئات الملايين من الإسترليني مقابل ذلك، مثلما حدث سابقًا في اتفاق بين دول مقصد الهجرة الأوروبية وتركيا التي ضُخت لها المليارات كي تحتفظ بالمهاجرين لديها وتستخدمهم ورقة ابتزاز.
من جانب آخر، يعتبر بعض المحللين المتعاطفين مع الفلسطينيين أن حرب غزة هي القشة التي قصمت ظهر المحافظين، غير أن تصريحات رئيس حزب العمال الحالي، ورئيس الوزراء المقبل، ستارمر، حيال هذه الحرب كان أكثر حدة من المحافظين في انحيازه لإسرائيل، ما جعل 20 نائبًا من حزب العمال يستقيلون بسبب هذه التصريحات التي لا تختلف كثيرًا عن تصريحات آرثر جيمس بلفور الذي تزعم حزب المحافظين لعشرين عامًا بداية القرن الماضي، وأثناء عمله وزيرًا للخارجية (1916 ـ 1919) أطلق وعده الشهير بإنشاء «وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين»، الذي تعامل مع الصهيونية، وفق تبريره، كقوة تستطيع التأثير في السياسة الدولية وبالأخص قدرتها على إقناع الرئيس الأميركي ويلسون للمشاركة في الحرب العالمية الأولى إلى جانب بريطانيا، وكان يعارض وقتها الهجرة اليهودية إلى شرق أوروبا خوفًا من انتقالها إلى بريطانيا، وكان يؤمن بأن الأفضل لبريطانيا أن تستغل هؤلاء اليهود في دعم بريطانيا من خارج أوروبا. وهي المصالح ذاتها التي تضغط على (اليساري الجديد) ستارمر الذي تخلص من متشددي حزبه، وهو يدرك أهمية دعم اللوبي الصهيوني، والحرص على نيل رضا إسرائيل، لأنه يعني رضا الولايات المتحدة التي تدور بريطانيا في فلكها خارج مدارها الأوروبي.
1 ـ اشتهر بما يسمى «خدعة سوكال» عندما أرسل إلى مجلة «سوشيال تيكست» المتخصصة في الدراسات الثقافية لما بعد الحداثة، مقالًا من الهراء العلمي لا معنى له، فنشرته المجلة، وفي يوم نشر المقال في مايو 1996، نشر سوكال في مجلة «لغة التواصل» أن المقال كان خدعة.
2 ـ ألان سوكال/ جين بركموت. هراء عصري: سوء استخدام مثقّفي ما بعد-الحداثة للعلم. ترجمة نجيب الحصادي.
3 ـ زيجمونت باومان. غرباء على بابنا. ترجمة نجيب الحصادي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات