Atwasat

«رؤية بيضاء» للخروج من الأزمة الليبية (1-3)

محمد عبد العزيز الفقهي الأربعاء 03 يوليو 2024, 07:12 مساء
محمد عبد العزيز الفقهي

(1) مشكلة المسار التأسيسي
بعد مرور 13 سنة على الخروج الشعبي لثورة 17 فبراير، أصبح المشهد السياسي في ليبيا ملتبساً ولا رؤية واضحة تبدو في الأفق، لكن يمكن القول إن 50% من إشكالية الانسداد السياسي المتكرر، هي أزمة مسار تأسيسي بالدرجة الأولى، أما مسألة الحكومة ومتعلقاتها من هشاشة الوضع الأمني، والمشكلة الاقتصادية فهي مسألة مضاعفات وتداعيات تابعة.

وقد كانت التدخلات الأجنبية هي مسألة مضاعفات باعتبار أن التغيير السياسي حدث بتدخل أجنبي، مما أنشأ انقساماً رأسياً زاد مع السنوات وكون أزمة ثقة بين الأطراف. لذا فاضطراب المسار التأسيسي دستورياً، بالإضافة إلى التدخل الأجنبي، أضحى الحوار الليبي -الليبي مجرد حوار عدمي، ومختزل في المحاصصة وتقسيم السلطة لا تكوينها والذي كان غالباً ما ينقطع بحرب. واتفاق الصخيرات لم يعالج المشكل لأنه اتفاق تقاسم سلطة لم يتضمن حل مشكل القوات المسلحة والمحاربين ولا إجراءات احترازية لمنع عرقلة تداول السلطة ولا معالجة للفراغ الدستوري.

في هذه المقالة يمكننا تقديم رؤية أطلقنا عليها «الورقة البيضاء» لمعالجة الانسداد في ليبيا تتناول ثلاثة محاور الأول: هو عرض مشكلة المسار التأسيسي، ثم الرؤية لبند الديباجة وما بها من أحكام دستورية، ونختتم برؤيتنا الثالثة وهي كيفية تنفيذ الأحكام الختامية.

مشكلة المسار التأسيسي
وبداية نقول إنه لا يمكن تأسيس دولة قادرة أو ديمقراطية مستدامة دونما مؤتمر تأسيسي جامع يحسم فيه المسار الدستوري وتوضع خارطة لإنهاء المرحلة الانتقالية، واتفاق سلام يوقع في إطار مؤتمر دولي ينهي النزاع حول تداول السلطة الذي تخلله تدخل أجنبي، ويوقع الأطراف بلا إقصاء على اتفاقية إطار دستوري وسلام كاتفاقية جزء من أي دستور أو وثيقة دستورية، باعتبار أن لا إمكانية لقيام انتخابات بعد تجربة 2012 و2014 دون اتفاق إطار دستوري بضمانة دولية في مؤتمر دولي ينهي فوضى السلاح. ويتكون المؤتمر من الدول المتدخلة في الشأن الليبي كضامن، بالإضافة إلى الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي، والأطراف الليبية الرئيسة وهم: رئيس البرلمان أو ممثل عنه، رئيس المجلس الرئاسي، رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة، ممثل عن القوات المسلحة في الشرق، ممثل عن التشكيلات المسلحة والقوات المسلحة في الغرب، وممثل عن النظام السابق.
لذلكم للخروج من الانسداد وإنهاء المرحلة الانتقالية نحتاج إلى:

• مؤتمر جامع تأسيسي: في مدينة ليبية يجتمع فيه أعضاء الهيئة التأسيسية للدستور، إضافة إلى ممثلين من الأحزاب، المجالس الاجتماعية والبلدية، يوضع في هذا المؤتمر خارطة لإنهاء المرحلة الانتقالية تختتم بانتخابات. أيضاً يصيغ المؤتمر ميثاقاً وطنياً اجتماعياً له قوة القانون، إن لزم الأمر. وتقدم مخرجات المؤتمر للبرلمان ومجلس الدولة للمصادقة عليه، وإنشاء لجنة مشتركة من المؤتمر البرلمان ومجلس الدولة، تتفق على القوانين ذات العلاقة، وإجراء استفتاء شعبي قبل الانتخابات على شكل الدولة، نظام الحكم، الراية، والمسائل الخلافية. ثم بعدها تسلم مخرجات الاستفتاء إلى لجنة لتنقيح وتعديل مشروع الدستور أو الوثيقة الدستورية المتفق عليها، والمصادقة عليها من قبل البرلمان ومجلس الدولة كدستور للبلاد في المرحلة الحالية تحت مسمى «دستور مؤقت» أو «قانون أساس دستوري». ويجب أن يتضمن التنقيح التالي:

1- إطار لحكم محلي كلامركزية موسعة، مثلا أن تجري إقامة محافظات باعتبار الدوائر الانتخابية، ثم باعتبار الأقاليم الثلاثة، يجري استحداث منصب رئيس محافظي المنطقة الشرقية، ومثله في المنطقة الغربية والجنوبية. وتكون لهم صفة نائب رئيس الوزراء، ولهم عضوية في مجلس الوزراء، وإن تعذر إصدار قانون، يعمل بهذا كمرسوم رئاسي، إلى حين إصدار قانون.

2- إلغاء المحكمة الدستورية والقانون الخاص بها، وجعل اختصاصاتها للمحكمة العليا ودائرتها الدستورية، والنص على أن رقابة المحكمة العليا ودائرتها الدستورية هي، رقابة لاحقة، كرقابة امتناع وإلغاء. ويخرج عن اختصاصاتها (أعمال السيادة، القرارات الإدارية المحصنة من ولاية القضاء، بحث ملاءمة التشريع من عدمه، أو اختصاصات المجلس الدستوري كرقابة سابقة ورقابة إلغاء، إذا تم الإنشاء...) وفي هذا السياق يفضل بدل إنشاء محكمة دستورية، إنشاء مجلس دستوري كهيئة رقابة دستورية سياسية، كرقابة سابقة وإلغاء فيما يتعلق بقانون الانتخابات وإجراءاتها من طعون، ومراجعة قانون الاستفتاءات واعتمادها، والمصادقة على عزل رئيس الدولة وحل السلطة التشريعية، ومراجعة القوانين المتعلقة بالأحزاب، والفض في النزاعات بين الرئيس والسلطة التشريعية ذات الطبيعة السياسية التي تؤدي إلى انسداد سياسي. وباقي الاختصاصات تترك للمحكمة العليا كرقابة لاحقة. وتكون عضوية المجلس الدستوري: ثلاثة يعينهم رئيس الدولة، وثلاثة يعينهم رئيس مجلس الشيوخ، وثلاثة يعينهم رئيس مجلس النواب، بالإضافة إلى عضوية رؤساء الدولة السابقين مدى الحياة، ممن لم يجر عزلهم.

3- اعتماد التعديل الدستوري باستفتاء شعبي والمصادقة تكون من قبل رئيس الدولة، ويكون مرة فقط في الدورة البرلمانية الواحدة.

4- النظام السياسي يكون رئاسياً يراعي فصل السلطات. وإن عدل إلى شبه رئاسي، إلغاء إجراء منح الثقة من البرلمان، وإن وجد سحب الثقة، فيكون مرة واحدة في الدورة البرلمانية، وإلا يعد البرلمان معطلا ووجب حله من قبل رئيس الدولة.

5- آلية عزل الرئيس تكون بغالبية نوعية من غرفتي السلطة التشريعية كغالبية الثلاثة أرباع مثلا. ويجب التمييز بين فقد الأهلية وفقد الثقة. في حالة فقد الأهلية كالخيانة العظمى، امتناع عن تسليم السلطة، جرائم ضد الإنسانية، يتم العزل باعتبار فقد الأهلية. أما في حالة فقد الثقة في الرئيس التي تتمثل في سلوك متعلق بسوء استخدام السلطة، عندها يحال إلى استفتاء شعبي، فإن تم عزله من الشعب تقام انتخابات مبكرة، وإلا يكمل الرئيس ولايته.

6- اعتماد آلية الاستفتاء الشعبي في حالة الانسداد السياسي لفض النزاعات.

7- تجريم إقامة قواعد أجنبية في ليبيا، والتأكيد على مبدأ عدم الانحياز دستورياً.

8- مادة ختامية: إرجاء الاستفتاء على دستور شكلي في وثيقة واحدة إلى حين إزالة الآثار المادية للحروب (وليس بالضرورة ذكر لفظ «دستور دائم »).

•مؤتمر دولي: يُجمع فيه الأطراف الأساسيون في الصراع كما أشرنا سابقا، بحضور الدول الضامنة والمتدخلة، ويوقع فيه على اتفاق سلام وإطار دستوري يحقق المصالحة الوطنية بشقها السياسي، ويكون ملحقاً للوثيقة الدستورية المتفق عليها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»