Atwasat

أحلام صغيرة في مهب الأوهام الكبرى

سالم العوكلي الثلاثاء 16 يناير 2024, 07:59 مساء
سالم العوكلي

حين كنا نشرع في حصادِ حقلٍ قمح أو شعير، مترامي الأطراف، لا نبدأ الحصاد واضعين هذه المساحة الشاسعة أمامنا، ونتحايل على هذا العناء بما يسمى (الخرجة)، وهو جزء صغير مقتطع من الحقل ينأى بنا عن الإحباط حين نرى مساحة الحقل الممتدة دون حدود أمامنا، فنقتطع مساحة صغيرة واضعين الحقل خلف ظهورنا، وهكذا خرجة بخرجة حتى ننتهي من المساحة كلها عبر هذا التقطيع الهندسي الذي من شأنه أن يحفز الهمم. بمعنى ألا يكون هدفنا من البداية الوصول إلى نهاية الزرع البعيدة، ولكن تقسيم الهدف الكلي أو النهائي إلى عدة أهداف أصغر توصل إليه دون احتمال العرضة للإحباط.

يحدث الآن هذا معي حين أضطر لقراءة كتاب ضخم، مفيد لكن غالبًا غير ممتع ويبدو من الضروري قراءته، وأستخدم تقنية الخرجة في قراءته وتقطيعه إلى فصول أو مراحل دون النظر إلى رقم الصفحة أو التفكير في متى أنتهي منه حين أرى الكتلة المتبقية منه. وبتقنية التقطيع هذه وتحديد غايات أقل عنتًا من أجل الوصول إلى الغاية القصوى، قرأت كتبًا على مضض مثلما كان يحدث معي في مواسم الحصاد تحت شمس لافحة، لكن، في النهاية، مشهد القمح الذهبي مكومًا على أرض صخرية يشبه ما غنمته من الكتاب غير الممتع من معلومات وأفكار ورؤى كانت غائبة عني. ولكن يبرز سؤال هنا: هل المفيد قد يكون غير ممتع؟ وهل الممتع بالضرورة مفيد؟ أسئلة تنقلنا إلى طية أخرى تتعلق بمفهوم القيمة أو الجدل بين الضرورة والرفاه.

سينطبق هذا أيضًا على مجمل الأهداف في الحياة الخاصة، أو في الحياة العامة كما في طموحات مجتمع وسياسات دولة. تفكيرنا في الهدف البعيد دون التفكير في الوصول إليه بأهداف صغيرة على الطريق يجعلنا نشعر بالإحباط أو بصعوبة المهمة، بل باليأس أحيانًا. وتقنية التقطيع في مثل هذه الغايات هي ما أفرزت مقولات مثل، التطور التدريجي، حرق المراحل، ومسافة الألف ميل تبدأ بخطوة... إلخ . غير أن مشاهدتي فيما بعد لآلات الحصاد الميكنية التي تنتهي من الحقل في يوم واحد، وتصل إلى هدف كان يستغرق منا شهرين أو ثلاثة حين كنا نحصد يدويًا، تضعنا أيضا أمام رؤية أخرى لمفهوم التطور ولسرعة الإنجاز، وربما لحرق المراحل وفق ما ينتجه العصر من دعم تقني لغاياتنا، فهل ما يفرزه العصر الحديث من معرفة وما ينتج عنها من تقنية قد يساعدنا في التفكير في الهدف الأقصى دون تقنية التقطيع البدائية؟ مع ملاحظة أن ما يحدث في الحقل مختلف عما يحدث في الذهن، وما يفترضه التقدم التقني يختلف عن الهندسة الاجتماعية، وأن الأهداف المعنوية أكثر تعقيدًا من الأهداف المادية، مثلما أن العلوم الإنسانية أكثر تعقيدًا من العلوم التجريبية، وإن مبدأ النضج ما زال يعمل في الحقل الذي علينا أن نلقي البذور ونرعاها وننتظر شهورًا كي يصبح جاهزًا للحصاد، وحتى الآن، على الأقل، لم تكتشف تقنية لتسريع هذه العملية البيولوجية، والمفارق أن تقنية التقطيع (الخرجة) البدائية تعمل حين أقرأ كتابًا إلكترونيًا على شاشة الكمبيوتر أفضل من قراءتي لكتاب ورقي.

نفكر أن نجعل ليبيا دولة مدنية ديمقراطية، مثلًا، ولا نشرع في خلق أهداف صغيرة توصلنا إلى هذا الهدف، كالمبادرة بإنشاء جمعية أهلية، أو البدء بمنتدى سياسي نتمرن فيه قبل أن نشهر حزبًا، أو التركيز على تطوير مراحل التعليم الأساسي قبل أن نصب جام تركيزنا على الجامعات والدراسات العليا، أو نضع خطة مرحلية للتغلب على أزمة السكان قبل أن نفكر في الرقم الفلكي الذي نحتاجه لكي نوفر سكنا لكل عائلة قائمة أو ستقوم مستقبلًا، ولقد مررت بلافتات كبيرة وبأرقام ضخمة لمشاريع سابقة لم تُنفذ، وبقيت لافتاتها حتى صدأت، مثل مشروع إنشاء 60000 وحدة سكنية، أو مشروع تربية 100000 رأس بقر وغيرها.

سبق أن تحدثت عن إجهاض مشروع توطين الصناعة في ليبيا، وأحلت السبب تقريبا للحالة نفسها، حيث بدأت الصناعة في ستينيات القرن الماضي بمصانع عائلية صغيرة معظمها تعتمد الصناعات الغذائية والصناعات التي تتوفر موادها الخام محليًا، ثم جاء الحماس الثوري الذي ينظر إلى نهاية الحقل فقوض هذه الصناعات، وبدأ بإنشاء مصانع ضخمة للجرارات والشاحنات والتلفزيونات والحديد الصلب وغيرها من المبالغات التي تزعم أنها ستضعنا في قلب العصر الصناعي، وفي النهاية كان الإحباط هو النتيجة، وانتهت الصناعات الكبرى بعد أن أنهت مشاريع الصناعات الصغرى، لتحل محلها تقنية ضخمة لصناعة الشعارات وتحقيق المنجزات «العظيمة» بواسطة اللغة والأرقام التي لا نراها سوى على لافتات الطرق الرئيسية والفرعية.

بعد انتفاضة فبراير وسقوط النظام السابق، حدثت حالة هوس جماهيرية بفكرة الانتخابات، وذهبنا مباشرة إلى آخر ما وصل إليه العالم الحديث بعد ممارسة استمرت قرونًا، بل إن الهوس بالانتخابات وصل حتى إلى المؤسسات التي لا يتم فيها انتخابات حتى في الدول التي لها باع طويل في الديمقراطية، مثل انتخاب رؤساء الجامعات، وكانت رقعة الأحلام تمتد أمامنا كحقل شاسع نحدق في نهايته، وربما هذا سبب ما أصبحنا نعانيه من إحباط بعد أن ابتعلت الأهداف الكبرى الأهداف الصغرى التي من الممكن أن توصلنا إليها.

حين نتعرض لأزمة أو إشكالية مركبة تتكون من مشاكل عدة، سواء أكانت في مقتضيات الحياة أو كانت فكرية، ينصح بعض الفلاسفة بأن نبدأ بمعالجة الأسهل ثم الأصعب، وحين نتعرض لعدة أزمات متزامنة في حياتنا، ينصح علماء النفس السلوكي ألا نفكر فيها كلها في نفس الوقت، ولكن في عزل كل مشكلة بذاتها وحلها مشكلةً مشكلةً، وكل هذا يأتي في سياق تحاشي الإحباط ونحن نتدبر شؤون عيشنا أو نضجنا.
النصيحة الدارجة حين كانت توزع علينا أوراق الامتحانات أن نبدأ بالأسئلة السهلة التي نعرف إجابتها أولًا ثم ننتقل إلى الأسئلة الأصعب، وهي نصيحة لا يمليها توفير الوقت فحسب كما كانت تطرح، ولكن لأن انسياب الذهن في حالة الإجابة عن الأسئلة السهلة يبعد الإحباط ويجعل الذهن قادرًا على التعامل مع الأسئلة الأصعب. بالنسبة لي كنت أفعل العكس وأجيب عن الأسئلة الصعبة أولًا كي أسترخي مع الأسئلة السهلة في الوقت المتبقي، ويحدث هذا معي في شؤون حياتية ويومية أخرى، أحيانًا يكون مجديًا وفي بعض الأحيان يُصعِّب الأمور، فمثلًا حين أنوي تقليم أظافر يدي أبدأ باليمنى لأن التقليم باليسرى أصعب بالنسبة لي وحين أنتقل إلى اليسرى يكون ختام الإنجاز أسهل. لكن من جانب آخر، حين تكون أمامي عدة أعمال تستلزم جهدًا عضليًا أبدأ بالصعب، وحين أصل إلى السهل أكون متهالكًا فيصبح أصعب، وفي النهاية أجعل من العمل كله صعبًا.

الأمور كلها نسبية، غير أن الثابت عبر الزمان والمكان أن كل رحلة أو مسافة نقطعها مشيًا، أو بسيارة، أو قطار، أو طائرة، أو مكوك فضائي تبدأ بخطوة أو متر واحد، وأن رسم خطة علمية ومعرفة الخارطة، سواء بالذهن اليقظ والخبرة أو البوصلة أو الأقمار الصناعية، من شأنها أن تجعل هذه الرحلة ناجحة وآمنة، سواء أكانت رحلة على الأرض أو في البحر أو الفضاء، أو كانت رحلة في مسافات معنوية تتعلق ببناء الإنسان المناسب، أو بالثقافة، أو الديمقراطية، أو غيرها مما يجعلنا جديرين بالعيش ضمن هذا العصر، كما لا يمكن أن نفكر في دراسات عليا ناجحة إلا حين نهتم بالخطى الأولى في الروضات والتعليم الأساسي، ولا يمكن أن نفكر في حياة دستورية حقيقية إلا حين نحترم القوانين التي تضمن السير الآمن في الطرق واحترام الجيرة، واحترام البيئة، وطرق التخلص من نفاياتنا، لنحترم فيما بعد ما يفرزه الدستور من قوانين حديثة تتعلق بالمشاركة والأحزاب والانتخابات وحرية التعبير والتظاهر .. إلخ.

وسبق أن نشرت منشورًا في زمن الحماس الكبير للدستور الذي تعاملنا معه كمعجزة مكتوبة ستجعل ليبيا في يوم وليلة في واجهة العالم. نُشر على صفحتي يوم 16 يونيو 2014. وهذا نصه: «لا أعرف كيف تقوم سلطة تشريعية أو تنفيذية أو قضائية، أو تقام انتخابات برلمانية، أو كتابة دستور، أو الحديث عن الشرعية، في بلد، 90% من السيارات التي تمشي في طرقاته وشوارعه بدون لوحات». وذكرني «الفيس» به العام 2022. وأعدت نشره مضيفا إليه: «بعد ثماني سنوات وما زال الأمر كما هو وأكثر».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»