شخصان جالسان في الخلاء يتبادلان أطراف الحديث، ثم عن بعد رأيا كائناً أسودَ بعيداً يتحرك فوق الأرض دون معرفة هويته بدقة، قال أحدهما إنها عنزة، وقال الثاني غراب، واستمر العناد بين الطرفين كلٌ مُصر على رأيه، وحين طار الحيوان الأسود محلقاً في الهواء، صفّق من قال: (إنه غراب) منتصراً، لكن الآخر قال له: (عنز ولو طارت)!. وأصبح هذا التعبير مثلاً شعبياً شائعاً عن العناد والإصرار على الرأي مهما ثبت خطأه ومعاندة الأدلة.
منذ فترة قصيرة راجعت وقرأت ترجمة كتاب «الظلم المعرفي: السطوة وأخلاقيات فعل المعرفة» تأليف ميرندا فريكر، ترجمة نجيب الحصادي، وتوقفت كثيراً أمام عنوان أحد الفصول «فضيلة تغيير الرأي» وهو سلوك تدرجه المؤلفة ضمن الفضائل الأخلاقية، لكن في ثقافتنا وتربيتنا، ما زلنا نتعامل معه سيكولوجياً كنقيصة في الإنسان، ونعتبر من يغير رأيه مفتقراً للمباديء أو منافقاً أو متناقضاً. وهو اختلال قِيمي سببُه أننا لم نضع بعد المعرفة في أعلى سلم القيم، وهذا الظلم المعرفي ما يحاول الكتاب تتبعه عبر تمحيص مفاهيم من قبيل: الخطأ، والخطأ حسن النية، والتحامل، والدوافع غير المنطقية التي تجعلنا نحكم على الآخرين ونقاوم أي دليل يفند حكمنا.
في تمحيصها لفضيلة تغيير الرأي، تناقش ميرندا اقتباساً عن الفيلسوفة الأميركية نُومي آربالي، ورد في كتابها الصادر عن جامعة أكسفورد «فضيلة ليست مؤسسة على مباديء: بحث في الفاعلية الأخلاقية» حيث تضرب نومي مثالاً مهما لتوضيح التمييز بين الخطأ غير الجدير باللوم «الخطأ حسن النية» وبين الخطأ المتحامِل: «اعتبرْ سليمان؛ الولد الذي يعيش في مجتمع فلاحي معزول صغير في بلد فقير، والذي يعتقد أن النساء لسْنَ بنصف كفاية الرجال في التفكير المجرّد، أو أنهن لا يملن إلى هذا النوع من التفكير. لم يسبق له أن قابل امرأة تُفكّر بطريقة مجرّدة؛ ولا تحتوي مكتبة قريته إلا على كتب من هذا القبيل ألّفها رجال، كما أنه قابل رجالاً كثيرين يفكّرون بطريقة مجرّدة وبدا أن هناك توافقاً بينهم على أن النساء لا يستطعن التفكير المجرّد. حتى الآن، فيما تقترح آربلي، لا يصحّ اتّهام سليمان بأي فعل لامعقول بشكل مائز. غير أنها تطلب منا الآن تخيّل أنه يذهب للدراسة في الجامعة، حيث يدرس صحبة نساء كفيئات. إذا غيّر هذا الدليل المخالف لرؤيته اعتقاده، فإن هذا يكشف عن أن الاعتقادَ خطأٌ حَسَن النيّة. ولكن إذا لم يغيّر اعتقاده، فإن هذا يكشف عن كونه غير معقول، وفوق ذلك متحامِلاً: عناد اعتقاد سليمان في وجه دليل مخالف واضح إنما يبيّن في آنٍ واحدٍ أنه يعاني من خلل معرفي وأخلاقي. ومأْتى الخلل الأخلاقي هو حقيقة أن حفاظه على اعتقاده في وجه دليل مخالف ليس فقط فعلاً غير معقول بل فعلٌ غير معقول وراءه دافع (يفترض بأنه نوع من ازدراء النساء) شائن».
الدارج أو الغالب في مجتمعنا إذا ما وصل بنا الحس الأخلاقي إلى فضيلة الاعتراف بالخطأ، فسنعمل على تبريره بكونه خطأً غير مقصود، وفي مجال الثقافة، والكتابة خصوصاً التي تتبنى إنتاج الرأي في قضايا معقدة، ما زالت للأسف ظاهرة (عنز ولو طارت) شائعة، ويرجع السبب لكوننا لم ندرج شجاعة (تغيير الرأي) في سياق الفضيلة أو اعتباره نزوعاً أخلاقياً فاضلاً. ومازال الكثيرون يعتبرونه هزيمة أو ضعفاً أو تراجعاً غير محمود قد يُفقد صاحبه المصداقية وبالتالي الثقة فيه، مع أن العكس هو ما يحدث حين نقر في دواخلنا أن تغيير الرأي قيمة أخلاقية تقع في صميم المعرفة وفي صميم الثقة في الذات. هذا من جانب، غير أن الخطير في الأمر حين يكون الإصرار على الرأي محمولاً على أحكام مسبقة أو دوغما حاكمة تعمَى عن الأدلة والبرهان لأن بناء الرأي هنا مرتبط بأشياء لا تمت للمسألة المثارة معرفياً بصلة، وتضع المؤلفة هذا السلوك تحت تعريف (خلل أخلاقي)، بمعنى أن يكون الدافع شائنا أخلاقياً، وتعتبر أن الدافع أو ما تسميه «التحامل الهووي السلبي» المرتبط بالهوية، هو النوع الأكثر إثارة للمشاكل الأخلاقية وتضرب مثلا مهما: «تذكّرْ تحامل هيئة المحلَّفين الهووي على توم روبنسون، الذي يكمن وراءه دافع شائن أخلاقياً أو أكثر، مثل الكراهة العنصرية أو الازدراء. وبتطبيق التعبير الإدراكي على مَثَلنا الرئيس، لنا أن نقول إن حكم هيئة محلَّفي إقليم ميكومب مشوَّه بصور نمطيّة عنصرية متحاملة إلى درجة تجعلهم لا يستطيعون، في سياق قاعة المحكمة تلك، إدراك توم روبنسون إلا بوصفه زنجياً كاذباً».
التحامل العنصري قد يكون مذهبياً أو إثنياً أو جهوياً أو جندرياً .. إلخ، وكلها تشكل ضغطاً هائلاً على ما يُشكّل من آراء وعلى مدى مقاومة الأدلة الداحضة أو الحاثة على تغيير الرأي. على المستوى الشخصي قابلتُ هذا كثيراً حين انتقلت من القرية إلى المدينة، ضمن ثقافة رائجة تعتبر البداوة عِرقاً أو جينة وليس طريقةَ حياةٍ قابلة للتطور، فأنا انتقلت إلى المدينة أحمل بكالوريوس بدرجة امتياز ومكتبة ومخطوطات من الشعر النثري، غير أنه من قِبل (بعض) من يبنون آراءهم وفق الدوافع الشائنة السابق ذكرها، ينُكرون هذه الأدلة على إمكانية اندماجي في المدينة أو تقبلها لي، ويصرون على شتيمة البداوة وانتهاكي للمدينة وكأني جئت أسوق قطيعاً من الماعز. وهذا مثال شبيه بعناد اعتقاد سليمان تجاه النساء حتى عندما اختلط بنساء أكْفاء في الجامعة. وتعرضت ابنتي لموقف مشابه وهي المولودة في قلب المدينة، وكانت تتحصل سنوياً على ترتيب متقدم في دراستها للأدب الإنجليزي الذي تترجم قصائد منه، تكتب القصيدة النثرية وتتابع الموسيقى العالمية وتلبس على الموضة، وحين كانت صديقتها (المدينية) المقربة تدعو بعض صديقاتها إلى حفلة في بيتها، اعتذرت من ابنتي بحرج قائلة: (سامحيني ما نقدرش ندعيك لأن بابا حالف ما يدخل بيتنا بدوي) وحين أخبرتني ابنتي قلت لها: المهم أن لا تتأثر علاقتك بصديقتك لأن والدها متخلف ولا يعكس روح المدينة الحقيقية التي تجاورت في مدينتها القديمة ثلاثة أديان بمحبة وتعايش، ولا أتمنى أن تنتقل هذه الآفة إلى جيلكم. وفي العموم هذه أمثلة عن التحامل الهووي الذي جعلني في فترة سطوة الجماعات الإرهابية على المدينة أمحو لقب (العوكلي) من بطاقات تعريف أولادي لأن القتل وقتها كان على الهوية، ولأسباب استثنائية لا تتعلق أيضا بروح المدينة.
تستطرد المؤلفة في نقاشها لمثال نُومي الذي تضربه عن سلوك سليمان، فيما يخص الحكم وفق الهوية الجندرية التي تقع ضمن الدافع العنصري الشائن: «تحامل سليمان ضد قدرات النساء الفكرية يشكّل، في تقديري، حالة لتحامل هووي سلبي، وهذا النوع من التحامل ينزع بالفعل إلى أن يكون ذا دافع شائن أخلاقياً. ولا ريب في أن التحامل الهووي هو نوع التحامل الأكثر إثارة للمشاكل الأخلاقية، وهو يشكّل موضع اهتمامنا الرئيس. ولكن التحامل بوجه عام مفهوم أوسع. تحامل جندري».
في سياق كتاباتي عن الكارثة المؤلمة التي أحاقت بمدينة درنة، وفي سياق نقدي للآراء المتعجلة عن المسؤولية، وعن استثمار البعض (غير الأخلاقي) لهذه الكارثة الكبرى من أجل تصفية حسابات جهوية أو قبلية أو أيديولوجية، تطرقتُ بموجب اختصاصي العلمي إلى تحليل طبيعة هذه الكارثة الواقعة لا محالة طالما تحوطات (الإنذار المبكر) لم تستوطن أرضنا بعد، وإن للمشكلة جذورا بدأت من سبعينيات القرن الماضي حيث أنشئت هذه السدود بتصاميم لا تناسب حماية البشر القاطنين خلفها، فضلاً عن تبعات التغير المناخي التي جعلت من سدود صُممت وفق دراسات مناسبة آنذاك ما عادت تصلح بعدما رأيناه في العالم من كوارث تسببها الفيضانات في مناطق غير متوقعة (وهي عموما مقالات منشورة في جريدة الوسط). غير أن بعض التعليقات عليها كان محمولاً على الدوافع «الشائنة» التي سبق ذكرها، والبعض طلب مني أن لا أكتب عن الموضوع لأن رئيس البرلمان وعميد البلدية من قبيلتي، وهما حتى الآن لا أعرفهما شخصياً ولم أقابلهما في حياتي، لكن بسبب هذه الدوافع قاوموا الأدلة التي أوردتها بالأرقام وفق تخصصي الأصيل ووفق عملي لسنوات في هذا القطاع، وتمنيت أن يناقشوا هذه الأدلة علمياً بدلاً من الذهاب إلى القبيلة التي لا يربطني بها سوى نسبي. وكان دائماً تعبيري الأثير أن أصدقائي من كل ليبيا هم قبيلتي. وحقيقة ما شكل حكم تلك التعليقات والآراء حول ما كتبت دوافع هُووية. البعض احتجّ لأسباب جهوية، والبعض لأني من جذور بدوية ولا علاقة لي بالمدينة، والبعض بسبب انتمائي القبلي، ولا أحد ناقش لب الموضوع.
سأفخر بكوني اعتذرتُ أحياناً عن أخطائي، وغيّرتُ آرائي المتحاملة لأن أحداً ما ناقشها وذكر أدلة على عدم جدارتها بالوجاهة، وهي اعترافات بتغيير الرأي موثقة في بعض مقالاتي وكتبي.وأحزن لأن بعض من ناقشتهم قاوموا الأدلة أو الحجج بسبب تحامل مردّه إلى دوافع شائنة سبق ذكرها، أو إلى دوافع غير شائنة مثل الثقة المغالية في الذات التي تناور قرب الغرور. وبعضها يقع تحت اصطلاح «التحامل الهستيري» الذي لن أطنب فيه، ولكن أبرز أمثلته (عنز ولو طارت)، وبرنامج الاتجاه المعاكس في قناة الجزيرة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات