يقال إن «الدهشة هي الأم التي أنجبت الفلسفة». لكن الدهشة تولدت لدى الإنسان منذ أن تكونَّ لديه الإبهام، وأخذت قامته تنتصب، ويسير على قائمتين بدل أربع، وانفصل عن المملكة الحيوانية، وصار قادرا على التفكير. أي أنه حاز الملكة التي نسميها الآن العقل.
لقد اعترت الإنسان الدهشة وهو يواجه الطبيعة وعناصرها المختلفة التي يكتنفها الغموض، من جانب، وتتهدد حياته اليومية، بل مصيره أحيانا، من جانب آخر.
هذه الدهشة دفعته إلى تأمل هذا الوضع والتفكير فيه بغية السيطرة عليه، أو، على الأقل، التخفيف من غموضه والتقليل من مخاطره. فافترض وجود كائنات من طبيعة تختلف عن طبيعته، وإن كانت تتقاسم معه بعض الخصائص. إلا أنها تمتلك قدرات هائلة لا يمتلكها، تؤهلها لإدارة الطبيعة حوله والتحكم في مصيره. الأمر الذي حدا به إلى التفكير في التقرب إليها واسترضائها بطرق مختلفة.
سمى بعض هذه الكائنات «آلهة»، وسمى البعض الآخر «أرواحا»، بعضها خيِّر مساند له، وبعضها شرير يعاديه.
هذه الآلهة ليست مطلقة القدرة، وإنما هي متخصصة في إدارة وتشغيل مظاهر محددة من مظاهر الطبيعة وعناصرها. فإله متخصص بشؤون البحر والعواصف، وآخر بالحياة البرية والغابات، وغيره مختص بشؤون المياه الجوفية العذبة، وهكذا.
إلا أن هذه الآلهة تعمل تحت إمرة إله أكبر يشرف عليها جميعا يعتبر كبير الآلهة، وهذه الرؤية تنطوي على قدر من «التوحيد». فهذه الآلهة لا تعمل في استقلال تام وبمزاجية فردية، وإنما ضمن منظومة متكاملة. هذه المنظومة بمثابة «حكومة» تدير محيطه الطبيعي وحياته، إذ لم يكن مفهوم «الكون» متبلورا حينها.
ترتب على هذا الوضع المنبثق عن الدهشة ظهور الأديان والأساطير. فالأساطير نوع من الفكر البدائي الذي اصطلح على تسميته «ما قبل الفلسفة».
بعد مرور عصور، حدثت للدهشة نقلة نوعية جبارة ترتب عنها ظهور الفلسفة في اليونان.
لقد كان ظهور الفلسفة حدثا فارقا في تاريخ العقل الإنساني والفكر الإنساني. ذلك أن الفلاسفة اليونانيين أداروا ظهورهم إلى «حكومة الآلهة» وإلى الأساطير، وانشغلوا بالتفكير في الطبيعة تفكيرا ماديَّ الأسس، وبحثوا في مكوناتها وعناصرها الأولية البانية.
نريد أن نختم هذا المقال بالتفريق بين «الدهشة» و«الانبهار». فالدهشة، مثلما رأينا، حالة وجدانية وعقلية محفزة على التفكير والتأمل، وتكوين إجابات على أسئلة ومشاكل وقضايا تشغل الذهن. على حين أن «الانبهار» حالة من الذهول أو الانشداه تعطل العقل وتشل التفكير، وبالتالي لا ينبثق عنها أي إنتاج فكري.
هذه المقاربة تذكرنا بتمييز «كانت» بين «الجميل» و«الجليل». إلا أن هذا موضوع آخر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات