قصة «الاقتناص» من قصص الكاتب عمر أبو القاسم الككلي المكتوبة في مبتدأ سجنه السياسي بتاريخ 21-22 /2 /1979، ولكن فنية كتابتها تجاوزت الدلالة الذاتية في قصص ما قبل السجن، المجموعة المتأخرة تحت عنوان «الشئ الذي ينأى» لتستشرف أسلوبية الدلالة الذاتية ـ الإيحائية لكتابة ما بعد السجن التي تجلت في قصص أول مجموعة نشرت للكاتب بعنوان «صناعة محلية». و«الاقتناص» قصة لفتت انتباهي وأنا أقرأ المجموعة حتي أساهم بمداخلة تحليلية في قصصها وقت صدورها عام 2000 حسب الرؤية التي انتهجتها بالطرائق الأسلوبية: بسؤال كيف يكتب الكاتب؟ متجاوزاً الموضوعاتية عن ماذا يكتب الكاتب؟.
لكي نسبر بالتحليل الفنية الأسلوبية لقصة «الاقتناص» نذكر بالشواهد النصية لما عرضناه سابقاً عن تقنيات القصّ عموماً وفي كتابة الككلي خاصة التي تعتمد على البراعتين الوصف والحوار.
1 ـ الوصف كونه وسيلة الكاتب لجعل القارئ مشاركاً ليس بمشاعره فقط بل بحواسه في الحكاية حسب رأي الكاتب ستيفن كينج في مؤلفه: (ذكريات عن الصنعة On writing: A memoir Of the Craft). فطرائق الوصف تجعل القارئ يرى ما يحدث ويسمعه ويشمه «أحس [متلصص الاقتناص] أنه يجب أن يعلن عن وجوده. أصدر صفيراً مشاكساً. لاحظ حركة جسدي الرجلين وهما يستديران فجأة باحثين عن مصدر الصوت. حرك وجهه حتى يتمكن من رؤية وجهيهما. كان أحدهما، يبدو أنه زوج المرأة، يملك وجهاً (بدا له) صفيقاً. كان شعره الأحمر ممشوطاً إلى الخلف ومنفوشاً، وكان يرتدي نظارة غامقة وسترة غليظة ذات لون أقرب إلى النحاسي، ظل يبحث عن مصدر الصوت بحركات عصبية. كان الآخر أقل اهتماماً وطولاً، وأكثر امتلاءً وأصغر سناً، ومرتدياً لباساً صيفياً. لم يبد على المرأة أنها اهتمت كثيراً. عندما لم يتبيّنا مصدر الصوت، استدارا ناحية المرأة».
2 ـ الحوار الذي ينبغي أن يحقق شرطين مهمين في كتابة القصة حسب رأي الكاتبة إليزابيث بوين :(أ) أن يدفع بالحبكة إلى الأمام، وهذا ما عبرت عنه الجملة في القصة: «حين رفعت المرأة صوتها، استطاع أن يميز جملتين كاملتين». :- لم يعودوا يضعون الأصفاد/ لم يميز رد الرجلين/ قالت المرأة :- المرة الماضية لم تكن موضوعة. فالمرأة التي هي وحدها محور نظرات المتلصص تتكلم عن شخص ثالث رفعوا عنه الأصفاد، وهذا الشخص لا يقع في مجال رؤية المتلصص ولا في دائرة اهتمامه. والكاتب يشاركه هذا الإهمال للآخرين. فالإظهار الزائد للأشخاص المحيطين بالمرأة يشتت انتباه القارئ خارج سياق البعد السيكولوجي للفاعل وهو المتلصص والمفعول به المرأة المحصورة في مجال رؤيته أو بالأحرى تلصصه. فنقرأ: «ظل يحرك رأسه في محاولة لتمشيط كل ما يواجهه من جسد المرأة بنظره. اهتز لتناسق الجسد. مرت بيديها على شعرها وبدت وكأنها تعدل من وضع مثبت شعر في مؤخر الرأس. خيل إليه أنه لاحظ توتر وتصلب النهدين تبعاً لحركة اليدين».
كما أن السارد بضمير المتكلم عنه مرّر حضور الشخص الذي رفعوا عنه الأصفاد بضميرالغائب لكي يدفع حبكة القصة إلى الأمام للتكهنات عبر العلامات المرصودة رمزياً لتحديد ملامح المكان الذي يصدر منه فعل التلصص، ويمكن أن يكون السجن أو مايشابهه وهي: ألواح الحديد، المُشَبَّك المعدني لمنع تسلل الحشرات. والسياج المشبك الذي يسيج حديقة، التي يبدو قسم صغير منها مليء بالنباتات الشائكة. (ب) وأن الحوار ينبغي أن يعبر عن الشخصية ويرسم ملامحها وانفعالاتها كونها محط السرد في القصة كما في هذا الشطر «رغم أن المرأة كانت تضحك وتبتسم ابتساماً عريضاً بفمها الكبير، وهي تتحدث بنشاط، إلا أنه أحس أن شيئا من الكدر يخالط كل ما يصدر عنها».
يمكننا عَد قصة «الاقتناص» من انفرادات قصص الككلي. وتحضر للذهن بجانبها قصة الظهر التي تشارك الاقتناص في مجموعة «صناعة محلية»، وانفراد هاتين القصتين ليس بموضوعتيهما فقط: «التلصص والمباضعة» بل بالآليات الأسلوبية لتمريرهما كخطاب بالاتكاء على البعد السيكولوجي للفاعل أي متلصص «الاقتناص» أو بموضع «الظهر» إتكاءً كاملاً على ضمير المتكلم أنا في«الظهر»، وعلى ضمير هو المتكلم عنه في «الاقتناص».. مما يجعل السرد يساعد بشكل أعمق في الأخذ بزمام القارئ، ويجعله يغوص لاشعورياً في غور الاضطرابات السيكولوجية لسبر أعماق الشخصية في القصة، وكشف الأبعاد المخفية للسلوك النفسي خلف الجُمل والكلمات الظاهرة.
لرصد البُعد السيكولوجي الظاهر في «الاقتناص» نقتطف استشهاداً نموذجياً من أول تلصص في رواية الجحيم لـ هنري باربوس، حيث السارد بضمير الأنا يعبر عن استثارته إذ يظهر لنا مُطلاً من ثقبه في الجدار متلصصاً على المرأة في غرفة الفندق المجاورة لغرفته يقول «تسري في جسدي أحياناً رجفة، وينتابني شعور قوي ورغبة جامحة في أن ألمسها، أو أحطم الحائط الذي يقف بيننا حائلاً.. أو أترك غرفتي وأقتحم عليها غرفتها في خلوتها هذه وألقي بنفسي فوقها..»
لمتابعة التناص مع الجحيم في قصة الاقتناص نقرأ «نهضت المرأة بحيث بقيت، قليلاً، منحنية قبل أن يستقيم جذعها. انبهر بامتلاء صدرها الذي تبين له أثناء حركة النهوض».
ما لجم متلصص الجحيم عن فعله حياد المرأة التي «تجلس صامتة بلا حديث، هادئة بلا حراك، ساهمة واجمة في لا شيء» وأيضاً شعوره بالذنب الذي يصرخ فيه بـ "لا..لا..لا..هتف بي هاتف وأعادني إلى صوابي، واستولى علي خوف عميق وتوالت على مخيلتي صور هذا العمل الشائن، وسرت في جسدي الرعشة المعهودة».
في المُقابل أن متلصص «الاقتناص» لم يكن في مُتاحه خيارات متلصص الجحيم المغامرة. فنقرأ في «الاقتناص»: «انحجب وجه المرأة. امتعض. حينما عاد الرجل إلى الوقوف، ظلت ساقاه تحجبان وجه المرأة. ازداد امتعاضه. انتظر أن يتحرك الرجل قليلاً. أوشك أن يصيح: إيه!!. تحرك إلى أحد الجانبين!!. رأى أن ذلك طيش (لا مبرر له)». إن ما يعيق متلصص «الاقتناص» في محاولته لتمشيط كل ما يواجهه من جسد المرأة بنظره، هو وقوف الرجل الذي ظلت ساقاه تحجبان وجه المرأة عنه.
تنفك حبكة «الاقتناص» بما يذكرنا بقصة «الاحتشاد» بأن ينكفئ الخارج محبطاً على داخله «حينما وقع جسد المرأة في متناول بصره، لم يبد له طاغياً ومتناسقاً بالدرجة التي قدرها. بل بدا جسداً عادياً.. ترك النافذة واستلقى، منكسراً، على السرير الذي كان متطاولاً على نهايته».
رغم فارق النوع، قصة عن رواية قصرنا إجرائية التناص على البُعد السيكولوجي، بما يتفق فيه الساردان بأن المتلصص في كليهما هو إنسان مجرد من خارجيته. حسب قول هنري باربوس الذي نستدعي بتعبيره ما يلامسه بلانشو بأن: «الحبس أو الحجز يحيلان إلى خارج، وما هو محتجز أو محبوس هو الخارج ـ ففي ـ الخارج (...) تحجز الأجهزة وتحبس».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات