Atwasat

معضلة خداع البصر

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 29 مايو 2022, 02:30 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

مثلت هزيمة 5 يونيو 1967 صدمة بالغة العنف للذات العربية وأحدثت جرحا غائرا في صميم كرامتها. ذلك أنها جاءت، تماما، عكس آمال الأمة العربية في التحرر والتحرير واستعادة فلسطين السليبة من براثن العدو الصيهوني الغاصب المُنصَّب (حرفيا لا مجازيا) من قبل الاستعمار الغربي والإمبريالية على الوطن الفلسطيني. ولم يكن الأمر متعلقا بمجرد آمال قد تتحقق أو تخيب، وإنما كان أمرا متعلقا بالنصر المؤزر القادم دون ريب.

لقد مثلت الواقعة صدمة بالمعنى النفسي (تروما trauma) لدى جيلي (كان عمري حينها أربع عشرة سنة) والأجيال التي قبلي، نتج عنها على صعيد الأدب، شعرا وقصا ومسرحا، ما عرف بـ "أدب الهزيمة (أو النكسة)" أو الأدب الحزيراني، وبشكل أخص في بلدان الطوق التي تكبدت الآثار المباشرة والعيانية لهذه الواقعة.

ومن جانب آخر ظهرت اجتهادات ومشاريع فكرية تحلل الواقع العربي اجتماعا وسياسة وثقافة، والتاريخ العربي والإسلامي، في محاولة لاستمداد وإحياء عوامل النهوض ورسم الملامح العامة للمستقبل المنشود.

بخصوص الجانب الأدبي، مازلت أتذكر قصة قرأتها في مجلة الآداب اللبنانية سنة 1969، نسيت عنوانها، لكن مؤلفها الراحل سليمان فياض.

تتحدث القصة* عن كهل يقيم وحده، ينهض صباحا ليقوم بطقوسه وشؤونه اليومية التي يقوم بها عادة قبل خروجه إلى العمل. أثناء ذلك يفاجأ بأنه كلما مد يده لتناول شيء ما تقع يده إلى أحد جوانب هذا الشيء، وليس عليه. "قبضته" لا تصل إلى الأشياء كي تمسك بها وتقبض عليها، وإنما "تجانبها".

يذهب إلى طبيب عيون ويشرح له حالته، فيخبره الطبيب أن هذه الظاهرة صارت تتفشى مؤخرا ولا علاج لها حتى الآن. ثم يعطيه نظارة من النوع الذي يرتديه مكفوفو البصر وعكازا. وحين يغادر عيادة الطبيب ويدخل الشارع يكتشف أن ثمة كثيرين أمثاله.

القصة رمزية، بالطبع، لكن رمزيتها غير مستغلقة، وتعبر، فعلا، عن الخلل الذي كان سائدا في الرؤية السياسية للأنظمة العربية (ونحن نتحدث هنا عن أنظمة التحرر القومي العربي) ومتحكما فيها. فهذه الأنظمة لم تكن ترى الأشياء في مكانها الصحيح، وإنما تتوهمها في مكان آخر، لذا فحين تحاول "القبض" على هذه الأشياء تقع قبضتها على الشيء المتوهم وليس الشيء الحقيقي.

أعتقد أننا مازلنا، ساسة وشعوبا، نعاني، وربما أكثر من أي وقت مضى، من معضلة خداع البصر هذه.

* للأسف لم أتمكن من الوصول إلى نص القصة كي أقتبس منه. وإنما اعتمدت اعتمادا تاما على الذاكرة. لذا أستسمح القاريء المطلع إن وجد شيئا من عدم الدقة في تلخيصي لها.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»