"عام 2007، زارني الصديق نجيب الحصادي، في درنة، حاملاً معه كعادته حقيبته المكتظة بتصورات عن مشاريع ثقافية أو ترجمات جديدة، وفي هذه المرة حدثني عن الاجتماع الذي عقده رئيس مجلس التخطيط الأعلى، د. محمود جبريل، مع بعض الأساتذة والباحثين من مركز البحوث والاستشارات في جامعة قاريونس، لمناقشتهم حول تعاقد المجلس مع المركز لتنفيذ مشروع ليبيا 2025.
طرح جبريل في الاجتماع تصوره كاملاً، ليبدأ وقت الأسئلة من الحاضرين: عما إذا كان ثمة ضوء أخضر، من السلطة العليا، بخصوص هذا المشروع؟ وعما إذا كان له سقف محدد؟ فكان مفاد إجاباته: الضوء الأخضر لم يعد يوجد حتى في إشارات المرور، ملمحاً إلى أنه من الممكن، في أي وقت أن يُسجن بسبب هذا المشروع، أو يُرمى به من حيث أتى، وأن الكرة الآن في ملعب الخبرة الليبية ولا رقيب على هذا المشروع سوى الضمير العلمي والوطني، ومشيراً إلى أن من يريد تحمل مسؤوليته فليبقَ، ومن ليس لديه استعداد فليعتذر.
أما بخصوص السقف، فقال إن لا سقف محدداً، ومن الممكن الاستعانة بالخبرات الليبية أينما كانت، في الداخل أو الخارج".
وكان يعني بصراحة أنه من الممكن الاستعانة حتى بخبرات الليبيين المعارضين في الخارج. ومن هنا انبثق مشروع الرؤية الاستراتيجية لليبيا، وعبر منطلقات أساسية اتفق عليها الجميع بعد عدة جلسات من العصف الذهني، حيث لا إمكانية لأن يتأتى صنع ليبيا المستقبل أو مستقبل ليبيا إلا عبر "رؤية مؤسسة على إدراك واعٍ للغايات المرجوة، والخبرات السابقة والتجارب الواعدة، والعوائق التي قد تحول دون تحققها. فالرؤى الاستشرافية تنهض على استقراء موضوعي للراهن محليا وعالميا، ولموازين القوى التي تحكم الظرف التاريخي، ولمتطلبات وشروط المنافسة فيه، لأنه في غياب هذا الاستقراء المعرفي أو عدم الوعي بأهميته، قد يتم الوصول إلى تصورات ملتبسة لا تقيم للواقع المعاش أو للظرف التاريخي الاعتبار اللازم.".
ولأنه سبق هذا المشروع عدة تصورات أو تقارير أنجزها خبراء أجانب بمنطلقات تقليدية لا تمت لما يحدث على الأرض وفي الواقع بصلة، وتأسيسا على كل ذلك، تعاقد مجلس التخطيط الوطني (برئاسة د. محمود جبريل) في مايو 2007 مع مركز البحوث والاستشارات بجامعة (قاريونس)، في مدينة بنغازي، على قيام المركز بإعداد (مشروع ليبيا 2025: رؤية استشرافية)، وقد شكل المركز بمقتضى هذا التعاقد فريقا بحثيا مكونا من عدد من الخبراء في مجالات مختلفة.
وبعد أن أعد الفريق تصورا للإطار العام للمشروع، تضمن منطلقات الرؤية ودواعيها وغاياتها، وحدد القطاعات الرئيسة التي يشملها المشروع، وهي الثقافة والعلوم، والاقتصاد، والتنمية البشرية، الصحة والبيئة، والأمن الوطني، قام بعرضه في حلقات نقاش وعصف ذهني مع مجموعة من الخبراء والمهتمين بهذه القطاعات، كما قام بنقاشه مع قواعد مجلس التخطيط الوطني وروابط الخبراء، فضلا عن ذلك، أنشأ موقعا على شبكة المعلومات الدولية، عرض فيه ذلك التصور، كما تم الإعلان عنه في بعض وسائل الإعلام المحلية، وذلك بهدف إتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من المواطنين لإبداء رأيهم فيه في مجالاتهم، من داخل الحقل الأكاديمي وخارجه. وقد شكلت كل هذه اللقاءات والمشاركات أساسا وخلفية للتقارير القطاعية والتقرير النهائي، التي استندت أيضا على تقارير دولية ومحلية حديثة وإفادات من وثائق ورؤى استشرافية لدول أخرى، فيما استغرق هذا المشروع ثلاثة عشر شهرا.
"ولأن ما يجعل الرؤية رؤيةً هو أنها تتقصى الواقع وتستشرف الآتي من منظور منتظم كلي النزعة، لم ترصد الأوضاع الراهنة واستشراف مستقبلها بشكل قطاعي، بل عبر مفاهيم ومنطلقات وتبصرات ينهض عليها منظور واضح ومحدد الملامح، يأخذ في حسبانه حقيقة أن مطاف إجراء تطويرات حاسمة في أي قطاع أن ينتهي بالتاثير في سائر القطاعات.
شرفني أن أكون ضمن هذا الفريق كباحث مساعد في قطاع العلوم والثقافة، وكان من ميزات الفريق البحثي ــ الذي ترأس لجنته التنفيذية كمدير للمشروع د. زاهي المغيربي ــ عدم تقوقعه داخل الوسط الأكاديمي وانفتاجه على الوسط الثقافي والفكري واستعانته بعديد البحاث في كل المجالات، وإنصافا للأسماء التي أسهمت فيه وتوثيقا لها سأذكرها كما وردت في ختام التقرير النهائي الذي طبع في مايو 2008 .
اللجنة التنفيذية :د. محمد زاهي المغيربي : رئيس اللجنة ومدير المشروع .
د. عبدالله امحمد شامية. د. عبدالجليل آدم المنصوري: عضوا اللجنة .
منسقو القطاعات: د. نجيب الحصادي: قطاع الثقافة والعلوم. د. علي عطية عبدالسلام: قطاع الاقتصاد. د. محمد سعد مبارك: قطاع الصحة. د. محمد الطبولي: قطاع التنمية البشرية والتعليم. د. علي سعيد البرغثي: قطاع الأمن الوطني. د. محمد سالم حمودة: قطاع البيئة.
البحاث الأساسيون: محمد سالم مادي ــ محمد الفقيه صالح ــ سالم العوكلي.
معدو الأوراق الخلفية: قطاع العلوم والثقافة: د. نجيب الحصادي ــ د. محمد المفتي ــ د. يونس فنوش ــ د. أم العز الفارسي ــ د. محمد حسن أبوبكر ــ أ. محمد عمر فنوش ــ أ. عبدالله السباعي ــ أ. أسماء الأسطى ــ أ. البوصيري عبدالله ــ أ. عبدالباسط مادي ــ أ. علي العباني ــ أ. يوسف الشريف ــ أ. محمد الفقيه صالح ــ أ. السنوسي حبيب ــ أ. علي الفلاح ــ أ. رضا بن موسى ــ أ. سالم العوكلي ــ أ. إدريس المسماري ــ أ. نوري الماقني ــ أ. إدريس بن الطيب ــ د. محمد مرعي العماري.
قطاع الصحة: د. محمد سعد مبارك ــ د. عيسى بن عمران ـــ د. محمد عبدالله الكبير ــ د. فوزي الصقر ــ د. ميلاد شنين ــ د. عبدالرؤوف القبرون ــ د. محمد إبراهيم الزوي ــ د. الحبيب تامر ــ د. إبراهيم جبيل ــ د. محمد نجيب اسميو ــ د. عبدالباسط الغرياني ــ د. أمينة الشختيرية ــ د. محمد المفتي ــ د. عوض بودجاجة ــ د. السنوسي طاهر ــ د. سعد العسبلي .
قطاع الاقتصاد: د. محمد سالم كعيبة ــ د. عمر عثمان زرموح ــ د. فتحي صالح بوسدرة ــ د. علي عطية عبدالسلام ــ د. إبراهيم صالح الرفادي ــ د. عطية المهدي الفيتوري ــ د. جمعة افحيمة ــ د. أحمد سعيد الشريف ــ د. أبوالقاسم عمر الطبولي ــ أ. إدريس صالح الشريف ــ د. محمد عبدالجليل أبوسنينة .
قطاع التنمية البشرية والتعليم: د. محمد الطبولي ــ د. عوض يوسف الحداد ــ أ. محمد مختار الساعدي ــ أ. ماجدة علي العربي ــ د. آمال سليمان العبيدي ــ أ. عوض سليم خليفة ــ د. مفتاح المهدوي ــ د. ناصر حسونة ــ د. إبراهيم علي الجيار ــ أ. محمد المنبي بكار ــ د. أبوبكر المنصوري ــ د. رمضان سعد كريم ــ د. عبدالسلام الدويبي ــ د. المختار محمد إبراهيم ــ د. علي الهادي الحوات .
قطاع الأمن الوطني : د. مصطفى عبد الله خشيم ــ د. جمعة عتيقة ــ د. فتحي محمد البعجة ــ د. بشير الكوت ــ د. فرج بن لامة ــ د. عمر إبراهيم العفاس ــ د. آمال سليمان العبيدي ــ د. علي ضوي ــ أ. بشير السفساف.
قطاع البيئة: د. محمد سالم حمودة ــ د. سكينة بن عامر ــ د. فرج أبوبكر المبروك ــ د. عبد السلام المتناني ــ د. يعقوب م البرعصي ــ د. صالحة صداقة .
لقد تعاونت كل هذه الأسماء بشكل مباشر، أو عبر الاستكتاب، لبلورة الرؤية الاستشرافية وفق بحوث ودراسات وإحصاءات تخص ماضي وحاضر ومستقبل هذا المجتمع، وتعينت الغاية الكبرى في خلق مجتمع الرخاء والرفاه، العدل والكفاية، الأمن والاستقرار، الحرية والسلام.
وقد تبدو للمراقب أن مثل هذه االغايات السامية صعب تحقيقها أو مستحيل لكن حكمة الأمم التي حققت أكثر ما يمكن من أحلامها هي: الصعب يستغرق وقتا قصيرا، والمستحيل يستغرق وقتا طويلا.
وأخيرا فإن جل انتقاداتي لمشروع الدستور الليبي الحالي تنطلق من كونه مشروعا سينتج بيئة دستورية وقانونية طاردة لغايات مثل هذه الرؤى، مثلما كانت الإرادة السياسية والأيديولوجيا المهيمنة على ليبيا لأربعة عقود طاردة بل رافضه لها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات