Atwasat

التلميحات السياسية في اللغة التباوية

شكري الميدي أجي الخميس 01 يناير 1970, 02:00 صباحا
شكري الميدي أجي

إن الثقافة التباوية ترتوي من عدة مصادر، مثل أغلب الثقافات، أهمها:
اللغة أسلوب الحياة.
في اللغة التباوية، يجد الباحث أن هناك عالمًا كاملاً من الاستعارات والتلميحات التي تختصر عالمًا كاملاً من المعضلات السياسية، عبر التاريخ، فالأساطير التباوية، المروية، تبرر بعض أكثر حالات السياسة تعقيدًا في أسلوب قصصي من الاستعارات العادية، التي لا تُظهر بقدر ما تبطن، بأسلوب أدبي يعتمد على اللغة وإمكاناتها، كما يعتمد على القدرات الفكرية للمتلقي، إنها تعمل على الدوام للبحث مكمن في ظلال الكلمات، لتزيد من تحديها لأي مستكشف في أعماقها، إن هذه القدرات على الرغم من أنها تزداد ضمورًا مع الأيام، إلا أن الأساطير، لا يزال لها تأثير حقيقي على الفكر السياسي التباوي، بحيث يكون للتصرفات السياسية، دائمًا معنى غير واضح، طالما وجد هناك نوع من الفعل المشابه للتحدي.

لتغدو الأمور واضحة، فإنني سأذكر هنا حادثة مشهورة في التاريخ السياسي التباوي:
يقال إن العقيد الديكتاتوري، طلب وفدًا من التبو ذات مرة، فحين حضر الوفد، اضطر أن ينتظر وقتًا ليس بالقليل في الخيمة أو إحدى القاعات، حتى حضر العقيد فسأل مندهشًا: "متى أتيتم إلى هنا؟".

في الحالات العادية، يكون جواب السؤال عاديًا جدًا، إنما في تلك الحالة لم تكن الأمور عادية، والعقليات وصلت لحدود التوتر الفعلي، بحيث قام أحد المشايخ، فأجاب، معتمدًا على اللغة التباوية، التي وقف شخص لترجمتها:
"نحن لم نأت، كنا هنا وأتى الجميع، أتى الأتراك، ونحن هنا، ذهبوا ونحن هنا، أتى الطليان والفرنسيس ونحن هنا كما أنهم ذهبوا ونحن هنا".

عندئذ، ارتبك العقيد، مدعيًا بأنه كان يقصد مجيئهم للخيمة فقط، في الأساطير التباوية عشرات القصص الأدبية التي تظهر مدى أن الخلاف في التفسير السياسي المتبادل يسبب التشرذم الذي يزداد احتقانًا، بوجود ظروف القمع العسكري، إن الاضطراب الاجتماعي والسياسي هو نتيجة الحتمية أمام هكذا التصرفات في نظر الأساطير التباوية، التي وصلت لدرجة من الحكمة أنها وضعت إحدى أفضل قوانين حماية المجتمع من الفوضى، مستخدمة فكرة الاستعارة والتلميح، لم تجد حقها من البحث الكافي، سياسيًا أو حتى اجتماعيًا، ففي الأساطير التباوية تجد، فكرة الصراع على السلطة والإبادات الجماعية معالجة بأسلوب أفضل مما عالجه العالم الخارجي، عبر أغلب الثورات التي اجتاحت بعض الشعوب الأكثر تقدمًا من الناحية القانونية، فإحدى النتائج تلك الأفكار السياسية، معاهدة أميدي للسلام، تم توقيعها مع الشعب الطارقي، كما يقال العام 1911، ولا يزال السلام ساريًا، فقد احتفل بعامها المئة وزيادة قبل أشهر، نتمنى أن يستمر للأبد فإنها إحدى أندر اللحظات التي تشهدها البشرية المولعة بالمئويات قاطبة، ولا يمكن الاستهانة بها، بل يزداد فخر كثيرين من التبو والطوارق لوجود هكذا رابط حتى هذه اللحظات دون أن يتم اختراقها، ولا يجب نسيان قيمة الاستعارة والتلميحات اللغوية في المجتمع السياسي الطارقي، بقراءة واحدة، لرواية المجوس لإبراهيم الكوني، يدرك الباحث عن مدى أهمية هذه النقطة في جل ما يمكن وصفه بالفكر الخاص بـ: شعوب الصحراء.

على الرغم من هذه العقلية تزداد ضمورًا كما قلنا، إلا أن نتائجها لا تزال قوية، ما يبدو للأحزاب السياسية، سذاجة لغوية وعدم قدرة على إعطاء توصيفات حقيقية للأوضاع السياسية من قبل سياسيي التبو أو الطوارق، قد يغدو في لحظة إلى أزمة سياسية، كما رأينا بوادرها في منتصف يونيو 2012 وما بعدها، فالأزمات الجنوبية، كما يشير لها الإعلام الليبي، هي في مجملها، سوء تفاهم، من الدولة في تلك الفترة، ربما لا يزال هذا الفهم القاصر مستمرًا، فالفكرة القائلة بالاستفادة من اللغة ليست فقط أمرًا اتبعه النظام الديكتاتوري، بنجاح ساحق، بل هو في جوهره، أمر ولد مع الدستور الليبي، الذي يعلي من القيمة الأدبية والسياسية للكلمات ومعانيها، ففكرة الأمة الليبية لم تأت هباء، فإنها ليست فقط أقاليم موزعة سياسيًا وقبائليًا، بل إجماع لفروقات إثنية ولغوية، التي جمعت في كلمة الأمة، في تلميح حقيقي، بالاعتراف بالجميع أهالي ليبيا.

إن عدم الوصول لهذه الفكرة سريعًا، أدخل المناطق في صراعات، لا تحمل أي خير لها، أساسها أمر يبدو في نظر السياسيين، هامشيًا، في حين أنه من أكثر الأمور الخلافية، التي بها تبدأ الخلافات السياسية التي تصل لحدود الصدام العسكري، نفقد جراءه، المئات من أبنائنا، وهذا ما شهدناه أخيرًا في الجنوب الليبي، في حالة نادرة، أعادت إلى الأذهان حروب العصابات التي ولدت في بلدان العالم الثالث، عقب الحرب الكبرى –أي حروب العصابات Guerrilla التي تتخذ من الأحياء مرتكزاُ لعملياتها، كما نشهد في مناطق مثل الكفرة أو تازر باللسان التباوي، وكما نجد في سبها مثلاً خلال أوقات التوتر وفي بعض المناطق الأخرى من البلاد، إنها تزيد من التشرذم الحادث للقطع المحسوبة على الجيش، بحيث تغدو مشتتة، معزولة عن الأحياء، في مقابل انهيار متواصل لروحها المعنوية، فالقنص، الهاون، عاشتها الأحياء بكل أسف، دون أن تتمكن الدولة أو الأحزاب أو لجان المصالحة أو حتى الإعلام من فهم أبعادها، مما زاد من الاضطراب الاجتماعي بشكل خطير، لم يسبق له مثل منذ نشأة الدولة الليبية، فاللجان التي تأتي تحت عدة مسميات تتجاهل أنها تتعامل مع منظومة فكرية سياسية، مختلفة في خصائصها، كما التبو أنفسهم، يعملون جاهدين على اتباع أسلوب تلك اللجان، دون أن يتمكنوا من استيعاب الفروقات التي يسببها ذلك القمع لفكرهم السياسي من ضرر في مستقبلهم، وأن نتائج تلك الاتفاقات غير العميقة، لا تنجح إلا في خلق طبقات إوليغاركية، لا تمتلك خيوط الجماعات السياسية المتوالدة، إنما يتمسكون بوهم غير حقيقي عن قدرة التأثير، والذي إن وجد يكون محدودًا لفترات غير طويلة، كما شهدنا أكثر من مرة سواء في سبها أو تازر، الاختلاف أمر لا يمكن تفاديه، إلا بفهم عميق للأسلوب السياسي الخاص، بكل أطياف البلاد، فما تجمعه اللغة السياسية الأحادية، تفرقه لغة أخرى، بسبب التعريفات المختلفة للظروف والأحداث وحتى النتائج، إن تلميحات الرجال الذين يمثلون الدولة الليبية –منذ يونيو 2012– لا تختلف عما قاله الديكتاتور في لقائه السياسي ذاك وهو في أوج قوته.

هذا لا يلغي الاستمرار في المحاولات لتفسير التعريفات.

إن تلك التلميحات السياسية، تلغي الثقة بالرجال الممثلين للدولة، مما تسبب بالأحداث المؤسفة، فجل ما كان يهتم له رجل كزيدان وهو في الحكم، متمثل في عدم الحوار، والإصرار على أفكار غير حقيقية، عن نفسه وعما حوله، مستندًا على وقائع لا تحمل أي دلالات سياسية، بل لا تحمل في جوهرها أي نوع من النضال، مطلقًا تصريحات مؤسفة تسبب مزيدًا من الاحتقان والاغتراب، في حين كل تباوي في كل رقعة من ليبيا كان على ثقة تامة، بأن حكومته لا تمثل التبو ولو بنسبة ضئيلة، واتضح بأنها لا تمثل أي جزء من الأمة الليبية، في التاريخ السياسي التباوي كثير من القصص التي تروى باللغة التباوية تفسيرًا، لتلك الأحداث، إنها ليست مفاجآت بالنسبة للتبو، بل واضحة جدًا، إن ما ليس واضحًا على إطلاق هو أسلوب تلقي الدولة، المتمثلة حتى الآن في مجموعات متفرقة من الأشخاص والجماعات أو حتى الإعلام، على الرغم من عدم الوضوح، حتى بالتلميح، لا يزال الإيمان بالثورة مستمرًا، المثل التباوي يؤكد، أنه: من لا يفهم بالبواطن، لن يفهم بالظواهر، القذافي في ذاك الاجتماع فهم القصد جيدًا، فدولته رحلت، جميع معاركه كانت فاشلة لإلغاء مفهوم مثل الدولة الليبية، بكامل أطياف البلاد، في محاولات لاختصار الميدان السياسي، في حين أمام الدولة الحديثة فرصة، لخلق لغة واضحة، من دون تلميحات قد يتم تفسيرها بشكل خاطئ، عليها أن تتحدث بلغة واضحة بلا ظلال سياسية أو أن تكون خاضعة للتأويلات، وأن تتعامل بشكل واضح.

فذات مرة حدث خلاف اجتماعي في بلدة الكفرة، أتى على إثره، شيوخ القبائل فيما يشبه لجان المصالحة الآن، قابلوا الشيخ التباوي، فقال لهم بوضوح:
"لو جئتم لتصلحوا بين الأنداد، فأهلاً وسهلاً بكم، أما إن جئتم لأبناء عمومة وأغراب، فعودوا من حيث أتيتم".

يقال إن الشيخ القبلي من بنغازي، رفع يديه للسماء، قائلاً: "بل جئنا، لكرام أنداد".

عندما انتهوا من المصالحة وقبل أن يقوموا من أماكنهم، تمت إصابة أحد أبناء التبو من الطرف الآخر، عندها قام الشيخ وقال: "الآن أصابوا واحدًا منا، لو عاش كان بها، خير وسلام، إن حدث وتوفي، فاعتبروه من بين ضحايا المصالحة".

بعدها بسنوات طويلة، في بنغازي، أمام ميعاد آخر، قام الشيخ من بنغازي قائلاً: "لقد شهدت في الكفرة، أعظم موقف"، ثم أعاد سرد ما حدث، لهذه الدرجة، يغدو التلميح اللغوي مهمًا عند التبو أيها السياسيون.

للتواصل مع الكاتب:

[email protected]



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»