قلت مرة في مقال سابق في سنة 2012 بعنوان: المزيج القاتل: خمر السلطة وتحفّز السلاح، ما ملخصه: إن الليبيين عندما قتلوا معمر القذافي تناثرت السلطة التي كان يحملها في صولجانه إلى ستة ملايين قطعة بعدد الليبيين الذين امتلكوا مصيرهم لأول مرة منذ ما يزيد على أربعين عامًا، لكن المعضلة كانت تكمن في أن كل واحد منهم لم يعتبر أنه قد تحصل على قطعة هي واحد على ستة ملايين، بل اعتبر كل واحد منهم –بمعزل عن الآخر- أنه قد تحصل على قطعة السلطة بكاملها، فسَكَر الليبيون بخمرها وأصابعهم على زناد أسلحتهم، وما زالوا!
اختفت-في زحمة الحرب فكرة الاقتسام، وظهر ستة ملايين مستبدّ لا ينقصه من القذافي إلا اسمه!
وهذا أمر يعدّ نسبيًا متوقع الحدوث بعد انتهاء الحرب مباشرة، لكن ما لم يكن متوقعًا هو استمرار هذه الحالة منذ ذلك التاريخ ولمدة ثلاث سنوات كاملة، بل وبحدّة تزداد استعارًا أكثر فأكثر!
قام الليبيون خلال هذه الفترة بأعمال (جماعية)، ومنها انتخابات ديمقراطية لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، لكنهم قاموا بها –في العمق- بالروح (الفردية) العاجزة نفسها عن الاقتسام، الذي يفترض الاحتكام إلى أصول لعبة معروفة القواعد، وهي الروح التي خلقت حالة الخروج من (جوهر) الانتخابات بمجرد انتهاء (مهرجانها)، مما خلق حالة من (التنمّر) لدى من لم تَسِر اللعبة حسب ما يشتهي، فضرب بنتائجها عرض الحائط و(تمترس) حول شرعيته(الثورية)، واستمر عبث التناحر الغبي الخالي حتى من روح البراغماتية النفعية على المدى البعيد أو حتى المتوسط، مما فاقم تشخيص الحالة المرضية للوطن من مجرد (إنفلونزا) ما بعد الحرب، إلى وباء طاعوني أوصلنا إلى الحالة المأساوية التي نعيشها الآن!
تقاطعت مصالح الجميع مع الجميع، من السارق والناهب والفاسد والفيدرالي والإرهابي، من صاحب أقاليم (وردية) مستقلة، إلى صاحب إمارة ثيوقراطية تسلّطية محكومة بإرادة الأمير، إلى مغتصب لروح الوطن وجسد الدولة التي لم تولد بعد، ابتداء من نهب المال العام، إلى نهب الطريق العام أمام إشارة ضوئية حمراء!
أوصلنا هذا العبث المجنون إلى أن يندهش العالم المحيط بنا –وهو شريكنا في هذه الثورة- ويستغرب من حجم الاستهتار واللامبالاة وتدمير الذات في مناخ انتحاري لا يحكمه أي عقل، وتدمير للذات تحت وهم تدمير (الآخر).
تلك الحالة التي لم تستثن في طوفانها الهادر السياسيين الذين سلمناهم أمرنا، ولا الإعلاميين الذين سلمناهم آذاننا وأعيننا، ولا النشطاء السياسيين الذين نبتوا كالفطر ولم يبيتوا في (الدّباغ) حتى ليلة واحدة كي يستحيلوا فلاسفة ومفكرين، ولا أولئك المواطنين الذين يتعاملون مع الوطن كقطعة الجيلاتي التي عليهم أن يلحقوا منها أكبر قدر من اللّحسات قبل أن تذوب، وأولئك المعتصمين بحمق وجهالة لمطالب ذاتية فردية تريد التهام طبخة قبل حتى تقطيع البصل لطبخها، وصولاً إلى خيبتنا حتى في منتخبنا الوطني لكرة القدم، الذي قرر أن يغتال فرحتنا بانتصاراته.
أوصلنا هذا العبث المجنون إلى أن يندهش العالم المحيط بنا من حجم الاستهتار واللامبالاة وتدمير الذات في مناخ انتحاري لا يحكمه عقل
تلك التي أعادت لنا لحظة أوكسيجينيّة كنا في أمس الحاجة إليها، اسمها (ليبيا)، وينضّم إلى صفوف المعتصمين من أجل المال والتهديد بالعصيان، أسوة بغيره من الحمقى الذين ليسوا (أفضل منه)، رافضين حتى التعهّد بالدفع لاحقًا، بعد أن يفتح الجضران (الشيشمة)، ذلك الجضران الذي أصبح على حين غرة قدوة لهم في تحصيل المكاسب، مما يكشف لنا هول فاجعة هشاشة (المشترك) بيننا، مهما غطّتها صيحات البهجة بالأهداف المسجّلة في شباك ملاعب الكرة!
الأخبار المتداولة –بطعم الإشاعة- عن ضربات جوية جراحية أجنبيّة لمناطق داخل بلادنا، يجب ألا تسرّ أحدًا، فهي تخلط الأوراق أكثر مما تحلّ من المشكلات، ومهما كانت فعاليتها في تحجيم ما نعتبره خطرًا من وجهة نظر ما، فهي لن تحلّ لنا مشكلتنا، لأن مشكلتنا –ببساطة- لا يمكن أن تحلّ من الخارج إلا بتدمير المعبد على رؤوس الجميع!
هل كنّا حقًا في حاجة إلى وليام بيرنز ليذكّرنا بهذه الحقيقة البديهية: (على الليبيين وحدهم أن يتّفقوا على حلول لمشكلاتهم)!
هذه الحقيقة التي لا بد سننصاع لها عاجلاً أو آجلاً، الآن، ونحن فيما يشبه اللعب في(الوقت) الضائع، أو بعد حرب مريرة، نصل بعدها إلى الجلوس – منهكين مثخنين بالجراح- إلى طاولة على جثّة (الوطن) الضائع!
فعلاً مستر بيرنز، على الليبيين وحدهم!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات