تقدم نحو عشرين عيادة تجميل في كابول خدمات مختلفة، من حقن البوتوكس إلى زرع الشعر، ضمن أجواء من الرفاهية تجعل هذه الأماكن التي تزدان بثريات من الكريستال وأرائك مخملية بمثابة فسحة من الترف وسط القيود التي تفرضها حركة طالبان.
كانت هذه العيادات نادرة في أفغانستان خلال الحرب التي شهدتها البلاد بين عامي 2001 و2021، لكنها باتت منتشرة في ظل ما يشبه الاستقرار الذي ساد منذ عودة طالبان إلى الحكم العام 2021، وفقا لوكالة «فرانس برس».
يقوم أطباء أجانب، خصوصًا من تركيا، بزيارات منتظمة لتدريب الكوادر الأفغانية التي تحضر أيضًا دورات في إسطنبول، بينما تُستقدم المعدات من آسيا وأوروبا.
في غرف الانتظار، غالبًا ما يكون الزبائن من طبقة ميسورة، منهم رجال يعانون من مشكلة الشعر الخفيف، لكن أغلبهم نساء يضع بعضهنّ كمية كبيرة من مستحضرات الماكياج، بينما ترتدي جميعهنّ ملابس محتشمة بالكامل، مع قلة منهن بالبرقع.
تخوض سيلسيلا حميدي (25 عامًا) تجربتها الثانية لشد الوجه، وتشير بنبرة خجولة إلى أن بشرتها تعاني من «ضغوط كثيرة» تواجهها النساء الأفغانيات.
- أفغانيات يتحدَّين حظر «طالبان» ويبعن شعرهن لقاء مبالغ زهيدة
- الموسيقى للنساء فقط.. أضواء صالات الزفاف تكسر ظلام الليل في العاصمة الأفغانية
- في أفغانستان.. مجسمات عرض الملابس بلا وجوه في محال الأزياء
قبل عامين، أجرت هذه الطبيبة المتخصصة في طب الفم والأسنان، والتي تخرجت قبل أن تمنع طالبان النساء من الدراسة الجامعية لكنها لا تمارس المهنة حاليًا، عملية تجميل للجزء السفلي من وجهها.
وتقول قبل أن تخضع لجراحة تجميلية لرفع الجزء العلوي من وجهها الذي «بدأ بالترهل»: «حتى لو أن الآخرين لا يروننا، نحن نرى أنفسنا. فرؤية أنفسنا جميلات في المرآة تمنحنا طاقة».
منذ العام 2021، لم تعد النساء الأفغانيات قادرات على ممارسة عدد كبير من المهن أو السفر من دون مرافقة رجل، كما مُنعن من استكمال دراستهن بعد عمر الثانية عشرة، بالإضافة إلى حظرهن من التجول في الحدائق أو ارتياد الصالات الرياضية.
حظر تصفيف الشعر والسماح بالبوتوكس
بينما يُسمَح للنساء بالخضوع إلى عمليات تجميل، يُمنَعن من ارتياد صالونات تصفيف الشعر والتجميل.
تقول حميدي: «لو كانت هذه الأماكن مُتاحة لنا لما كانت بشرتنا على هذه الحال، ولما اضطررنا لإجراء عملية تجميل».
بعدما تواصلت وكالة فرانس برس مرات عدة مع سلطات طالبان التي عادة ما تحظر تغيير الملامح الجسدية تماشيًا مع الشريعة الإسلامية، لم تُبدِ رأيها بشأن الجراحات التجميلية.
يشير الفاعلون في القطاع إلى أن عمليات التجميل مسموحة لأنها تُعتبر إجراء طبيًا.
ويؤكدون لوكالة «فرانس برس» أن الحكومة لا تتدخل في عملهم، لكنها تحرص على المنع التام للاختلاط بين الجنسين، إذ يتولى ممرضون ذكور العناية بالرجال، والممرضات يعتنين بالنساء.
ويشير البعض إلى أن عناصر من طالبان هم أنفسهم زبائن في هذه العيادات.
يوضح ساجد زدران، نائب مدير عيادة «نيجين آسيا» التي تُضعف حداثة الأجهزة الصينية فيها مكانة المستشفيات التي تواجه أزمة مالية خانقة: «هنا، يُعتبر غياب الشعر أو اللحية علامة ضعف».
ومنذ أن أمرت طالبان الرجال بإطالة لحاهم بطول قبضة اليد كحد أدنى، أصبحت عمليات زرع الشعر رائجة، بحسب بلال خان، المدير المشارك لعيادة «يوروآسيا» التي ستفتتح فرعًا ثانيًا لها.
ونظرًا إلى أن الزبائن ليسوا جميعهم أثرياء، يلجأ بعضهم إلى «الاقتراض لزرع الشعر قبل زفافهم».
تأثير إنستغرام
في فيلا مؤلفة من أربع طبقات حُوِّلت إلى عيادة، تُطبَّق الطرق نفسها المُتَّبعة في الخارج والتي لا تنطوي على أي «مخاطر»، على قول طبيب الأمراض الجلدية عبدالنسيم صادقي الذي يشير إلى أن الأسعار تتراوح بين 44 و89 دولارًا للبوتوكس، وبين 266 و517 دولارًا لزرع الشعر.
تُعدّ هذه المبالغ ثروة لغالبية سكان أفغانستان البالغ عددهم 48 مليون نسمة، نصفهم تقريبًا فقراء بحسب البنك الدولي، لكنها فرصة ذهبية لمحمد شعيب يارزادة (39 عامًا)، وهو صاحب مطعم أفغاني مقيم في لندن.
استفاد محمد شعيب يارزادة من زيارته الأولى إلى أفغانستان بعد 14 عامًا ليُجري عملية زرع شعر، لأن تكلفتها في إنجلترا تصل إلى آلاف الجنيهات.
لجذب زبائن جدد، تنشر كل عيادة عددًا كبيرًا من الصور ومقاطع الفيديو عبر مواقع التواصل، تعد من خلالها الزبائن بالحصول على ميزات جمالية كثيرة كالبشرة الناعمة، والشفاه الممتلئة، والشعر الكثيف.
في أفغانستان، كما في أي مكان آخر، لا مفرّ مما يفرضه المؤثرون عبر الشبكات الاجتماعية، بحسب لاكي خان (29 عامًا)، المشاركة في إدارة مركز «نيجين آسيا» الذي يستقبل عشرات المرضى الجدد يوميًا.
تقول الدكتورة خان، وهي روسية ذات أصول أفغانية: «إن عددًا كبيرًا ممن يرتادون هذا المكان لا تكون لديهم مشاكل كبيرة، لكنهم يرغبون في إجراء جراحة تجميلية لأنهم شاهدوا صيحات عبر إنستغرام».
وبينما يعاني عشرة ملايين أفغاني من الجوع ويفتقر واحد من كل ثلاثة منهم إلى الرعاية الطبية الأساسية، بحسب الأمم المتحدة، «يفضّل البعض ممن يفتقرون إلى المال الكافي لتأمين احتياجاتهم الغذائية، الاستثمار في جمالهم»، وفق خان.
تعليقات