وسط جبال رودوبي المكسوّة بالضباب جنوب بلغاريا، تحوّل سجن بلدة سموليان إلى وجهة غير متوقعة لعشاق الأجبان، بعدما أسرت منتجاته قلوب المستهلكين، رغم أنها تُصنّع بأيادٍ من خلف القضبان.
في مصنع ألبان داخل مبنى مكوّن من أربع طبقات يعود لمنجم يورانيوم مهجور، يعمل السجين غيورغي فيليانوف على تقليب 500 لتر من الماء النقي، مرتديًا قبعة شبكية بيضاء فوق شعره. فيليانوف، الذي يقضي عقوبة بالسجن لعامين ونصف بتهمة الاتجار بالمخدرات، يرى في عمله هذا وسيلة «لتمرير الوقت بسرعة»، إضافة إلى أنه خفّض من مدة محكوميته ستة أشهر، ويحصل شهريًا على راتب يُقدّر بمئات اليوروهات، ما يساعده على إعادة الاندماج في المجتمع، وفقا لوكالة «فرانس برس».
هذا المشروع غير المألوف جاء بمبادرة من مدير السجن السابق خريستو سولاكوف، الذي أدرك أن بيع الحليب الخام من الماشية التي كان السجناء يربّونها يُدرّ خسائر، فقرّر تحويله إلى منتجات ألبان. النتيجة فاقت التوقعات، واكتسب المصنع شهرة كبيرة، حتى أصبح عاجزًا عن تلبية الطلب المتزايد.
- حليب الإبل مادة أولية في صناعة الأجبان الفرنسية
- أجبان جزائرية على الطريقة السويسرية من مراعي منطقة القبائل
- موجات الحر في فرنسا خففت إنتاج الأجبان
المصنع يُنتج الزبادي البلغاري الشهير، جبنة الفيتا، والحليب الرائب، وجميعها «خالية من المواد الحافظة أو المضافة»، بحسب ما يؤكد سولاكوف، ما يُبرر أسعارها المرتفعة مقارنةً بالمنتجات الأخرى. يُخصص نصف الإنتاج لسجون بلغاريا، بينما يُباع الجزء الآخر في نقاط توزيع محدودة، تلقى رواجًا كبيرًا.
نحو مئة سجين يعملون في المشروع ضمن نظام العقوبات البديلة، ويخضعون لتدريب مهني شامل. يقول أحدهم، إيفان باتازوف، البالغ من العمر 31 عامًا، إنه يخطط لافتتاح مشروعه الخاص بعد انتهاء محكوميته، مستفيدًا من المهارات التي اكتسبها، مثل تقطيع الجبن وتغليفه وتوضيبه للاستهلاك.
تجربة سجن مختلفة
نجاح المشروع دفع عددًا من السجناء السابقين إلى استنساخ التجربة بعد خروجهم. أحدهم افتتح مشروعًا خاصًا يديره اليوم بثمانية موظفين.
وعلى الرغم من الصورة النمطية القاتمة للسجون في بلغاريا، التي تعرضت سابقًا لانتقادات أوروبية بسبب الاكتظاظ وسوء الظروف، تبدو تجربة سجن سموليان مختلفة. فمعدل السجناء في بلغاريا منخفض نسبيًا (86 لكل 100 ألف نسمة)، مما يفسح المجال لتجارب إصلاحية كهذه.
سولاكوف، الذي يفخر بما أنجزه، يستذكر الماضي قائلًا: «في الحرب العالمية الثانية، كنّا ننهب معامل الألبان لنُطعم المقاتلين. اليوم، نبنيها داخل السجن».
بين أيدي من يسعون للخلاص، ووسط ضباب الجبال، تصنع الحرية بطعم الجبنة.
تعليقات