حذر الصحفي الأميركي البارز، توماس فريدمان، من التدخل عسكريا في فنزويلا، وما سينتج عنه من فوضى واضطراب داخلي، مذكرا بالتدخل العسكري الغربي في ليبيا، الذي أفضى إلى الفوضى المستمرة منذ العام 2011 وإلى الآن.
وقال في مقال نشرته جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية، أمس السبت، إن الدعم العسكري الذي قدمته الولايات المتحدة والقوى الغربية في ليبيا بالعام 2011 نجح في التخلص من نظام معمر القذافي، لكنه ترك البلاد في فوضى مستمرة إلى اليوم، مشككا في قدرة الولايات المتحدة على تقرير مصير الأحداث في فنزويلا دون قوات عسكرية على الأرض، وهو ما سيعد احتلالا عسكريا.
ورأى أنه مازال من المبكر الحصول على إجابات واضحة بشأن ما سيحدث في فنزويلا عقب الهجوم العسكري للولايات المتحدة على كاراكاس، وخطف رئيس البلاد، نيكولاس مادورو، وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة تمهيدا لمحاكمتهما.
النموذج الليبي
أعاد فريدمان التذكير بالتدخل العسكري الغربي في ليبيا العام 2011 بالقوة الجوية، مما أفضى إلى الإطاحة بنظام معمر القذافي واندلاع حرب أهلية. وقال: «الرئيس الأميركي وقتها باراك أوباما سهل الإطاحة بالقذافي في ليبيا، لكن لم يملك أي قوة على الأرض من أجل تشكيل الأحداث التي تلت».
- خطة ترامب لـ«إدارة» فنزويلا.. الاستيلاء على النفط وتهميش المعارضة الديمقراطية
- ماكرون يدعو إلى انتقال ديمقراطي في فنزويلا بقيادة مرشح المعارضة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة
- الجيش الأميركي يكشف تفاصيل عملية اختطاف مادورو وزوجته من فنزويلا
وأضاف: «أعتقدت وقتها (أي بالعام 2011) أن أي نتيجة لائقة في ليبيا تتطلب وجود قوات عسكرية على الأرض، سواء كدعم عسكري للإطاحة بالقذافي كما نريد، أو كقوات حفظ سلام ووسطاء بين القبائل والفصائل في مرحلة ما بعد القذافي، للمساعدة في عملية التحول إلى الديمقراطية. ولا يمكن للولايات المتحدة تحمل تلك التكلفة».
وتابع فريدمان: «توفير الدعم الجوي إبان الثورة في ليبيا بالعام 2011 ترك فراغا على الأرض للفصائل المتنافسة التي لا تزال منقسمة حتى الآن»، مضيفا: «بعد ما يقرب من 15 عاما، لا تزال ليبيا في فوضى مع حكومتين متنافستين، ولا تزال نقطة انطلاق خطيرة للاجئين والمهاجرين من أفريقيا عبر البحر المتوسط إلى أوروبا».
تطورات غامضة في فنزويلا
بالنظر إلى التطورات السريعة التي شهدتها فنزويلا أمس السبت، وتعليقا على خطاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تساءل فريدمان كيف يمكن للإدارة الأميركية تشكيل الأحداث على الأرض داخل فنزويلا بشكل يدعم مصالحها ومصالح الشعب دون وجود عسكري على الأرض؟
ورأى أن خيار التدخل السريع في فنزويلا، الذي اختارته إدارة ترامب، ليس مناسبا كاستراتيجية جيوسياسية. وبدا أن الرئيس ترامب، في خطابه من فلوريدا أمس السبت، يدرك تلك الحقيقة، إذ قال: «سندير فنزويلا إلى حين نكون قادرين على القيام بعملية انتقال آمنة ومناسبة»، مضيفا: «الولايات المتحدة مستعدة لشن هجوم ثان أكبر إذا لزم الأمر، ولا نخشى إرسال قوات إلى الأرض».
احتلال أم إعادة بناء النظام؟
تعليقا على خطاب ترامب، بيّن فريدمان: «لم يتردد الرئيس ترامب في التلميح إلى أنه بصدد أكبر مشروع لبناء دولة انخرطت فيه الولايات المتحدة منذ التدخل في العراق وأفغانستان. لكن هل يملك أي فكرة عن مدى صعوبة هذا المشروع وإمكان استمراره بلا حدود؟».
وعلى غرار الوضع في ليبيا، أفاد الصحفي الأميركي بأن الكيفية التي ستدير بها الولايات المتحدة فنزويلا بعد مادورو ليست واضحة إلى الآن، وما إذا تملك أي ترتيبات مع بقايا نظام مادورو؟ وهل ستتولى الولايات المتحدة تنظيم الانتخابات؟
وقال: «الأمر الواضح هو أن إدارة الولايات المتحدة لفنزويلا ستكون مهمة ضخمة، ومن غير المرجح أن يتقبل جزء كبير من قاعدة ترامب الانتخابية هذه المهمة».
كما ذكر فريدمان بعض النماذج الأخرى في دول الشرق الأوسط التي انهارت من الداخل أعقاب الإطاحة بقياداتها، مثل اليمن وسورية، التي باتت مصدرا للمخدرات والمهاجرين المنطلقين صوب أوروبا.
الوضع نفسه ينطبق على فنزويلا، حيث تشير تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إلى وجود قرابة ثمانية ملايين فنزويلي من بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء فروا من البلاد صوب دول أميركا اللاتينية، مما خلق أزمة إنسانية حقيقية للمنطقة بأسرها.
لهذا، حذر فريدمان من أن تؤدي الإطاحة بمادورو إلى اقتتال داخلي بين مؤيديه ومعارضيه، مما يفاقم أزمة اللجوء بالبلاد، ويتسبب في زعزعة الدول المجاورة.
موقف القوى العظمى
على صعيد آخر، تساءل فريدمان عن موقف زعماء القوى الدولية الأخرى، وعلى رأسها الصين وروسيا، وكذلك رئيسا أوكرانيا وتايوان، وقال: «ربما تنظر الصين إلى تحرك الولايات المتحدة وخطف مادورو من قلب العاصمة كاراكاس لتبرير الإطاحة بحكومة تايوان».
وأضاف: «أما بوتين، فمن المؤكد أنه يفكر في أنه إذا انشغلت إدارة ترامب بمحاولة إدارة فنزويلا ما بعد مادورو، فسيكون لديها وقت وجهد وموارد أقل بكثير لتخصيصها لأوكرانيا. ولا شك أن الرئيس الأوكراني يشعر بالقلق نفسه».
تعليقات