حالة من الجدل صاحبت التصريح الأخير لوزير الدفاع اليوناني، نيكوس ديندياس، الذي قال فيه إن بلاده لن تقبل «الآن أو في المستقبل» المذكرة التي وقعتها حكومة الوفاق السابقة مع تركيا لترسيم الحدود البحرية، ووصفها بأنها «غير قانونية».
وفي مداخلات أمس الإثنين مع برنامج «وسط الخبر»، المذاع على «قناة الوسط» (Wtv)، اعتبر خبراء هذا التصريح «تصعيدًا سياسيًا» يعكس احتدام الصراع على موارد الطاقة في شرق المتوسط، وسط تحذيرات من أن استمرار تضارب الاتفاقيات بين دول المنطقة قد يدفع نحو مرحلة أكثر تعقيدًا، وربما أكثر خطورة.
تصريحات وزير الدفاع اليوناني مناكفات سياسية
الباحث في القانون الدولي الدكتور محمد البوري أكد أن تصريحات وزير الدفاع اليوناني الأخيرة تندرج في إطار المناكفات السياسية، ولا تستند إلى أي أساس قانوني.
وأوضح البوري أن تصريح الوزير «لا يمت بصلة للجانب القانوني»، حين قال إن «الاتفاقية الموقعة بين اليونان ومصر هي التي ترتّب آثاراً قانونية مباشرة، بينما لا تمنح الاتفاقية المبرمة بين ليبيا وتركيا أي حقوق إضافية للطرفين وفق المعايير المعمول بها». ووصف تصريح ديندياس بأنه «خطاب سياسي بحت، لا علاقة له بالقانون من قريب أو بعيد».
مخاوف من نزاع طويل في شرق المتوسط
من جهته، اعتبر الخبير الدولي في فضّ المنازعات، محمد الأسعد، أن تصريحات وزير الدفاع اليوناني تأتي في إطار محاولة إعادة إحياء الجدل حول هذا الملف، لكنها تبقى تصريحات سياسية قابلة للرد، ولا تستند إلى وقائع ميدانية.
وأشار الأسعد إلى أن مثل هذا الخطاب قد يصدر أيضاً عن مسؤولين في ليبيا أو تركيا، وهو ما يعكس ــ من وجهة نظره ــ تبادلاً للرسائل السياسية أكثر منه طرحاً قانونياً.
وأضاف أن ما يجري «يُنذر بنزاع طويل وشديد التعقيد، مليء بالمفاجآت»، لافتاً إلى أن الصراع بين الأطراف الأربعة «لا يزال في بدايته»، وأن التصريحات المتتالية تكشف أن الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد.
وختم الأسعد بتأكيد أن المواقف المتداولة «لا تعكس الواقع الميداني، وليست مبنية على حقائق قانونية»، ما يجعلها جزءاً من الخطاب السياسي المتبادل أكثر من كونها تصريحات تستند إلى قواعد أو معايير موضوعية.
جوهر الخلاف يتعلق بالجرف القاري
قال نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية في مصر، الدكتور مختار غباشي، إن اعتراض اليونان على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا ليس جديدًا، بل يستند إلى قناعة راسخة لدى أثينا بأن الاتفاقية تتعارض مع قواعد القانون الدولي، وتمسّ حقوقها في شرق المتوسط.
- هل تنجح المبادرة اليونانية في ترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها مع ليبيا وتركيا؟
- تضم ليبيا.. «كاثمريني»: واشنطن تسعى إلى عقد محادثات رباعية في شرق المتوسط
- على الرغم من معارضة ليبيا.. اليونان تمنح 4 مناطق بحرية في «المتوسط» لتحالف «شيفرون»
- اليونان تقترح مبادرة للتعاون الإقليمي مع ليبيا ومصر وتركيا وقبرص
وأوضح غباشي أن جوهر الخلاف يتعلق بالجرف القاري والحدود الاقتصادية، بالإضافة إلى وضع الجزر اليونانية المنتشرة في البحر، التي ترى اليونان أن الاتفاقية الليبية - التركية تنتقص من حقوقها عليها. وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من تصريح الوزير اليوناني يندرج في هذا الإطار، إذ يعتبر أن الاتفاقية تغطي مناطق بحرية تشمل جزرًا يونانية، وبالتالي تمنح ليبيا وتركيا حقوقًا «لا تستحقانها» من وجهة نظر أثينا.
اتفاقية ترسيم الحدود البحرية نافذة
أضاف غباشي أن البُعد القانوني للاتفاقية، من حيث الشرعية الدولية، «حُسم بالفعل»، لكونها أودعت لدى الأمم المتحدة، وصادقت عليها الجهات الليبية المختصة، بما في ذلك دراسة أصدرها مجلس النواب حول الموافقة عليها، بذلك أصبحت الاتفاقية «نافذة وموضوعًا للتطبيق»، على حد وصفه.
ولفت إلى أن تصريحات وزير الدفاع اليوناني ترتبط أيضًا بالاتفاقيات التي أبرمتها بلاده مع شركات التنقيب في البحر، التي تعتبرها اليونان أساسًا قانونيًا يمنحها حق العمل في مناطق ترى أنها خاضعة لسيادتها، بينما تؤكد الاتفاقية الليبية - التركية أن تلك المناطق تدخل في نطاق الحقوق الممنوحة للطرفين.
وأكد أن هذا الخلاف ليس وليد اللحظة، بل امتداد لنزاع قديم منذ توقيع الاتفاقية، في ظل التوترات المستمرة حول ثروات شرق المتوسط، وتشابك مصالح الدول المتشاطئة وغير المتشاطئة. واختتم بالقول إن المسألة «تتجاوز الجدل القانوني إلى سجال سياسي»، على الرغم من أن الاتفاقية باتت معتمدة وفاعلة بإقرار الطرفين والأمم المتحدة.
تفكك التحالفات التقليدية في شرق المتوسط
اعتبر الأكاديمي والباحث السياسي، الدكتور مهند أوغلو، أن التوازنات في شرق المتوسط وبحر إيجه تشهد تفككًا واضحًا في التحالفات التقليدية، بالتزامن مع تصاعد التوترات حول اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية المتعارضة بين دول عدة في المنطقة.
وقال أوغلو، تعليقًا على تصريحات وزير الدفاع اليوناني الأخيرة، إن اليونان ترفض بشكل قاطع الاعتراف بالمذكرة البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا، وتحديدًا ما يتعلق بادعاء أن جزر الدوديكانيز تقع ضمن الجرف القاري التركي أو الآسيوي. وأشار إلى أن هذه المواقف تأتي في سياق صراع أعمق يرتبط بمفهوم «الوطن الأزرق» الذي تتبناه أنقرة، والذي يضع شرق المتوسط وبحر إيجه ضمن مجال جغرافي استراتيجي يعتبره الأتراك امتدادًا لمصالحهم البحرية.
وأوضح أن البحر المتوسط يشهد اليوم «ثلاث اتفاقيات متعارضة» لا تتقاطع في أي من بنودها: الاتفاقية الليبية - التركية، والاتفاقية المصرية - اليونانية، والاتفاقية القبرصية - اللبنانية، مشيرًا إلى أن كل طرف لديه اعتراضات وتحفّظات على اتفاقيات الطرف الآخر، فتركيا وليبيا تعترضان على اتفاق أثينا - القاهرة، بينما تبدي اليونان نفسها اعتراضات على اتفاق قبرص ولبنان.
خطاب الوزير اليوناني يحمل تهديدا مبطنا
أضاف أوغلو أن هذه التعقيدات «تشعل شرق المتوسط»، وتحوّله إلى ساحة صراع على النفوذ والموارد، مؤكدًا أن السؤال لم يعد حول ماهية الخلاف القانوني، بل حول من سيتمكن من التحكم في المياه وموارد الطاقة التي تحمل أهمية استراتيجية طويلة المدى.
ولفت إلى أن دخول وزير الدفاع اليوناني على خط التصريحات، بدلًا من وزير الخارجية أو رئيس الوزراء كما جرت العادة، يعكس حجم التوتر وخطورة الرسائل المتبادلة.
وأشار إلى أن خطاب الوزير اليوناني يحمل «تهديدًا مبطّنًا»، مفاده أن اليونان لن تقف مكتوفة الأيدي إذا جرى تمرير الاتفاقية الليبية - التركية داخل البرلمان الليبي، ملمّحًا إلى استعداد أثينا للتحرك، وربما عسكريًا، للدفاع عن مصالحها البحرية.
وختم أوغلو حديثه بتأكيد أن المنطقة تنتقل من خلافات سياسية إلى احتمالات تصادم ميداني ما لم تُجمع الأطراف المعنية حول طاولة واحدة، لصياغة مقاربة جديدة لقانون البحار تتناسب مع تعقيدات شرق المتوسط، محذّرًا من أن غياب هذا المسار سيُبقي المنطقة في دائرة التوترات السياسية، وربما المواجهات العسكرية.
تعليقات