تعوّل تونس على تحويل معبر رأس اجدير مع ليبيا إلى منطقة اقتصادية متكاملة، وهو مشروع مُعلّق منذ العام 2009، ويُنتظر رفع الجمود عنه لبناء شراكة استراتيجية مستقرة بين البلدين.
وأشار وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، في جلسة برلمانية أخيرا، إلى السعي لتطوير العلاقات مع ليبيا عبر تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، وتكثيف التنسيق لتسهيل حركة نقل البضائع والمسافرين عبر المعبر الحدودي عبر تحويل معبر رأس اجدير مع ليبيا إلى منطقة اقتصادية متكاملة.
وترتكز العلاقات الاقتصادية التونسية - الليبية على ترابط حيوي، وإن كان هشًا، يُقوّضه عدم الاستقرار السياسي وهيمنة الشبكات غير الرسمية. وعلى الرغم من حجم التجارة الكبير، وكثافة حركة المرور عبر الحدود، تُكافح المؤسسات الرسمية لتنظيم هذه التدفقات، مما يُفسح المجال لاقتصاد موازٍ تُهيمن عليه قلة من الجهات الفاعلة.
أزمة مشروع المنطقة اللوجستية في رأس اجدير
يُجسّد مشروع المنطقة اللوجستية، المُعلّق منذ 16 سنة، الفشل في التوفيق بين التكامل الاقتصادي والسيادة، حيث يُعدّ الإصلاح والدبلوماسية الاقتصادية الاستباقية أمرين أساسيين لتحويل هذه العلاقة إلى شراكة مستقرة.
وتتجاوز العلاقات الاقتصادية بين تونس وليبيا مجرد شراكة تجارية ثنائية، فهي تُشكل منظومةً بيئيةً معقدة، وتعد مزيجًا من الترابط الحيوي، واقتصادا غير رسميّ واسع الانتشار، وقيودا جيوسياسيةٍ مُعقّدة. وفي حين لا تزال ليبيا غارقةً في أزمةٍ سياسيةٍ مُستمرة، فإن تونس، التي تُصارع صعوباتها الاقتصادية الخاصة، ترى في جارتها الشرقية سوقًا حيويةً، ومصدرًا لعدم الاستقرار المُزمن.
في هذا السياق، تسلط مجلة «موند أفريك» الفرنسية الضوء على غموض علاقة التعايش الاقتصادي بين البلدين، حيث تُعدّ تونس ثامن أكبر مورد لليبيا وخامس أكبر شريك تجاري لها، وتُهيمن المنتجات الزراعية بشكل كبير على صادراتها، التي تُقدّر قيمتها بنحو 260 مليون يورو، حيث يُنقل نحو 60% من إنتاج الخضراوات التونسية إلى السوق الليبية.
مع ذلك، فإن هذا المستوى العالي من التجارة، الذي يُمثّل نظريًا عاملًا في التهدئة والتعاون وفقًا للنظريات الليبرالية، يتعارض مع هشاشة بالغة.
ويُعد معبر رأس اجدير الحدودي، وهو شريان حيوي تُقدر قيمته بمليار دولار سنويًا، مثالًا بارزًا على ذلك، فهو محرك اقتصادي حقيقي للمناطق الحدودية في كلا البلدين، وتعتمد عليه نحو ثلاثة آلاف أسرة تونسية بشكل مباشر، ويعمل بطاقة استيعابية منخفضة منذ أشهر.
ويعاني تدفق الأشخاص - الذي انخفض 60 - 80% مقارنةً بـ1.5 مليون زائر سنويًا قبل الجائحة - والتجارة الاضطرابات الأمنية والإغلاقات التعسفية، مما يُظهر هشاشة علاقة تفتقر إلى آليات المرونة.
600 مليون يورو قيمة المعاملات غير الرسمية بين البلدين
كما تهيمن الشبكات غير الرسمية على العلاقات، إذ خلف واجهة المبادلات الرسمية الراكدة وغير الفعالة يزدهر اقتصاد موازٍ ذا أبعاد مذهلة. وفي حين تتراكم على المؤسسات المالية المشتركة «خسائر فادحة» وعجز هيكلي، يُقدر حجم المعاملات غير الرسمية بنحو 600 مليون يورو، أي ضعف حجم المبادلات الرسمية.
وحسب المجلة الفرنسية، فعدم تناسق المعلومات، وانعدام الثقة التام بالمؤسسات الرسمية، وانعدام السيولة المزمن، خلق فراغًا ملأته جهات فاعلة غير حكومية. ووفقًا لمصادرها، تسيطر حفنة من الأفراد على شبكة تضم نحو 250 صرافًا في بن قردان، فارضين بذلك هيمنتهم على الاقتصاد العابر للحدود.
في المقابل، فإن المأزق الذي يحيط بمشروع منطقة رأس اجدير اللوجستية، المُجمّد على الرغم من تكلفته المتواضعة المُقدّرة بـ300 مليون دولار، يُشير إلى انسداد أعمق، إذ يُجسّد هذا المشروع، المُصمّم كمنصة متكاملة لتعزيز التجارة مع ليبيا والجزائر، معضلة ثلاثية: صعوبة التوفيق بين التكامل العميق والسيادة الوطنية والاستقرار السياسي.
ويقترح التقرير للتغلب على هذا المأزق اتباع نهج جريء وواقعي، يتمحور حول ثلاثة مجالات رئيسية، هي: إضفاء الطابع الرسمي على القطاع غير الرسمي، وإحياء مشاريع الهيكلة من خلال نهج تدريجي، إلى جانب دبلوماسية اقتصادية فاعلة ومتعددة الأوجه.
تعليقات