جدل وتفاعل واسع بين الليبيين على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل الإعلام، بين مستنكر ومؤيد، بسبب التصريحات الأخيرة لوزير الدخلية المكلف في حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، اللواء عماد طرابلسي، التي دعا فيها إلى منع الاختلاط وتقييد حريات شخصية.
وبينما رحب البعض بهذه التصريحات لـ«الحد من الانحدار الأخلاقي الذي يشهده المجتمع»، حسب وجهة نظرهم، رفض آخرون فرض القواعد الأخلاقية، واعتبروا ذلك تعدياً على حياة وحريات الناس الشخصية، خاصة النساء، وعودة إلى الماضي، واعتبرها متابعون للشأن الليبي «قنبلة دخان أخلاقية» ربما تمهد لما بعدها.
- للاطلاع على العدد «469» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
الباح: تصريحات الطرابلسي تقييد للحريات وتعدٍ صارخ على الحقوق الشخصية
الوزير الطرابلسي قال ضمن ما قال إن من يسعى إلى الحرية الشخصية عليه «الذهاب إلى أوروبا». وفي هذا السياق، استطلعت «الوسط » آراء بعض الليبيين والليبيات حول تصريحات الطرابلسي. فمن جهتها استنكرت الحقوقية الليبية نيفين الباح بشدة تصريحات وزير الداخلية، وقالت إنها «ترمي إلى تقييد الحريات الأساسية للأفراد، ومنع اختلاط الرجال والنساء، والحد من حرية التنقل والتعبير والسفر، وتمثل تعدياً صارخاً على المساحات الشخصية وحقوق المواطنين».
وأضافت الباح: «هذه السياسات لا تنتهك فقط مكتسبات شعبنا الذي ضحى كثيراً من أجل الكرامة والحرية، بل تشكل أيضاً تهديداً خطيراً للتنمية الاقتصادية، وتشويهاً لصورة دولتنا أمام العالم، فمثل هذه التدابير القمعية تضعف ثقة المستثمرين الأجانب، وتحبط فرص استقطاب الاستثمارات التي تسهم في تطور بلادنا وازدهارها. نطالب باحترام الإعلان الدستوري، والالتزام بحماية حقوق الأفراد وكرامتهم، ونرفض العودة إلى سياسات التقييد التي تعرقل مسار التنمية والتقدم».
أما المديرة التنفيذية لمنظمة «سفراء الصحافة والإعلام»، لبنى يونس، فتقول: «بداية لست ضد وضع ضوابط أخلاقية ومعايير للظهور على السوشيال ميديا، لأنها تؤثر بشكل مباشر في مجتمعاتنا، ولكن للأسف أثارت تصريحات وزير الداخلية استيائي البالغ، لأنها استهدفت حرية المرأة في ليبيا، وتجاوزت بشكل واضح الحدود الدستورية التي تكفلها الدولة».
مخالفة دستورية
ترى يونس أن «هذه التصريحات لا تسيء فقط إلى حقوق المرأة، بل تشكل انتهاكاً صارخاً لمواد الإعلان الدستوري الليبي لعام 2011، الذي يعتبر الوثيقة العليا التي تضمن حقوق المواطنين وحرياتهم الأساسية، فالمادة 7 من الإعلان الدستوري تضمن حقوق الإنسان والحريات الأساسية لكل المواطنين الليبيين دون تمييز».
وتوضح أن «المادة 14 من الإعلان الدستوري تنص على حرية الرأي والتعبير والتواصل، ما يجعل تصريحات وزير الداخلية، التي تسعى إلى تقييد حرية المرأة، مخالفة لهذا الحق الأساسي. كما أن المادة 6 تنص بوضوح على مبدأ المساواة بين الليبيين أمام القانون، وهو ما يتناقض تماماً مع أي محاولة للتمييز ضد المرأة أو الحد من حقوقها».
وتضيف: «وزارة الداخلية هي جهة تنفيذية نحترمها، وليست لها سلطة إصدار تشريعات أو فرض قيود تعسفية، وندعو الجهات الرسمية إلى اتخاذ موقف جاد تجاه هذه التصريحات التي تتعارض مع مبادئ الكرامة الإنسانية والاحترام المتبادل، ولسنا ضد تفعيل الجهات الضبطية على العكس تماما، ولكن التصريحات الخطيرة يمكن أن تستخدم حجة لدخول المنازل وتلفيق التهم».
هل وزير الداخلية مكلف بوضع سياسات تنظيمية للحريات؟
اعتبرت الأستاذة بجامعة بنغازي عبير أمنينة أن ما قام به وزير الداخلية المكلف من إجراءات تضييق للحريات العامة يعد «انتهاكاً سافراً للإعلان الدستوري والقوانين المعمول بها، بالإضافة إلى أنها صدرت من غير ذي صفة، وكان الأدعى أن يهتم بالسياسات التنظيمية المناط بها كوزير على رأس وزارة سيادية».
وقالت: «أيضاً للأسف حزمة الإجراءات التي عبر عنها هي انعكاس لخطاب شعبوي يتواءم مع مزاج الأغلبية من النساء والرجال في ليبيا على حد السواء، فالهندسة الاجتماعية القائمة على توزيع الأدوار بصورة تعسفية، والإرث الرجعي القائم على الوصاية على النساء، يجعلان من أي مسار تحرري تتخذه المرأة فكرياً واجتماعياً وعلمياً بمثابة تهديد يستوجب لجمه».
- للاطلاع على العدد «469» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وترى النائبة السابقة في الموتمر الوطني العام نادية الراشد أن تصريحات الطرابلسي «تجاوزت القوانين والتشريعات الليبية والمواثيق الدولية، وتمثل انتهاكاً صارخاً للخصوصية، حيث استخدم التهديد والوعيد في إشارة إلى انتهاك حرمة البيوت، وهذا تعدٍ شامل على الأسرة الليبية».
ولفتت إلى أن «اختصاص وزير الداخلية كمسؤول أمني حماية مؤسسات الدولة وحماية المواطن، بينما تعاني ليبيا الفساد والانهيار الكامل للسيادة وانتشار السلاح، والتصريح الصادر عن وزير الداخلية مخالف للقانون الليبي 11 سنة 2016 لحماية الآداب العامة، والقانون رقم 20 سنة 1991 كليا فيما يتعلق بحرية السفر وحماية الأداب العامة».
التعميم مرفوض
رئيسة منظمة السفير الليبية لحقوق الإنسان والحريات، هناء الطياري، توضح أن «خطورة الانحراف والتدني الأخلاقي في المجتمع الليبي المحافظ غير مسبوقة، وهذا نتيجة الانفتاح والانحلال والاستعمار الذي تعيشه ليبيا وكل دول العالم، حيث أصبح العالم قرية صغيرة نتيجة التكنولوجيا، لكن هذا ليس معناه كما صرح وزير الداخلية بأن أغلب جيل 2000 متعاطون للمخدرات، وليس معناه أن نساء ليبيا المناضلات أصبحت أخلاقهن سيئة».
أما عن موضوع الحجاب فتقول: «هذه معصية وذنوب، لكن ما لا يمكن استيعابه أن تفرض وزارة الداخلية هذا وهي جهة تنفيذية وليست تشريعية، وبدلا أن يحاولوا محاربة الإرهاب والشذوذ الجنسي، والقبض على المجرمين وتفكيك الميليشيات، ويسيطروا على المنافذ، يتحدثون عن تفعيل شرطة الآداب»
من جهته، علق الناشط السياسي طلعت بغني قائلا: «أنا معارض طبعا، وجميع النخب في ليبيا معارضة. المجتمع المدني بالكامل. يا سيد عماد أنت وزير داخلية مكلف وليس وزير داخلية رسمي، والأهم أنك تمثل سلطة تنفيذية وليس تشريعية، وقانونا لا يحق لك تشريع قانون».
- جريدة «الوسط»: الدبيبة يتضامن مع الطرابلسي ويهديه قرار «حماية الآداب العامة»
- «العفو الدولية»: التهديدات بذريعة الأخلاق تصعيد للقمع في ليبيا
- «هيومن رايتس»: تدابير الطرابلسي «الأخلاقية» تنتهك حقوق المرأة
- «الحقوقيين الدولية» تدين تصريحات الطرابلسي بشأن «شرطة الأخلاق»
ويوضح: «حاليا نحن في عصر العولمة، وفي الجيل الثالث من الذكاء الصناعي، وأنت تتكلم لي على خمار وحجاب وممنوع الجلوس في مقهى وممنوع كذا وكذا، فأنت بعيد عن العالم، ولست أنت يا سيد عماد من تقول هذا الكلام، فلا تاريخك ولا خلفيتك تجعلك تتكلم عن الحجاب، فيا أخي خلي الكلام لغيرك».
وزارة شؤون المرأة ترفض التعليق وتردد: ملتزمون بتمكين الليييات
بدورها، تجاهلت وزيرة الدولـة لشؤون المرأة بحكومة المكلفة من مجلس النواب، انتصار عبود، التعليق على تصريحات وزير داخلية حكومة الوحدة، وقالت: «نحن في وزارة الدولة لشؤون المرأة بالحكومة الليبية نعمل بجد على تعزيز مكانة المرأة في المجتمع، وتوفير بيئة مناسبة لها، ونؤمن بأن دورنا هو خدمة جميع النساء في بلادنا بغض النظر عن التوجهات السياسية أو التجاذبات الاجتماعية».
وأضافت: «ملتزمون بالعمل على تطوير سياسات ومبادرات تسهم في تمكين المرأة، وتوفير الفرص لها، مع التركيز على تعزيز القيم الإنسانية والإسلامية التي تدعم حقوق المرأة بديننا الإسلامي وعاداتنا وتقاليدنا، وأي خطوات تتخذها وزارة المرأة بالحكومة الليبية تهدف إلى تعزيز مكانة المرأة وتلبية احتياجاتها، وليست لدينا أي علاقة بالتجاذبات السياسية. دائماً نعمل من أجل مستقبل أفضل لجميع النساء في المجتمع».
مطالب بإيقاف حملة 16 يوماً لمناهضة العنف الاجتماعي
في المقابل، اعتبرت عضوة هيئة التدريس بجامعة طرابلس د. حنان شلوف محاولة وزير داخلية حكومة الوحدة الوطنية، عماد الطرابلسي، لتفعيل شرطة الآداب أمراً محموداً.
- للاطلاع على العدد «469» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وقالت شلوف في تصريحات صحفية: «لكننا نتمنى أن يتدارك هذا ببعض القرارات الأخرى، ويجب إيقاف حملة 16 يوماً لمناهضة العنف الاجتماعي التي أطلقتها الأمم المتحدة للخطر الذي تشكله على مستوى الدين والمجتمع، فهي تطالب بإصدار قوانين لحماية حقوق الجنس والمثلية، ومعاقبة من يتنمر عليهم، وليس لمناهضة العنف الاجتماعي».
وأضافت: «من المهم أن تجرى إعادة النظر في المناهج التعليمية، لاحتوائها على ما يخالف الهوية الليبية والدين، وقد قدمنا العديد من المذكرات للعديد من الجهات بالخصوص دون جدوى حتى الآن».
تعليقات