مع استمرار حالة الجمود التي تسيطر على العملية السياسية في البلاد لم يتوقف بالمقابل صدور القرارات الحكومية المثيرة للجدل ومزيد التباين في المواقف، سيما في أوساط الرأي العام، وليس آخرها تصريحات وزير داخلية حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عماد الطرابلسي فيما يتعلق باستحداث جهاز شرطة الآداب، وفيما دعا البعض رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة إلى تنصل حكومته من تصريحات الطرابلسي، فوجئ الجميع بقرار أصدره الدبيبة يتبنى ما طرحه وزير داخليته، وهو قرار إنشاء إدارة حماية الآداب العامة.
وسط هذه الأجواء قد تكون الصورة الإيجابية الوحيدة خلال هذه الأيام الترتيبات الجارية لإجراء الانتخابات البلدية بعد غد السبت بإشراف المفوضية العليا للانتخابات وتشمل 58 بلدية ضمن المجموعة الأولى؛ إذ أكدت وزارتا الداخلية بحكومتي الوحدة في طرابلس، والمكلفة من مجلس النواب في بنغازي استعدادهما لتوفير بيئة آمنة لضمان سير الاقتراع بنزاهة وسلامة الناخبين والمراقبين والموظفين في المراكز الانتخابية.
انتخابات بلدية وسط أجواء مشحونة
الانتخابات البلدية تأتي وسط احتقان غير مسبوق بين مواطنين وسياسيين وحقوقيين خلفته إجراءات فسرها البعض بأنها تحمل شبهة الانحياز إلى تيار ديني بعينه، وتقفز فوق نصوص الإعلان الدستوري بخصوص صون الحريات، وحقوق الإنسان، وتردد وفق مصادر مطلعة، الخميس، بدء الاستعدادات بتكليف قوة الردع الخاصة والمعروفة بعمليات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة بالإشراف على مهام «الشرطة الأخلاقية» في طرابلس، والتي شبهها المتحفظون على القرار بـ«هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» المعروفة في السعودية.
- للاطلاع على العدد «469» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وبغض النظر عن العقبات الدستورية والقانونية والسياسية المحتملة التي قد تعترض تفعيل مسار إدارة «حماية الآداب العامة»؛ حيث لا تتجاوز سلطته سوى بعض مناطق الغرب الليبي، وفي سياق الجدل الذي أثارته قرارات الطرابلسي وقرار الدبيبة لم يستبعد متابعون للشأن الليبي أن يكون هذا المستجد محاولة لاستقطاب تيار ديني بعينه في مواجهة محتملة مع مجموعات أخرى تمتلك السلاح في طرابلس، وتمتلك قدرات عسكرية كبيرة وتأييداً شعبياً لا يستهان به.
تصريحات الطرابلسي المثيرة للجدل
وفي مؤتمر الطرابلسي الصحفي، 6 نوفمبر الجاري، تحدث عن سلسلة من الإجراءات باسم «الأخلاق» تتضمن عودة دوريات شرطة الآداب للعمل الشهر المقبل ومنع «صيحات» حلاقة الشعر وملابس الشباب التي لا تتماشى مع ثقافة المجتمع وخصوصياته، ومنع سفر المرأة من دون محرم، ومنع الاختلاط في المقاهي والأماكن العامة، والالتزام بارتداء الحجاب عند الخروج للشارع.
وفجّر هذا التوجه جدلاً كبيراً في ليبيا، سيما بعدما اعتبرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تصريحات وزير الداخلية حول فرض الحجاب انتهاكات لحقوق النساء والفتيات الليبيات. وعبرت عن استغرابها بما وصفته بـ«صمت المسؤولين الحكوميين إزاء هذه التصريحات بشكل مريب»، داعية إلى عدم التسامح مع أي تدابير من شأنها أن تنتهك الحقوق الأساسية للنساء، وفق قولها.
منظمة العفو تنتقد التصريحات
كما أصدرت منظمة العفو الدولية «أمنيستي» بلاغاً اعتبرت فيه أن هذه الإجراءات واسعة النطاق من شأنها أن ترسخ التمييز ضد النساء والفتيات، بما في ذلك إنشاء «شرطة الأخلاق» لفرض الحجاب الإلزامي، وأنها قرارات تستهدف انتهاك حقوق المرأة والمساواة، منها إجبار النساء على الحصول على إذن من أولياء أمورهن الذكور (المَحارم) قبل السفر إلى الخارج، والتفاخر بإعادة امرأتين ليبيتين قسراً من تونس بعدما سافرتا دون «أولياء».
وطالبت المنظمة الدولية «حكومة الوحدة» بالتركيز على أزمات الليبيين الحقيقية مثل «أزمة حقوق الإنسان المتفاقمة في البلاد، والتي تتسم بالاعتقال التعسفي الجماعي، والاختفاء القسري، والتعذيب والمحاكمات الجائرة».
ويتذكر حقوقيون عشرات الجرائم الواضحة بحق نساء ليبيا والتي ظلت دون حساب أو عقاب ضد المتورطين، مثل اغتيال الحقوقية حنان البرعصي، وأيضاً اختفاء النائبة سهام سرقيوة المغيبة منذ سنوات، إلى جانب سجن واعتقال آخرين.
ردود فعل الدول الغربية على تدابير الطرابلسي
وعلى المستوى الرسمي الدولي، أبدى الغرب حذراً من التدابير المجحفة التي قد توقظ «الخلايا المتشددة»، وقد ناقش سفير الاتحاد الأوروبي نيكولا أورلاندو مع الطرابلسي مقترحاته الأخيرة لإنفاذ القانون، مشيراً إلى أن «التزام الاتحاد الأوروبي بشراكتنا لا يزال راسخاً، فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان العالمية، والمبادئ الإنسانية، وكذلك السيادة والثقافة الليبية».
أما سفير بريطانيا مارتن لونغدن فأجرى «محادثة مفيدة وصريحة» مع الطرابلسي حول مجموعة من القضايا، بما في ذلك التحديات الأمنية في طرابلس و«حقوق وحريات جميع المواطنين الليبيين».
الدبيبة يتجاهل التعقيب على «خطة الأخلاق»
ولم تُخرج الانتقادات رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة ليوضح أسباب «خطة الأخلاق» في المجتمع الليبي، واكتفى يوم الأربعاء بديوان مجلس الوزراء في طرابلس لدى استقباله وفداً من أعيان الصيعان والحرارات بالدعوة إلى «أهمية توحيد الجهود الوطنية من قبل الأعيان، والقيادات الاجتماعية والسياسية، والمجالس البلدية، وغيرها، بهدف الوصول إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية وفق قوانين انتخابية عادلة ونزيهة، والاستفتاء على الدستور الذي سينظم إطار العلاقة بين الليبيين».
- للاطلاع على العدد «469» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
كما لم يرد الدبيبة أيضاً على اتهامات خالد المشري الذي يعتبر نفسه الرئيس الشرعي للمجلس الأعلى للدولة حين استنكر تأمين القوات التابعة لـ«حكومة الوحدة» لجلسة الثلاثاء المثيرة للجدل، مشيراً في تصريحات تلفزيونية إلى أنه ممنوع من عقد جلسات، واتهم السلطات الحكومية في طرابلس بالوقوف وراء ذلك، معتبراً أن الجلسة «مخالفة للنظام الداخلي، وفرض للأمر الواقع».
المشري، الذي جدّد تمسكه بحقّه في منصبه اتهم غريمه محمد تكالة الذي أعلن فوزه برئاسة المجلس بـ«اغتصاب السلطة وانتحال الصفة»، وهو ما أدخل الصراع على رئاسة المجلس الأعلى للدولة منعطفاً جديداً يرجح أن يفاقم حالة الانقسام السياسي.
المشري وفريقه يرفضون جلسة انتخاب تكالة
وبشكل متزامن عقد مكتب رئاسة المجلس الأعلى للدولة برئاسة المشري، والنائب الأول ناجي مختار، والنائب الثاني عمر العبيدي، اجتماعاً الأربعاء في طرابلس مع رؤساء اللجان الدائمة بالمجلس، وخلالها جرى تأكيد رفضهم لقيام عدد من الأعضاء بعقد جلسة بشكل مخالف يوم الثلاثاء وما تم فيها من إجراءات غير قانونية وعدم الاعتداد بها، بالإضافة إلى تمسكهم بالمسار القضائي. وزعم النائب الثاني عمر العبيدي يوم الثلاثاء أن البعثة الأممية أبلغت تكالة رسمياً بالتوقف عن هذا العبث، والذهاب مباشرة إلى جلسة توافقية.
ونشر حساب مجلس الدولة على «فيسبوك» الأربعاء صوراً لتكالة وهو يعقد الاجتماع الأول لمكتب الرئاسة بعد إعادة انتخابه رئيساً للمجلس الأعلى للدولة في جلسة حصل فيها على 55 صوتاً بحضور 73 عضواً من ضمن 143 عضواً.
إشكالية مجلس الدولة «ليست قانونية»
ويؤكد محللون أن الإشكالية القائمة بمجلس الدولة لم تكن يوماً قانونية؛ بل سياسية يقف وراءها الخلاف بين المشري والدبيبة حول تشكيل حكومة جديدة يرفضها الثاني، وهو الصراع الذي سيعرقل نشاط مجلس النواب في تحريك العملية السياسية والتوافق على القوانين الانتخابية والدستور مع مجلس الدولة المنقسم، انطلاقاً مما ينص عليه اتفاق الصخيرات.
في الأثناء عقدت جولة ثانية من المشاورات بين وفد حكومي تركي زار مصر لبحث الحالة الليبية؛ حيث اتفق الجانبان على ضرورة الإسراع بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في ليبيا لحل الأزمة السياسية.
بدوره، بحث سفير الاتحاد الأوروبي نيكولا أورلاندو في تونس مع سفير الإمارات محمد الشامسي الوضع السياسي والأمني في ليبيا، وجددا التزامهما بتوحيد المؤسسات الليبية من خلال الانتخابات الوطنية، وطالبا باتفاق شامل بشأن التوزيع العادل والشفاف للموارد الوطنية.
تعليقات