شكَّل تبادل الإفراج عن السفير الأردني لدى ليبيا فواز العيطان بالسجين الليبي محمد الدرسي سابقة خطيرة وبداية الرضوخ للإرهابيّين في المنطقة. وحاول وزير الخارجية ناصر جودة التملص من وجود صفقة للإفراج عن العيطان، قائلاً في مؤتمر صحفي عقده يوم الثلاثاء بعمان: "إن تسليم الدرسي لليبيا تم وفقًا لطلب تقدم به رئيس الحكومة الموقتة السابق علي زيدان، وكل ما فعله الأردن أنه سارع في تنفيذ الطلب، كما اضطر الأردن لاعتماد اتفاقية الرياض التي وقعت عليها معظم الدول العربية لتسليم الدرسي".
ورغم أن الدرسي سُلم إلى ليبيا من أجل أن يقضي بقية محكوميته في بلاده، إلا أن ذلك لم يحدث على الإطلاق، إذ وصل طرابلس على نفس الطائرة الخاصة التي أقلت السفير الأردني إلى عمان، ولم تستلمه الشرطة القضائية، وإنما تسلمه شقيقه أحمد الدرسي، الذي طار به على الفور إلى بنغازي. وصرح الدرسي بأن شقيقه حر طليق، وأنه يقيم بمنزل العائلة في بنغازي وليس في السجون الليبية.
ليس الدرسي شخصًا بريئًا أو يشتبه في براءته مثل عبدالباسط المقرحي، الذي أفرجت عنه بريطانيا بناءً على تقرير طبي يؤكّد أنه سيموت بعد ثلاثة أشهر، بسبب إصابته بسرطان البروستاتا في مراحله الأخيرة، ومع ذلك عاش أضعاف تلك المدة، وشهد سقوط نظام القذافي وأسر سيف القذافي الذي اصطحبه في طائرة خاصة من اسكتلندا. الدرسي إرهابي تورط في محاولة تفجير مطار الملكة عالية في الأردن وحاول الفرار إلى العراق للانضمام لتنظيم القاعدة، وعندما نطق القاضي بالحكم العام 2007 صرخ الدرسي بأن تنظيم القاعدة سينتقم له.
صحيح أن الأردن لم يجرِ مفاوضات مباشرة مع خاطفي العيطان، لكنّه اعتمد على اتفاقية لتبادل السجناء، وكأنه ساوى بين سفيره المختطف، والسجين محمد الدرسي، وبالتأكيد فإن الضغوط الداخلية هي التي أجبرت الأردن على القبول بهذا الخيار؛ إذ ينتمي فواز العيطان لعشيرة كبيرة تعد بمئات الآلاف، وثمة من يقدر عدد أبناء عشيرة بني حسن بمليون شخص، وهي عشيرة موالية للعرش الهاشمي منذ تأسيس المملكة الأردنية، ويتقلد أغلب أبناؤها مناصب كبيرة ومؤثرة في الدولة، وكان زعيم العشيرة وشقيق فواز العيطان قد ضغط على الحكومة بشدة خلال محنة شقيقه، وكل تلك العوامل تأخذها الحكومة الأردنية بعين الاعتبار، فإذا فرطت في الإفراج عن العيطان فإنها تستعدي ربع الشعب الأردني، وتغضب أحد أركان العرش الهاشمي، لذلك كان لا بد من قبول الصفقة على عكس الدبلوماسيّين التونسيّين اللذين لا يزالان مختطفين، إذ لا عشيرة كبيرة تقف وراءهما، وتجبر الدولة التونسية على عقد صفقة مع الخاطفين الذين يطالبون بالإفراج عن ليبيين أدانتهم المحاكم التونسية بممارسة الإرهاب، وقبض عليهم وهم يطلقون النار على الجيش التونسي داخل أراضيه.
ولا يزال الغموض يحيط بعملية اختطاف السفير الأردني في طرابلس، والتي تشير العديد من المصادر إلى أن الخاطفين أقرباء لمحمد الدرسي، وثمة من يتهم قائد الدروع في بنغازي وسام بن حميد بالتورط في خطف العيطان، وبالتأكيد هؤلاء جميعًا لا يستطيعون القيام بعملية الخطف في قلب طرابلس، لأن قواعدهم في بنغازي ولابد أنهم تلقوا مساعدة من مسلحين يقيمون في طرابلس أو حولها، وهو ما يؤكد أن الجماعات المسلحة والمتشددة تمكنت من التنسيق بينها بسرعة كبيرة، بينما لا تستطيع أجهزة الدولة الليبية مجاراتهم في هذا التنسيق.
ستزداد عمليات خطف الدبلوماسيّين في طرابلس إذا لم تُتخذ إجراءات مشددة لحمايتهم، وسيكون دبلوماسيو الدول التي لديها سجناء ليبيين أكثر عرضة للاختطاف، وفي مقدمتهم دبلوماسيي العراق الذي يمتلك عددًا كبيرًا من السجناء الليبيين، وقد يطور الخاطفون مطالبهم لتتحول الفدية إلى أهم المطالب، مثلما فعل أبو سياف في الفلبين. وإذا حدث اختطاف جديد لدبلوماسيين في طرابلس، فستعيد الدول التي لديها بعثات دبلوماسية في ليبيا النظر في بقاء تلك البعثات، وسنرى هل سيعيد الأردن سفيره إلى ليبيا أم سيترك السفارة دون سفير؟
تعليقات