قالت جريدة «فاينانشيال تايمز» البريطانية إن التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران يهدد بإلقاء ظلاله على الولاية الثانية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وسط مخاوف من ارتفاع كلفة الحرب اقتصاديا وسياسيا، وشكوك حول قدرة ترامب على مواجهة تلك التكلفة أمام الناخبين الأميركيين.
وقد شهدت الأيام الأخيرة عودة الرئيس ترامب إلى سياسة التصعيد العسكري ضد إيران، في خطوة تثير تساؤلات حول قدرة واشنطن على تحقيق أهداف واضحة من الحرب، وسط مخاوف من أن يتحول الصراع إلى أزمة طويلة تطغى على ولايته الثانية.
وقد أشاد ترامب، الشهر الماضي، بتمديد وقف إطلاق النار مع إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز، داعيا السفن العالمية إلى استئناف المرور عبر الممر البحري، ومطالبا بعودة تدفق النفط.
ترامب يصل إلى نهاية الطريق
لكن الرئيس الأميركي عاد هذا الأسبوع إلى الترويج للضربات العسكرية ضد إيران، مؤكدا أن الجيش الأميركي «يلحق أضرارا كبيرة» بها، في مواجهة قد تستمر لأشهر أو سنوات، وفقا لتقديرات خبراء نقلتها «فاينانشيال تايمز».
- «إرنا»: ضربات أميركية على 3 مواقع في بوشهر الإيرانية
- البحرين تعلن التصدي لهجمات إيرانية
وقال الخبير الاستراتيجي الجمهوري، رون بونجيان، إن ترامب «وصل إلى نهاية الطريق» بشأن إيران، مضيفا: «الواقع بدأ يفرض نفسه، وحل النزاع قد يستغرق أشهرا أو سنوات».
ويراهن ترامب على إمكان إجبار إيران على الخضوع عبر القوة العسكرية، على الرغم من عدم نجاح هذا النهج في تحقيق أهدافه خلال المرحلة السابقة من الصراع، ما يثير احتمال استمرار حرب غير شعبية داخليا، على عكس تعهده بأن تكون المواجهة قصيرة وناجحة بشكل كبير.
ضربات أميركية متواصلة
أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» أنها نفذت موجة جديدة من الضربات، هي السابعة منذ بدء التصعيد، استهدفت عشرات الأهداف العسكرية قرب مضيق هرمز والمناطق الساحلية الإيرانية، بما في ذلك مواقع للصواريخ والطائرات المسيرة، وقدرات بحرية وأنظمة دفاع ساحلية إيرانية.
لكن خبيرة استراتيجية الدفاع في مركز الأمن الأميركي الجديد بواشنطن، بيكا فاسر، شككت في جدوى استمرار الضربات الجوية، قائلة إن من الصعب رؤية ما الذي يمكن أن تحققه هذه العمليات للولايات المتحدة.
وأضافت: «سياسة التصعيد بهدف خفض التصعيد لم تثبت نجاحها في السابق»، مشيرة إلى أن «الضغط الاقتصادي على إيران يمثل استراتيجية طويلة الأمد، لكنها لم تحقق حتى الآن النتائج التي يريدها ترامب».
تراجع عن رسوم مضيق هرمز
في محاولة لتعزيز السيطرة الأميركية على مضيق هرمز، اقترح ترامب فرض رسوم بـ20% على السفن التي تستخدم الممر البحري، بهدف تعويض الولايات المتحدة عن تكاليف توفير الأمن.
لكنه تراجع عن الخطة بعد يوم واحد فقط إثر اعتراضات من حلفاء خليجيين، ومخاوف في الأسواق وقطاع الأعمال من أن تؤدي الخطوة إلى زيادة تكاليف الطاقة، وهو ما اعتبره ديمقراطيون «دليلا على غياب استراتيجية واضحة لدى الإدارة الأميركية».
وقال النائب الديمقراطي عن ولاية كولورادو، جيسون كرو: «ترامب ليست لديه استراتيجية، وإنما يتخذ القرارات بشكل ارتجالي»، مضيفا: «الأميركيون سيدفعون المزيد مقابل الوقود والسلع».
مخاطر التصعيد العسكري
يخشى مسؤولون عسكريون سابقون أن تؤدي عودة الضربات إلى دوامة تصعيد في حال واصلت إيران الرد عبر استهداف القوات والمصالح الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.
كما قد تؤدي العمليات العسكرية المستمرة إلى استنزاف مخزون صواريخ الدفاع الجوي، وزيادة الضغط على المعدات العسكرية، وتأخير قدرة الجيش الأميركي على نقل الموارد، والتركيز على مناطق أخرى من العالم.
وقالت الجنرالة المتقاعدة في الجيش الأميركي المديرة السابقة للاستخبارات في القيادة المركزية، كارين غيبسون، إن الضربات الجوية الدقيقة تتطلب موارد استخباراتية وعسكرية كبيرة، وقد تؤثر على قدرة الولايات المتحدة على مراقبة مناطق أخرى.
تغير أهداف الحرب
في سياق متصل، يرى مسؤولون سابقون في وزارة الدفاع الأميركية أن الحرب تحولت عن أهدافها الأصلية، إذ أصبحت تركز بشكل أساسي على إعادة فتح مضيق هرمز بدلا من الملفات التي كانت واشنطن تطرحها عند بدء المواجهة، مثل البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ البالستية، ودور طهران في دعم الجماعات المسلحة بالمنطقة.
وقالت المديرة السابقة لشؤون الخليج وشبه الجزيرة العربية في مكتب وزير الحرب الأميركي، إليزابيث دنت: «الصراع أصبح الآن مرتبطا بمضيق هرمز أكثر من القضايا التي بدأنا الحرب بسببها. لم نعد نتحدث عن تلك الملفات».
ضغوط سياسية داخلية
لكن على الرغم من بعض الدعم الذي حظى به التصعيد الأخير من قِبل بعض الجمهوريين المتشددين الذين اعتبروا اتفاق وقف إطلاق النار السابق متساهلا مع طهران، فإن عددا آخر من الجمهوريين بدأ يشعر بالقلق، خصوصا النواب الذين يخوضون سباقات صعبة في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
وقال السيناتور الجمهوري توم كوتون: «ترامب محِق في فرض تكاليف كبيرة على النظام الإيراني بسبب خرقه الاتفاق»، مؤكدا ضرورة عدم التسامح مع الهجمات الإيرانية على دول الجوار والملاحة في المضيق.
من جهتها، حملت الناطق باسم البيت الأبيض، أوليفيا ويلز، إيران مسؤولية التصعيد، وقالت إن الولايات المتحدة توصلت إلى اتفاق مع طهران، التي اختارت «العنف بدلا من السلام»، مؤكدة أن ترامب يحتفظ بكل الخيارات المتاحة للدفاع عن المصالح الأميركية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات