ناقش تقرير نشرته مجلة «ذا كونفيرسيشن» البريطانية إمكانية تحول دول منطقة الساحل وغرب أفريقيا إلى «دول جهادية»، مشيرا إلى انهيار الحكم الديمقراطي بعد سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول المنطقة، وانفلات الوضع الأمني، وهو وضع يعزز قوة التنظيمات «الجهادية»، ولا سيما تنظيم «القاعدة» و«داعش».
وبرزت منطقة الساحل في أفريقيا، وهي المنطقة الواقعة بين الصحراء الكبرى والسافانا الاستوائية إلى الجنوب، كقاعدة مهمة للمجموعات التي تريد إقامة دول «جهادية». وتنشط تلك المجموعات بشكل أساسي في بوركينا فاسو ومالي والنيجر ونيجيريا وتشاد، وتتوق إلى الامتداد لباقي دول منطقة الساحل.
ورصد التقرير، المنشور أمس الإثنين، نموا في نفوذ المجموعات «الجهادية» ونموذجها العملي في منطقة غرب أفريقيا، وزيادة بنسبة تصل إلى 190% في أعداد الضحايا جراء الإرهاب في دول المنطقة خلال العام 2024 مقارنة بالعام 2021، وهو ما يعكس توسع واضح لأجندة هذه التنظيمات المتطرفة في المنطقة.
عوامل تغذي نشاط الجماعات المتطرفة
لفت تقرير المجلة، المعنية بتحليل مناطق الصراع حول العالم، إلى وجود عدد من العوامل تسهم في تغذية أنشطة «المجموعات الجهادية» بدول الساحل وغرب أفريقيا، وربما تدعم إنشاء «دولة جهادية» في المنطقة، أبرزها انهيار الحكومات الديمقراطية جراء سلسلة من الانقلابات العسكرية.
ومثلت الانقلابات العسكرية في دول عدة، مثل مالي والنيجر وتشاد، انتكاسة لجهود مكافحة الإرهاب التي قادتها الحكومات المنتخبة في تلك الدول.
هذا بالإضافة إلى الفقر المتفشي في دول المنطقة، والانفجار السكاني، والحدود الشاسعة غير المؤمنة، وهي حدود سمحت بانتعاش أنشطة تهريب الأسلحة، والاتصال مع الجماعات «الجهادية» عبر الحدود.
- «فاينانشيال تايمز»: المجالس العسكرية تفشل في احتواء التطرف بمنطقة الساحل
- روسيا تقرر خوض مواجهة مباشرة مع الغرب في أفريقيا.. كيف تتأثر ليبيا؟
- تقرير خاص - مرتزقة سوريون في النيجر: حياة الخيام تدفعنا للقتال في إفريقيا
تفشي الفقر في غرب أفريقيا
المجلة البريطانية ركزت في تقريرها أيضا على تفشي الفقر المقدع في بلدان منطقة الساحل وغرب أفريقيا، معتبرة أنه أحد المحركات الرئيسية وراء انتعاش الحركات «الجهادية» في المنطقة.
ولفتت إلى أن الفقر أكثر انتشارا في منطقة الساحل مقارنة بأي منطقة أخرى في أفريقيا، حيث يعيش 80% من السكان على أقل من دولارين في اليوم. كما أن المنطقة صاحبة أسرع معدل للزيادة السكانية في العالم، وغالبيتهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 – 19 عاما.
ويفوق هذا المعدل من النمو السكاني التقدم الاقتصادي بشكل كبير، مما يؤدي إلى تراجع مستويات المعيشة. كما أن هذا الفارق يعزز الظروف التي تدفع الشباب إلى صفوف التنظيمات «الجهادية».
انتشار الإرهاب
لفت التقرير إلى تصعيد في حركات التمرد التي تقودها تنظيمات «جهادية» في منطقة غرب أفريقيا، مشيرا بشكل رئيسي إلى حركة تمرد تقودها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، التابعة لتنظيم «القاعدة»، وتورط تنظيم «داعش» بالمنطقة.
وأظهرت بيانات «مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها» زيادة مخيفة في عدد الوفيات جراء الصراع في بوركينا فاسو ومالي والنيجر خلال النصف الأول من العام 2024، بلغت 190%، مقارنة بالعام 2021.
وفي حين لم تتحول بوركينا فاسو ومالي والنيجر إلى منصة للجماعات «الجهادية» بعد، فإن مؤشر الهجمات الإرهابية يتجه بشكل سريع إلى شمال توجو وبنين وغانا.
ولفت التقرير إلى ارتفاع عدد الحوادث العنيفة في نطاق 50 كم من حدود تلك البلدان المجاورة لمنطقة الساحل، ليتجاوز الآن 450 حادثة يجرى الإبلاغ عنها سنويا، وهو ما يعكس توسع واضح للأجندة «الجهادية» في منطقة غرب أفريقيا والساحل.
كما أن الحدود الشاسعة غير المنضبطة تمكن من تداول الأسلحة والذخيرة بشكل غير قانوني، وهو ما يعزز الجماعات «الجهادية». وقد أسهمت الانقلابات العسكرية بمالي والنيجر وبوركينا فاسو في وقف جهود تنسيق مبادرات مكافحة الإرهاب عبر الحدود، وأدت إلى تراجع سلطة الدولة.
ويعتقد أن أكثر من خمسة آلاف مقاتل ينخرطون في صفوف الجماعات «الجهادية» النشطة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المنطقة
أمام هذا الواقع الخطر، وضعت المجلة البريطانية ثلاثة سيناريوهات لما يمكن أن يؤول إليه مستقبل المنطقة.
أول تلك السيناريوهات ينطوي على تمسك المجالس العسكرية بالسلطة. وهنا حذر التقرير من أن بقاء المجالس العسكرية فترة أطول يعقد الوضع الأمني، لأن تركيز هؤلاء على حماية النخبة العسكرية من شأنه زيادة التهميش السياسي والانقسامات الداخلية، مما يعزز أنشطة الجماعات «الجهادية».
السيناريو الثاني هو تحول منطقة الساحل وغرب أفريقيا إلى منصة عالمية لدولة على غرار «داعش». واستشهد التقرير بتحذير الأمين العام للأمم المتحدة في العام 2022 من أن «غياب أي تحرك دولي يعني انتقال تداعيات الإرهاب والحركات (الجهادية) والجريمة المنظمة إلى أبعد من منطقة الساحل والقارة الأفريقية».
أما السيناريو الأكثر تفاؤلا، لكنه الأقل ترجيحا، فينطوي على قدرة دول المنطقة على استغلال مواردها الطبيعية والبشرية الغنية لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، وتدعيم البنية التحتية، وتوفير الخدمات، وبالتالي كبح نشاط تلك الجماعات المتطرفة.
تعليقات