كشفت الحرب الدائرة مع إيران هشاشة أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، بعدما أعادت إغلاق مضيق هرمز إلى الواجهة بوصفه نقطة اختناق رئيسية لسوق النفط العالمية، في الوقت الذي اتجهت فيه بعض دول الخليج إلى التفكير جديا في بدائل أخرى، لتقليل الاعتماد على هذا الممر الحيوي.
ويمر عبر المضيق عادة نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، ما يجعله من أكثر الممرات الاستراتيجية حساسية. لكن اندلاع الحرب، في أواخر فبراير، دفع طهران إلى تنفيذ تهديداتها السابقة بإغلاقه، الأمر الذي أدى إلى تعطيل مئات ناقلات النفط والغاز، وإرباك الأسواق الدولية.
سباق خليجي لبناء بدائل
بحسب تقرير نشرته إذاعة «دويتشه فيلة» الألمانية، الإثنين، أعاد التصعيد الحالي إحياء مشاريع قديمة تهدف إلى تجاوز المضيق، بينها مشروع بالمملكة العربية السعودية لإنشاء خط الأنابيب الشرقي – الغربي، الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما دشنت الإمارات خط «حبشان – الفجيرة»، الذي ينقل الخام إلى بحر عمان بعيدا عن هرمز.
- خسائر تتجاوز الحرب.. صناعة النفط في الخليج تحتاج سنوات للتعافي
- الألغام في هرمز.. تهديد صامت لتجارة النفط قد يستمر 4 أشهر
وتدرس الرياض وأبوظبي حاليا خطوطا جديدة موازية، وتوسعة موانئ التصدير البديلة، بهدف حماية صادراتهما النفطية مستقبلا، وتقليل المخاطر الجيوسياسية.
ويعمل العراق أيضا على تسريع خطط لإنشاء خطوط تصدير غربا نحو تركيا أو الأردن، بما في ذلك مشروع يمتد لاحقا إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر، بطاقة قد تصل إلى ثلاثة ملايين برميل يوميا على مراحل.
إلى ذلك، دعا نائب مدير مركز الطاقة العالمي في المجلس الأطلسي، لاندون ديرينتز، الإدارة الأميركية إلى دعم مثل تلك المشاريع تقليل أي مخاطر تهدد إمدادات الطاقة العالمية.
وقال: «بدلا من إجبار السفن على عبور مضيق هرمز، يمكن للولايات المتحدة وحلفائها بناء مشاريع للالتفاف من حوله. أثبتت السعودية بالفعل أن البنية التحتية التي تتجاوز المضيق يمكن أن تخفف بعض الضغط».
الطاقة الحالية لا تكفي
لكن على الرغم من أهمية هذه البدائل، فإنها لا تزال أقل من حجم الاعتماد الحالي على المضيق. فخط الأنابيب السعودي، الذي يمر عبر مسافة 1200 كم، يعمل بطاقة تقارب سبعة ملايين برميل يوميا، وينقل الخط الإماراتي نحو 1.8 مليون برميل يوميا، بينما كان يمر عبر هرمز قبل الأزمة نحو 15 مليون برميل يوميا من الخام.
يعني ذلك، بحسب خبراء، أن دول الخليج تحتاج إلى مضاعفة طاقتها البديلة تقريبًا إذا أرادت الاستغناء الحقيقي عن المضيق.
في هذا السياق، قال المدير التنفيذي لشركة «قمر إنرجي» للاستشارات في دبي، روبن ميلز: «على الرغم من الحماية التي قد توفرها تلك البنية التحتية لأسواق الطاقة العالمية، فإن حجم التحدي أكبر. قبل العام، كانت تعبر 15 ملايين برميل عبر مضيق هرمز. علينا مضاعفة قدرة البنية التحتية البديلة لتحقيق هذا الهدف».
وأشار ميلز في الوقت نفسه إلى أن بعض الدول لا تملك خيار بناء بنية تحتية بديلة على غرار السعودية أو الإمارات، وقال: «الكويت والبحرين وقطر تواجه مشاكل جغرافية أكبر، ولا تملك بدائل ساحلية، وتعتمد صادراتها بشكل كامل تقريبا على هرمز».
وأوضح: «سيتعين عليهم على الأرجح التحول للمرور عبر السعودية أو إيران نفسها، مما يعني خطوط أنابيب أطول، ومفاوضات سياسية معقدة، وسيستغرق الأمر ما يصل إلى خمسة سنوات أو أكثر».
وتضغط بعض المنظمات الدولية أيضا لإيجاد حلول إقليمية أوسع نطاقا، في إطار مساعي خفض التصعيد، حيث تدعم الوكالة الدولية للطاقة إنشاء خط أنابيب عملاق من العراق إلى ميناء جيهان التركي المطل على البحر المتوسط.
النقل البري والسكك الحديدية
إلى جانب النفط، تتحرك دول الخليج لتطوير شبكات السكك الحديدية والطرق البرية من أجل نقل البضائع، وتقليل الاعتماد على الموانئ المعرضة للخطر. ويعد مشروع سكة حديد مجلس التعاون الخليجي، بطول 2100 كيلومتر، أحد أبرز هذه المشاريع، والمستهدف إنجازه بحلول العام 2030.
كما عززت شبكة السكك الحديدية في الإمارات خدمات الشحن خلال الحرب، لنقل البضائع والخاويات بعيدا عن الموانئ الخليجية المستهدفة صوب منافذ شرقية أكثر أمانا. كما زادت السعودية من سعة شبكة السكك الحديدية لديها، وأطلقت خطوط شحن جديدة للبضائع العالقة.
نقطة تحول تاريخية
يرى تقرير «دويتشه فيله» أن الأزمة الحالية قد تمثل نقطة تحول تاريخية. فالمضيق سيظل مهما سنوات، لكن قدرته على احتكار صادرات الطاقة الخليجية قد تتراجع تدريجيًا إذا نجحت مشاريع الأنابيب والموانئ البديلة.
وخلص إلى أن دول الخليج تمتلك المال اللازم لتنفيذ هذه الخطط، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في الإرادة السياسية، وتجاوز الخلافات الإقليمية. فإذا تحقق ذلك، فقد تكون الحرب الحالية بداية نهاية القبضة الاستراتيجية لمضيق هرمز على أسواق الطاقة العالمية.
تعليقات