نجح فريق عالمي من الباحثين والعلماء من جامعات أوروبية وأميركية في فك رموز نص كامل للفافة أثرية متفحمة ومغلقة، نجت من الثوران المدمر لبركان جبل «فيزوف» العام 79 ميلادية، دون الحاجة لفتحها ميكانيكياً أو المخاطرة بتحويلها إلى غبار، وذلك بالاعتماد على تقنيات الذكاء الصناعي والتعلم الآلي المتطورة، وكشفت اللفافة القديمة، التي حُفظت لقرون تحت الرماد، عن رسالة فلسفية تعنى بالأخلاق، والطبيعة البشرية، والتقدم الأخلاقي، والسلوك البشري.
وتعود اللفافة، المعروفة علمياً باسم (PHerc. 1667)، إلى مكتبة فريدة من المخطوطات المتفحمة التي اكتُشفت لأول مرة في خمسينيات القرن الثامن عشر داخل بلدة «هيركولانيوم» الرومانية القديمة، حيث أسفرت الحفريات حينها عن استخراج نحو 1800 قطعة بردي تحت أنقاض إحدى الفيلات الفاخرة، لتشكل المكتبة الكاملة الوحيدة الباقية من العالم اليوناني والروماني القديم. وعلى الرغم من الحفاظ الجسدي على هذه القطع، إلا أنها ظلت عصية على القراءة الفكرية نظراً لهشاشتها الشديدة التي منعت العلماء من فتحها طوال 270 عاماً، وفقا لـ«يورينوز».
وجاء التحول الكبير بفضل مسابقة «فيزوفيوس تشالنج» (Vesuvio Challenge) التي انطلقت العام 2023، محولة اللغز التاريخي إلى تحدٍ عالمي عبر توظيف الرؤية الحاسوبية والتعلم الآلي لإبراز آثار الحبر.
استعادة النص الكامل
كما تمكن العلماء من تصوير اللفافة بأشعة سينية عالية الدقة، وإعادة بناء الورق الملفوف داخلياً وتسويته في شكل سطح رقمي مقروء. وعلى الرغم من أن محاولات الفتح التقليدية السابقة كانت قد ألحقت أضراراً بالبردي ولم تُبقِ سوى ثمانية سنتيمترات من ارتفاعها الأصلي، فإن التقنية الجديدة استعادت النص الكامل من الجزء المتبقي.
- أدلة جديدة على إعادة احتلال بومبي بعد بركان فيزوف المدمر
- معرض «بومبيي» يستعيد افتراضيا كارثة المدينة الإيطالية
تذكر اللفافة المستعادة شخصية أرسطوقرون، وهو ابن أخت وتلميذ الفيلسوف الرواقي كريسيبوس، وتُرجّح الإحالات اللغوية والموضوعية في النص تأريخه إلى القرن الثاني قبل الميلاد.
وأوضح برنت سيلز، الشريك المؤسس لمسابقة «فيزوفيوس تشالنج»، أن هذا الإنجاز يمثل ثمرة سنوات من العمل البيني الممتد بين التصوير المتقدم والذكاء الصناعي، مؤكداً: «اليوم نسمع أصواتاً ظلّت صامتة طوال 2000 عام، وللمرة الأولى نحن لا نقرؤها فحسب، بل نبدأ في فهمها».
يذكر أن هذا الجهد العلمي أفضى أيضاً إلى التعرف على كتاب جديد للفيلسوف الأبيقوري «فيلوديموس» استناداً إلى لفافة أخرى، في وقت لا تزال فيه مئات اللفائف البركانية المختومة تنتظر دورها التكنولوجي لتبوح بأسرارها الفلسفية.
تعليقات