لا نرى في رسومات الإنسان الليبي القديم الموثقة على واجهات الصخور وفجوات الكهوف في فزان والعوينات مجرد حالات تفريغ لمزاج راع يسرح بأبقاره أو مظلة تنفيس داخل مغارته في ليلة شتوية طويلة، بل جدارية نفيسة من فنون صاغها خيال خصب نحت بقوة في بطون وسفوح الجبال القاسية وعبر عن موهبته في فرادة لونية وخطوط قوية وتفاصيل مدهشة لأجسام الحيوانات المفترسة والعاشبة، وذاكرة تصور أسلوب القنص والمطاردة لتلك الحيوانات وكذلك مهارته في صنع أدواته للتكيف مع الطبيعة، أمكننا من ذلك التعرف على بعض ملامح حضارة ضاربة في عمق التاريخ وفهم جزء من طقوس الحياة في شكلها العام.
في مجاهل ذلك الزمن السحيق اختبأ داخل تلك الرسومات بوديان وادي الحياة «وادي الآجال» ووادي الشاطئ وتخوم مرزق وجبال العوينات وأكاكوس سؤال حياة أخرى متصورة حاول الإنسان الليبي القديم فهمها بحسب معتقداته وخاصة فيما عرف بمرحلة الصيد ومرحلة الرعي في طورها الأول حيث طغت رموز لطقوس سحرية دينية، كما يظهر في فضاء المتحف الأنثروبولوجي لوحات تجسد صور رجال برؤوس خنازير وفي منطقة ما تنخندوش عثر على رسوم لرجل برأس حمار وما أطلق عليه ناحية إقليم طرابلس شياطين جبل غنيمة، إضافة لصور أبقار وشياه برؤوس مغطاة بعلامة رمزية.
الحديث عن الكاريكاتير الليبي يتجلى هنا السؤال إلى أي مدى يمكننا ربط الماضي بالحاضر؟ وكيف يمكن النظر إلى ما وثقه الإنسان في العوينات وفزان مقارنة بالخط الكاريكاتيري المعاصر؟ هل نذهب للماضي وفق معطيات تربط القديم بالجديد أم نتجه مدفوعين تحت إلحاح رغبة داخلية ورومانسية تاريخية لا تؤهلها للصمود أمام قرائن الواقع؟.
- خبراء يحذرون من مخاطر أمنية خلف الرسوم الكاريكاتيرية التي ينتجها الذكاء الصناعي
- برسم عن غزة.. الهولندي روياردز يفوز بجائزة الكاريكاتير الأوروبية 2025 وحضور لافت للأردني عماد حجاج
إن حاجة إنسان الأكاكوس إلى النقش الغرائبي قد لا نجد لها سردية واحدة كمبرر لكنها حتما تخضع لمنطق القصدية أو رغبته في رسم هكذا ملامح تلبي رغبة ما دفينة في عقله وفكره وتمثل حالة من حالات السؤال العابر والتعبير النفسي عن واقع ما يريده أو يرفضه أو يحاول الاقتراب منه، وبذا يمكننا اعتبارها ومضة من ومضات الفن الساخر تجلت بشكل عفوي في مخيلة إنسان الكهف وبقيت مسجاة على المصاطب الصخرية وملتصقة بتجاويفها.
الصحافة وسؤال الفجوة
يرجع تاريخ الصحافة الليبية إلى سنة 1866 وهو ميلاد صحيفة طرابلس الغرب، لكن لا نجد معلومة دقيقة تؤرخ لظهور فن الزنكغراف كعنصر مهم لوجود الكاريكاتير في الجريدة، إلا أنه مع صدور الدستور العثماني الذي منح الكثير من الامتيازات صدرت مجموعة من الصحف الخاصة منها «الكشاف» سنة 1908 وتميزت بوجود الصور ما يعني وجود ورش الزنكغراف بين الفترة 1866 أو بعدها بقليل حتى تاريخ صدور (الكشاف)، ويبقى الحديث عن غياب الكاريكاتير حتى أواخر الأربعينيات مرجعه أسباب عدة منها طبيعة وتكوين الشخصية الليبية التي لا تأنس إلى الفكاهة بقدر ما تميل إلى الصرامة.
كما أن النسق التربوي لا يعطي المجال لخوض تجربة الرسم العادي باعتباره موهبة غير مرحب بها فما بالك بالكاريكاتير الذي يعد أقصى درجات التطرف الفني وخارجا عن سياق المنظومة الأسرية التي تعتمد الدروس الدينية رأس الهرم في أولويات السلطة الأبوية، وهي تنافي طابع العادات والتقاليد التي تعتبر الصور المشوهة منافيا لأدبيات الناموس المجتمعي، إضافة إلى أن الاحتلال الإيطالي فرض صحفه الخاصة المعبرة عن أهدافه واستراتيجيته، عدا أن منجله الفاشي لم يسمح بظهور أي شكل من أشكال الحياة المدنية المؤهلة لبزوغ أنشطة نقابية وثقافية.
مع دخول ليبيا في قبضة الانتداب البريطاني (1942-1951) تبنت إدارته منح هامش من الحرية النسبية تأسست على أرضيتها بعض ملامح الحياة المدنية مثل الجمعيات والأندية الرياضية وولادة فرق مسرحية إضافة إلى مجلات وصحف أبرزها «طرابلس الغرب» التي عاودت الصدور العام 1943 بعد توقفها في سبتمبر 1911. ولأن الكاريكاتير كان حاضرا في بعض مواهب جيل النصف الأول من القرن الماضي وماثلا في وعي ممارسي مهنة الصحافة، قاد ذلك الدكتور مصطفى العجيلي ضمن سياق الانتعاش الثقافي لمفاتحة صديقه الفنان والدبلوماسي الباحث الراحل فؤاد الكعبازي (عن رغبته في إصدار صحيفة تجمع بين الرسم والمقالة، وكانت (المرآة) الصادرة في العام 1946 أولى خطوات الرسم الساخر في مسيرة المشهد الصحفي الليبي.
المراجع:
ـ كتاب «تادرارت أكاكوس.. الفن الصخري وثقافات الصحراء قبل التاريخ»، تأليف فيبريتشو موري وترجمة عمر الباروني وفؤاد الكعبازي.
-كتاب «دليل الفن الصخري في الصحراء الليبية» تأليف باول جراتتيسيوسي، وترجمة الدكتور إبراهيم المهدوي.
- كتاب «تاريخ الرسم الساخر في ليبيا»، تأليف علي محمد الأصفر.
تعليقات