في سياقٍ يتزايد فيه الجدل حول موقع الفن التشكيلي الليبي داخل معادلات القيمة والتسعير، يبرز اسم الفنان التشكيلي الليبي صلاح محمد الشاردة كأحد الأصوات التي تسعى إلى تفكيك هذا الالتباس عبر مقاربة فكرية تتجاوز سطح الظاهرة إلى جذورها البنيوية. الشاردة، الذي ينشغل في تجربته الفنية والبحثية بأسئلة العلاقة بين العمل الفني وسياقه، نشر أخيرًا مقالًا ضمن سلسلته «خرائط الظل في التشكيل الليبي» بعنوان «سوق اللوحة: من يحدد السعر؟»، حيث يفتح فيه ملفًا شائكًا يتعلق بغياب المعايير، وتداخل القيمة الفنية مع ما يسميه «العلاقات الخفية».
من هذه الزاوية، كان لـ«بوابة الوسط» الحوار التالي مع الشاردة لفتح أفق أعمق لفهم هذه الإشكالية، ليس بوصفها أزمة سعر؛ بل بوصفها أزمة سرد ومعنى ومنظومة. حوار يحاول أن يجيب عن سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره: «كم تساوي هذه اللوحة؟» لكنه في جوهره يقود إلى سؤال أكثر تعقيدًا: «على ماذا نقيس القيمة أصلًا؟».
كيف يمكن تأطير أزمة تسعير اللوحة في المشهد التشكيلي الليبي ضمن نظريات اقتصاد الفن؟
بساطة، نحن لا نبيع لوحة فقط، بل نبيع (قصة غير مكتملة). في اقتصاد الفن، السعر هو خلاصة مسار.. «تجربة مع عرض، مع نقد، مع ذاكرة»، عندنا في الوطن العربي، وليبيا خاصة، المسار مقطوع، فتطفو اللوحة كجسم بلا تاريخ، فيرتبك السعر، التأطير الصحيح يقول: الأزمة ليست في اللوحة، بل في السرد الذي لم يكتب حولها بعد.
هل نحن أمام خلل بنيوي في السوق، أم غياب كامل لمنظومة «اقتصاد ثقافي»؟
نحن أمام بيت بلا أعمدة. ليس خللا في جدار، بل غياب البيت نفسه. لا سوق حقيقية دون وسطاء، ولا نقاد، وذاكرة. ما يحدث الآن هو «تبادل فردي» لا (سوق فنية). والخبر الجيد: ما لم يبن بعد، يمكن بناؤه من الصفر بشكل أنقى.
إلى أي مدى يمكن اعتبار «العلاقات غير المرئية» رأس مال اجتماعي؟
إلى مدى كبير جدا. . في ليبيا، العلاقات ليست عاملا مساعدا، بل هي السوق نفسه. هي العملة الخفية التي تفتح الأبواب وتحدد السعر. لكنها تظل قوة خام، جميلة في أصلها، وخطرة حين تترك بلا ميزان.
وهل يمكن تنظيم هذا العمل بدلا من فوضويته؟
نعم بتحويل العلاقة من «معرفة شخصية» إلى «ثقة مهنية». عندما تعرض الأعمال في فضاءات واضحة، ويعلن تاريخها وسعرها ومسارها، تتحول العلاقة من باب خلفي إلى جسر مفتوح. لا نلغي العلاقات، بل نخرجها إلى الضوء.
في ظل غياب مؤسسات نقدية وأرشيفية، من يبني معيار التقييم الفني؟
من يملك الشجاعة يبدأ. غالبا الفنان نفسه أول من يكتب تاريخه، ثم يلحق به ناقد صادق، ثم تتشكل دائرة صغيرة تتحول لاحقا إلى مرجع. المعيار لا ينزل من السماء، بل يبنى خطوة خطوة من داخل المشهد.
هل المسؤولية على الدولة أم النقاد أم الفنانين؟
الدولة تضع السقف، النقاد يضيئون الطريق، والفنانون يملؤون المكان حياة.لكن حين يغيب السقف، لا نتوقف عن البناء. الفنان الواعي اليوم ليس منتج لوحات فقط، بل صانع مسار كامل لنفسه.
كيف توصف تحول بعض الأعمال إلى «ملفات إدارية»؟
هذه لحظة مؤلمة تتحول فيها اللوحة من «كائن حي» إلى «ورقة رسمية». تفقد روحها وتدخل درجا باردا.. نظريا، هو انتقال من قيمة جمالية إلى قيمة وظيفية، حيث تستهلك اللوحة بدل أن تعاش.
هل هذا تسييس للفن أم توظيف بيروقراطي؟
هو توظيف بيروقراطي في جوهره. اللوحة هنا لا تقول شيئا، بل تستخدم لتقول المؤسسة شيئا عن نفسها. الفن يختزل إلى ختم إداري، وهذه أخطر لحظة يفقد فيها العمل صوته.
ما الآليات العملية لربط السعر بالمسار الفني للفنان؟
ببساطة ووضوح.. لكل فنان ملف علني يضم معارضه، مشاركاته، أي نص نقدي كتب عنه، وأسعاره السابقة. السعر يجب أن «يتذكر»، لا أن يبدأ كل مرة من الصفر. ومع الوقت، يصبح لكل لوحة سياق يرفعها بثقة.
هل يمكن استنساخ نماذج عربية أو دولية ناجحة؟
من وجهة نظري الشخصية، لا تستنسخ التجارب، بل تستلهم.. نحن لا نحتاج أن نصبح نسخة من دبي التجربة الناجحة في الفن التشكيلي، أو باريس فاترينة التشكيل الغربي، بل أن نبني نموذجنا من واقعنا. نأخذ منهم النظام والالتزام، ونضيف له روحنا. الفن الذي لا يشبه بيئته ينجح موقتا فقط.
كيف يؤثر غياب «الذاكرة الفنية المؤسسية» على الذائقة العامة؟
غياب الذاكرة الفنية من مآسي الفن وخاصة التشكيلي، فقدانه يجعل الذائقة كمن يرى كل يوم لوحة للمرة الأولى في حياته. لا مقارنة، لا تراكم، لا دهشة ناضجة. الذاكرة هي ما يحول الإعجاب إلى فهم، ودونها يبقى التلقي سطحيا وعابرا.
وهل يكرس ذلك التلقي الانطباعي؟
نعم، يصبح الحكم سريعا مثل نظرة عابرة. «تعجبني أو لا تعجبني» بدل «أفهم لماذا هي مهمة».التلقي المعرفي يحتاج أرشيفا ونقدا، وإلا ظل الذوق رهين اللحظة لا يتعداها.
ما ملامح المنظومة المثالية لسوق اللوحة في ليبيا؟
ملامحها بسيطة خفيفة، لكنها ذكية: منصة توثيق، غاليري جاد، ناقد حاضر، وجمهور يتعلم ببطء. ليست مؤسسات ضخمة، بل شبكة مترابطة تعطي لكل لوحة مكانها الطبيعي في الضوء.
ما الخطوة الأولى الواقعية؟
أن يبدأ الفنان بنفسه أولاً، يوثق أعماله، يعرضها بوضوح، يكتب قصتها، ويثبت أسعاره ولا يتردد. ثم يجمع حوله دائرة صغيرة تؤمن بما يفعل. كل سوق كبيرة بدأت بخطوة صادقة من فنان قرر أن يأخذ نفسه بجدية.
تعليقات