تحت عنوان «قراءات في سيرة النور والظلام»، احتضنت قاعة القبة الفلكية الثلاثاء ندوة ثقافية، نظمتها الجمعية الليبية للأدب والفنون، باستضافة من إذاعة طرابلس المحلية. الندوة أدارها الكاتب مفتاح قناو، وشارك فيها الكتاب «منصور بوشناف، ويونس الفنادي، وفتحية الجديدي».
الكتاب استعرضوا في ورقاتهم الجوانب المعرفية والفكرية في سلسلة «النور والظلام »، الصادرة عن دار الفرجاني لمؤلفها الكاتب أحمد البخاري، بينما تحدث خلالها الناشر غسان الفرجاني عن الخلفيات التي أدت إلي ظهور هذه السلسلة ، والأفكار التي تناقشها، في محاولة لتجسير الماضي بالحاضر في قالب معرفي تعليمي، يجمع بين العمق والبساطة.
سردية إعادة الكتابة
الكاتب يونس الفنادي تناول سلسلة «سيرة النور والظلام» كنموذج لسرديات إعادة كتابة التاريخ لليافعين، لافتا إلى أن البخاري قد حقق تميزا لافتا في عمله الروائي الأول «كاشان»، ثم لاحقا في روايته الثانية «الخِضر» التي يتناص عنوانها مع شخصية دينية، ليعبر من خلالها مجددا عن سعيه لإعادة ترتيب أفكار العالم، حاملا على عاتقه هما إنسانيا يتجاوز الشأن الليبي المحدود، وكل ذلك الجهد كان منطلقا عمليا وأساسا متينا لبداية مشروعه الحالي الذي جعل شعاره «سيرة النور والظلام» وكأنه يرمز بالعتبة المتضادة إلى الحق والباطل، العدل والظلم، والجمال والقبح.
- للاطلاع على العدد «530» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وأضاف الفنادي أن هذا العمل يمثل مغامرة شخصية وتحديا كبيرا يقوم به أحمد البخاري وشريكه الفرجاني لإعادة كتابة التاريخ بفكر وعقل يستجيبان لتطوراته ومستجداته الزمنية، إيمانا بأن لكل جيل قراءته الفكرية، ولكل عصر معطياته وأدواته النقدية في التعاطي مع النص التراثي برؤية تستمد من التاريخ بعضا من بصمات وقائعه، وتعمل على تفعيل المنطق بآليات الفكر الناقد الذي يبحث ويتأمل بعمق في الأشياء وفق منظور عقلاني، ليعيد تشكيلها بهدف تصحيح تشوهات الماضي.
الغريب والاسطرلاب
في كتاب «الغريب: حكاية البيروني» تميز الأسلوب الروائي للكاتب، بحسب وجهة نظر الفنادي، بتسهيل وتيسير فهم الشخصية التاريخية، وتوطينها في ذهن وعقل الفكر اليافع. كما أنه سرب تدريجيا إسهامات البيروني المتعددة، لكي يستوعب الفكر اليافع منطقية غزارة إنتاجه وتنوعه وفق وعاء زمني قصير لا يتجاوز خمسة وسبعين سنة، عاشها حتى وفاته العام 1048. وتدور حبكة الكتاب حول حكاية البيروني وابن سينا وبعض رفاقهم في حل الأحجية التي وجدها ابن سينا في مكتبة الدولة ببخارى، لكن الطريق إلى فك لغز تلك الأحجية يتحول إلى صراع خطير بين قوى الخير والشر.
الفنادي انتقل للحديث عن كتاب «الاسطرلاب»، ووصفه بـ«السرد التتابعي الممتع» في تصوير المعارك المصيرية لتحرير العلم من ربقة الجهل والظلام، مشيرا إلى أن حبكة الكتاب تعتمد على آلة الاسطرلاب التي تعد في ذاك الزمن البعيد (القرن العاشر الميلادي) ليست مجرد آلة فلكية لتحديد الاتجاهات الأصلية الأربعة وفروعها، وخطوط سير الملاحة البحرية فحسب، بل هي أشبه بالكمبيوتر الهائل أو تطبيقات الهواتف الذكية في عصرنا الحالي، اخترعته عالمة الفلك المسلمة مريم، وطورته مع العقول الإسلامية ضمن مبتكرات علمية متقدمة أخرى، تقود ثورة فكرية ضد التنجيم وقراءة والكف وغيرها من خلال تفعيل ما ينتجه العقل الإنساني من ابتكارات مادية عصرية، فالعلم هو الاسطرلاب أو البوصلة الحقيقية والعملية التي تقود الإنسان لاكتشاف جماليات وروحانيات الكون بكل مكوناته المادية والروحانية.
عوالم الفيزياء والطب
عن كتاب «النظير: حكاية ابن الهيثم» يقدم هذا الفصل، كما يشرح الفنادي، سبعة كواكب في أجزاء فرعية منفصلة بعناوين مميزة، هي: كوكب المريخ: شفاه الأبدان، وكوكب الزهرة: أعداد، وكوكب عطارد: النَّسَّاخون، وكوكب زحل: علم الخيمياء، وكوكب القمر: انظر إلى السماء، وكوكب المشتري: انتقام، والشمس: الاقتراب من الحقيقة، ثم الفصل الرابع بعنوان «الحجرة المظلمة»، والخامس بعنوان «البداية والنهاية».
وأضاف معلقا: أعجبتني بناءات الحوارات الممتعة التي احتواها هذا الكتاب، خاصة في فصله الثاني الذي يسجل ما دار بين ابن الهيثم والفتية الأربعة الذين جاءوا زاعمين تحريره.
ويخلص الفنادي إلي أن «لغة صياغة الوصف وتقنية السرد وأسلوب الحوار الموضوعي الرصين الممتع، الذي يعكس حرص الأوليين على العلم والتواضع الجم الذي عليه علماء تلك العصور الإسلامية الذهبية، أضعها أمامكم للتأمل واكتشاف جمالياته الغزيرة».
وتطل أحداث سيرة «المتمرد: حكاية ابن سينا»، التي جاءت في خمسة فصول منطلقة من مدينة القاهرة، ثم تتحول إلى بخارى حيت تولى ابن سينا علاج ملك الدولة السامانية، فكافأه الملك بدخول مكتبة القصر النفيسة، حيث أوضح الفنادي أن مرض الملك نوح بن منصور الساماناني مفتعل، لإنهاء حياته، ومدبر من أحد قاطني قصره، والكتاب يصور مغامرة كشف تلك المؤامرة، ومعرفة تفاصيلها، وإنقاذ الملك عبر رحلة أدبية روائية ممتعة، تجمع الغموض والذكاء والتشويق، وتتأسس على ترسيخ فعالية العلم والطب في الحياة على مر العصور.
حكايات التاريخ والفانتازيا
من جهتها، وتحت عنوان «حكايات التاريخ والفانتازيا»، توقفت الكاتبة فتحية الجديدي عند أبعاد ثلاثة في سلسلة النور والظلام «الفكرة – التناول – الإنجاز»، مشيرة إلى أن التناول السردي في السيرة اعتمد على عناصر فنية مختلفة – سيجرى استعراضها في القراءة العامة لاحقا – التي قد تشكل حالة إدراك وفهم من خلال الاطلاع على بعض التفاصيل داخل الحكاية الواحدة والحكايات بشكل عام في الأجزاء الأربعة، وتبني مبدأ الوعي لدى اليافعين التي تعكسه هذه المجموعة (بمعزل عن القراءات المنهجية في تناول تاريخ العلماء – كما قرأناها سابقا).
وأضاقت أن السيرة تمثل تحديا يوضع أمام القارئ الشاب في زمن «السوشيال ميديا» والرقميات، والعودة للقراءة كمشروع مشترك حرص فيه الكاتب والناشر على تقديم باقة معرفية بقالب فانتازيا الخيال والصورة اللذين يحملان أبعادا ثقافية للقراءات الحديثة للفئة المستهدفة (كتحقيق الوصول إلى مفاهيم والتنوع في الأفكار والتصورات) التي توجدها القراء فقط.
بين المتمرد والغريب.
- للاطلاع على العدد «530» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
تقول الجديدي: «سار الكاتب على وتيرة سردية ثابتة التي أمسك بها مع تغيير في إيقاع الأحداث، ما جعل من السلسلة تتجاوز الملل في بعض الأجزاء مثل (المتمرد)، كما أن الإنجاز في السرد حمل القدرة على النسج بشكل واضح ومؤثر مع وضع أهداف للقارئ من خلال بناء الحبكة (بداية - وسط - نهاية)، مع تطوير في بعض الشخصيات مثل التلميذ الذي يصبح أستاذا في (البيروني)».
وترى أن «السلسلة تقدم قراءات مختلفة بروح الفانتازيا المشوقة كما هو مذكور عنها، للتعريف عن السلسلة. غير أن قراءة بعض أجزاء السلسلة ترتبط بذهن القارئ، وإبحاره مع أبطالها ضمن مغامرة متكاملة، يشكلان مزيجا بين عناصر الحكاية من إثارة وغوص وتشويق».
وواصلت الجديدي: «ظهر إيقاع لا يخلو من التشويق في مغامرة ابن سينا ونور، ابتداء من المطاردة بالسوق، وخططه في مداواة ابن البقرة، وصولا لقصر الساماني، والتعرض للتفاصيل، وهناك رسائل وحبكة سردية من خلال إظهار العبقرية في التصرف.
كما أنه توجد هناك تفاصيل لحالة المدينة والسوق والقصر، والتعرض بالوصف إلى شكل وملابس الشخصية، فالسمات الفنية التي صُنعت من حكاية البيروني في (الغريب) شملت البناء السردي في اللغة، والانتقال السهل في الأحداث، والربط بينها منذ أن طرحت شيرين الأسئلة على المعلم أنوران إلى دخولهم مع ابن سينا القصر، واستقبال أمير جرجان (شمس الدين)، والتقائهم البيروني، وتضمين الأحجية وفك الألغاز، والوقوف على فرضيات، وهي إجابة للعقل، وإعادة فتح مساحات التفكير. ولو كانت القصص والروايات التاريخية صُنعت للتوثيق، فهي أيضا لها وظائف أخرى عديدة».
ما لم يتحقق من السيرة
ما تحقق من سلسلة «سيرة النور والظلام»، من وجهة نظر الكاتبة، هو سهولة اللغة السردية المقدمة لليافعين، واستعراض تاريخي مشوق في قالب المغامرة، أيضا يمكن تحويل السيرة إلى «غرافيك» ناطق أو رسوم مصورة.
إضافة لذلك هناك تقابل في الحكايات، خاصة في «المتمرد» و«الغريب»، ابن سينا والبيروني، ولا نغفل الانتصار للشخصية المعرفية، والإضاءة على الجوانب المشرقة فيها من علوم ومعارف وعبقرية.
أما ما لم يتحقق من السيرة، حسب رأي الجديدي، فهو الإفراغ السردي من الحكاية المعمقة حتى لو كانت لليافعين. كذلك المخاطبة من وراء البعد الإسلامي للشخوص أو الإعلام، كونهم من خلفية غير مجردة، تصور للنهايات غير موجود.
السؤال هنا: هل نستطيع تقديم سرد تاريخي لليافعين بمعزل عن البعد العقائدي؟ ويظل هذا السؤال على الرغم الجهود التي تولاها الكاتب في السيرة، وهل نقدم مادة لليافعين ويمكن أن يقرأها الكبار بوصفها تمثل العودة بالذائقة كأننا نقرأها ونحن صغار؟
علي هامش الميتافيزيقيا
في مقدمته عن السلسلة، لفت الكاتب منصور بوشناف إلى أن الحضارة العربية قدمت نماذج علمية ظلت مؤثرة في النهضة العلمية التي أثرت في العالم، ويرى الكثيرون في أوروبا أن التأثير الحضاري جاء بثورة كوبرنيكس، ونرى من ذلك أن المشروع النهضوي لم يتأسس على العلوم التطبيقية، وهو ما تحاول هذه السلسلة طرحه، والإشارة إلى ما بذله علماء مثل البيروني، وابن سينا، وابن الهيثم، والخوارزمي من جهود علمية وكشوف أسهمت في النهوض بالحضارة الإسلامية.
فابن سينا مثلا ألف ما يزيد على 200 كتاب في مجالات عدة، منها كتب «الخلاص - الملاحظات - الإشارات». كذلك الخوارزمي الذي قدم الكثير في علم الرياضيات.
بوشناف أوضح أن سيرة هؤلاء العلماء معروفة من حيث سياقها التاريخي، لكنها لا تبدو كذلك من جانب أثرها المعرفي ودورها الريادي، فهي تُظهر لنا كهامش لحضارة ذات طابع ميتافيزيقي، ويرى أن هذه السلسلة (النور والظلام) تهدف إلى تسليط الضوء على ثراتنا العلمي الذي أهملناه، وتأكيد المشروع النهضوي المستند على العلم.
وأضاف بوشناف: «في سيرة (النور والظلام)، للكاتب أحمد البخاري، نفتح سيرة العلم في تراثنا الإسلامي، وصراعه مع الأنظمة السياسية والاجتماعية والمعرفية.. ذلك الصراع الذي يخوضه علماء حقيقيون، يواجهون مشاكل وأزمات حياة مجتمعهم المعيشية والمعرفية بالعلم، ويشتبكون بالعلم والأدوات العلمية مع اليومي والراهن والتاريخي، يحولون الشارع إلى معامل للتجريب العلمي وابتكار الحلول إن العلم يسري في الشارع كما يسري (المضاد الحيوي) لأمراض المجتمع، دونما شعارات ولا خطب ولا أناشيد ولا سيوف».
وواصل بوشناف: «يتناول الكاتب أحمد البخاري سيرة (ابن سينا والبيروني) في كتابين من هذه السيرة، ولا يظهر العالمان معزولين في برامجهما العلمية، بل ينغمسان (كما على العالم أن يفعل) في يوميات مجتمعهما، يخوضان المعارك اليومية والمصيرية ضد الظلام والجهل وسط الشارع وبين الناس، وتتحول معارفهما العلمية والمعملية إلى وصفات لحل مشاكل الشارع.. إنهم أشبه بأطباء جوالين يسعون وسط الناس، يطاردون (طفيل) الظلام القاتل للأمة والفرد».
تعليقات