في قلب «حرفة الحوكي»، إحدى أقدم صناعات النسيج التقليدي في ليبيا، تختبئ مراحل دقيقة لا يعرفها سوى أهل المهنة، ومن بينها ما يُعرف بـ«مرحلة ترشيق الحرير».
هذه المرحلة لا تُدرَّس في كتب، بل تُنقل شفهيًا من جيل إلى آخر، وتحمل في تفاصيلها خلاصة خبرة طويلة مع الخيط والنول والزمن.
ترشيق الحرير هو لحظة التهيئة الصامتة قبل بدء الحكي، حيث تُنقّى خيوط الحرير من العقد والتفاوت، وتُشدّ وتُسوّى بعناية حتى تصبح متجانسة وقادرة على تحمّل ضغط النول دون أن تفقد نعومتها أو بريقها.
-آخر «صانع طرابيش» في لبنان يكافح من أجل بقاء الحرفة
-أكاديمية طرابلسية تسعى لإحياء تقليد صياغة المعادن الثمينة
ويؤكد الحرفي جمال الداقيز أن هذه المرحلة تُعد أساس جودة القماش، إذ إن أي إهمال فيها ينعكس مباشرة على النتيجة النهائية مهما بلغت مهارة الناسج.
لا يقتصر ترشيق الحرير على كونه إجراءً تقنيًا، بل يعكس فلسفة كاملة في العمل التقليدي، تقوم على الصبر، واحترام المادة، والإيمان بأن الجمال يبدأ من التفاصيل غير المرئية.
وربما لهذا السبب ظل هذا المصطلح حيًا في ذاكرة الحرفيين، على الرغم من تراجع الحرفة نفسها أمام الإنتاج الصناعي.
إعادة تسليط الضوء على مثل هذه المفاهيم التراثية لا تعني فقط توثيق مفردة، بل استعادة جزء من الذاكرة الثقافية الليبية، وحفظ لغة الحِرَف التي شكّلت هوية المكان والإنسان لقرون.
تعليقات