Atwasat

كيف خرجت قصيدة النثر من رحم شعر التفعيلة الليبي؟

القاهرة - بوابة الوسط الجمعة 31 أكتوبر 2025, 08:34 صباحا

حول بدايات تجربة قصيدة النثر والنقد في ليبيا، نظم مجمع اللغة العربية برئاسة الدكتور عبدالحميد الهرامة، السبت، محاضرة ألقاها الدكتور علي ارحومة، وقدم خلالها مقاربة حاول فيها الإجابة عن السؤال: كيف انبثقت قصيدة النثر من رحم قصيدة التفعيلة في الشعر الليبي الحديث من خلال إحدى أهم التجارب الشعرية في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي؟ مستخدما المنهج الوصفي التحليلي من خلال ثلاثة نماذج أدبية «شعر: الجيلاني طريبشان - نقد: محمد بلحاج - نشر: جريدة الأسبوع الثقافي».

BCD Ad BCD Ad

النثر والنمط الشعري
يرى المحاضر أن قصيدة النثر ظهرت نتيجة تطورات مجتمعية وإبداعية كان أصحابها يرون ضرورة تغيير النمط الشعري القديم، شكلا ومضمونا، ليواكب اللحظة الراهنة، ويعبر عن قضاياها بأسلوب جديد، موضحا أنه تاريخيا تعود بعض بدايات قصيدة النثر إلى القرن السابع عشر الميلادي في اليابان، ثم في ألمانيا بالقرن الثامن عشر، وفي فرنسا وأميركا بالقرن التاسع عشر.

- للاطلاع على العدد «519» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

الحديث عن قصيدة النثر قاد الباحث إلى الإشارة إلى تجربة مجلة شعر الأميركية، التي أُسست العام 1912، واهتمت بالشعر المنثور بشكل خاص، الأمر الذي أثر في بعض أدباء المهجر العرب، فكتبوا نصوصا نثرية حالمة بخيال شعري مجنح، مثلما فعل أمين الريحاني، وجبران خليل جبران. ولم يغفل المحاضر في هذا الصدد الرجوع إلى بعض إبداعات الأدب العربي القديم، مثل كتاب «الفصول والغايات» لأبي العلاء المعري في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، الذي احتوى على نصوص نثرية غاية في الحكمة والبلاغة الشعرية المكثفة.

وأضاف الدكتور ارحومة: «في بلداننا العربية، أُسست مجلة (شعر) اللبنانية على غرار الأميركية عام 1957، واستمرت حتى عام 1970، واهتمت بشعر الحداثة العربية، خاصة قصيدة النثر، وبرز من روادها «يوسف الخال، وأدونيس، وشوقي أبي شقرا، وسركون بولص، وأنسي الحاج، وغيرهم». ولعل محمد الماغوط يعتبر رائد قصيدة النثر العربية في ديوانه المنشور العام 1959 بعنوان (حزن في ضوء القمر)».

إرهاصات الجيلاني النثرية
في ليبيا، أوضح المحاضر أن شعراءنا المحدثين إبان الخمسينات والستينات استلهموا نموذج الشعر الحديث الآتي مـن المشرق العربي على يد: بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، ونزار قباني وغيرهم، مثل شعرائنا: علي الرقيعي، وخالد زغبية، وحسن صالح، وعلي صدقي عبد القادر، ومن جاء بعدهم من شعراء قصيدة التفعيلة. إلا أن بعض شعراء التفعيلة الليبيين أخذوا ينزعون نحو قصيدة النثر، شكلا ومضمونا، في النصف الأول من السبعينات، من أبرزهم الشاعر الجيلاني طريبشان.

ويواصل المحاضر: «بدأ الجيلاني تجربته هذه من خلال منشوراته في جريدة (الأسبوع الثقافي)، وظهرت أول ملامح تطلعه الشعري النثري اللافت عبر مشاركته في المهرجان أو الملتقى الأدبي الذي أُقيم في الأسبوع الثاني من شهر مارس 1974 بقاعة الشعب (مجلس النواب سابقا) في مدينة طرابلس بقصيدة بعنوان (ملاحظات على المعمار التونسي)، التي نشرتها جريدة «الأسبوع الثقافي» التي كان يعمل بها الجيلاني محررا صحفيا. وفي العدد الـ92، بتاريخ 15 مارس 1974.

 يقول الجيلاني في قصيدته: أترك سفني وأرحل / أترك خلفي من تهواني أو أهواها / أتركها حينا للريح.. أو للموج.. يصفّر ذاك الموج.. على وجه المحبوبة.. تتوهم تلك الطيبة البائسة أني أحب.. أو يخذلها الظن.. تشك بي أني أحب.. لكن المرأة مرساتي المحروقة في كتمان الطي.. وهكذا إلى آخر القصيدة».

المعمار في ميزان النقد
الدكتور علي ارحومة يرى أن نقد الشعر في ليبيا اعتمد حتى فترة السبعينات تقريبا على قدرات الناقد الشخصية، وخبرته في الذوق الأدبي أكثر من اعتماده على منهجيات النقد الأكاديمي الذي جلّه تطور في الأكاديمية الغربية، وأدلة ارحومة علي ذلك أمثلة كثيرة، منها تجارب رائدة لخليفة التليسي وغيره.

ويقول: «من الوجهة الأكاديمية، كان لبعض من درسوا في المشرق العربي، خاصة مصر، اهتمامهم بالنقد الشعري مع أوائل السبعينات تقريبا، من أهمهم محمد مصطفى بلحاج، الذي نقد القصيدة المذكورة في مقاله المنشور بجريدة «الأسبوع الثقافي»، العدد الـ94، بتاريخ 29 مارس 1974، بعنوان (حول قصيدة ملاحظات على المعمار التونسي.. كلمة لا بد منها)».

وبعد أن عرّف المحاضر بالناقد محمد بلحاج، عرض نقده لقصيدة الجيلاني طريبشان في شكل شرائح ضوئية، سلط من خلالها الضوء على أحد عشر مقطعا، مركّزا بشكل خاص على النص نفسه كوحدة عضوية، في شكله وأسلوبه وبنيته الداخلية وموسيقاه وارتباط معانيه بكلماته.. إلخ. والحقيقة لم يصل من كل ذلك إلى ما يقنعه بأنه أمام نص إبداعي جديد، وذلك لأن الناقد استخدم منهج النظرية الموضوعية في نقد الشعر، إلى جانب النظرية الشكلانية، اللتين تهتمان فقط بالنص من حيث خصوصيته في شكله ومضمونه، دون التفات إلى أي مفاتيح أخرى.

- للاطلاع على العدد «519» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

ثم ذكر الباحث نقد بلحاج لنص الجيلاني من حيث موسيقاه بشكل مفصل، وكيف أنه احتار في أكثر من مقطع، أهو أمام شعر أم نثر، ولو أنه اعترف في أكثر من جملة شعرية بأنه أمام صياغة فنية لافتة، وتعبير شعري جميل لو أنه يندرج تحت المعايير النقدية التي استخدمها في نقد النص. غير أن ذلك لم يتضح في نص جيلاني.

وساق المحاضر ملاحظات بلحاج لبعض الأخطاء اللغوية التي ظهرت في النص المنقود، وبعض الصياغات التي رآها غريبة غير مألوفة. وفي آخر قراءة الناقد لنص الجيلاني، استنتج أن ما يخرج به القارئ المتأني لهذا العمل هو أن «الشاعر» قد حلم حلما طويلا مفككا، لا منطق فيه ولا معقول ولا وحدة ولا انسجام، وأن الذي يخرج به الدارس المتفرّس هو أن «القصيدة» عبارة عن مجموعة من التجارب المضطربة والمفككة المختلفة، وأنه لم يفهم حتى عنوان القصيدة، فما المقصود بالمعمار التونسي؟

بوشويشة وبلحاج
لتبيان اختلاف الأذواق ومناهج النظر، سواء في الكتابة الإبداعية الشعرية أو النقد، تطرق الدكتور علي ارحومة إلى ما نشره الكاتب رضوان بوشويشة بجريدة «الأسبوع الثقافي»، يرد فيه على الناقد محمد بلحاج فيما يمكن اعتباره شيئا من «نقد النقد» بعنوان «عموميات النقد المزاجي»، بتاريخ 5 أبريل 1974؛ أي في الأسبوع التالي لنشر مقال بلحاج، وقال فيه إن الناقد بلحاج غمس قلمه في حبر أثري، في محاولة نقد تقليدي متحفظ. يتلمس الأمور الأدبية والفنية بالمساطر والمناقل، ويتحرى عن كيفية تطبيق المقاييس المحددة.

يصر بأكاديميته على شكليات الخليل بن أحمد الفراهيدي التي وضعها بعصر لا نحتاج إليه، والعرب قالوا الشعر قديما دون حاجة إليه أصلا. هذا النوع من النقد حفلت به المجلات الأدبية في العقود الماضية، ثم اختفت هذه النصوص النقدية الأثرية من هناك، وظلت تمارس عندنا. يمارسها الذين لا يصلون علو قامة المعنى الكامنة في بطن القصيدة، فينصرفون إلى بحر الرمل والرجز والكامل.. إلخ. غير أن بوشويشة لم يدافع عن نص الجيلاني برد مفصل لرأيه، بل أشار إلى نقاط عامة فقط خلاف بلحاج، الذي كان يقدم الدليل والحجة لآرائه النقدية.

خلص المحاضر إلي أن كلا من الشاعر طريبشان والناقد بلحاج محق فيما ذهب إليه، حيث «قدم طريبشان نصه الشعري في قالب شعر التفعيلة بشكل عام، لكنه نزع في داخل نصه إلى الخروج عن النص، والتمرد عليه بشيء من التحرر النثري، الذي لم يكن ضمن معايير الشعر المقبولة لدى عموم النقاد آنذاك، مثل التحرر من الوزن الشكلي الموروث، وما يعرف بـ«بحور الشعر والقوافي»، أو قلب بعض الصياغات اللغوية بحيث تشير إلى دلالات أخرى مخالفة للمعتاد، إلى جانب ما يعتري النص من غموض والتباس».

الحضور في الندوة، 25 أكتوبر 2025. (الإنترنت)
الحضور في الندوة، 25 أكتوبر 2025. (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
«ليبيا على العود».. خريطة تفاعلية تُوثق التراث الموسيقي الليبي وتُعيد إحياء الذاكرة الشعبية
«ليبيا على العود».. خريطة تفاعلية تُوثق التراث الموسيقي الليبي ...
المجلس البلدي القوارشة يقترح تعديل اسم منطقة «الترية» إلى «الثريا»
المجلس البلدي القوارشة يقترح تعديل اسم منطقة «الترية» إلى ...
مات ديمون يكشف كواليس اختياره لبطولة فيلم نولان الجديد وسط أجواء من المزاح
مات ديمون يكشف كواليس اختياره لبطولة فيلم نولان الجديد وسط أجواء ...
إبراهيم الكوني ضيف «موسم ليبيا الثقافي» في حوار مفتوح
إبراهيم الكوني ضيف «موسم ليبيا الثقافي» في حوار مفتوح
صبا مبارك تتعاقد على بطولة مسلسل جديد من 10 حلقات مع «أروما»
صبا مبارك تتعاقد على بطولة مسلسل جديد من 10 حلقات مع «أروما»
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم