- المسرح لا يحييه إلا أهله.. والغاية إعادة ربطه جماهيريا
- عودة مهرجان المسرح المدرسي خطوة مهمة ويجب الاهتمام بمسرح الطفل لصناعة قاعدة جماهيرية شابة
- نحن اليوم أمام فرصة حقيقية لنهضة المسرح ولا ينقصنا سوى الإرادة
في عالم تهيمن عليه الشاشات الرقمية، وتتراجع فيه قيمة الفنون الحية، يبدو الحديث عن المسرح وكأنه استدعاء لزمن مضى. لكن هذا الحوار مع أحد أبرز أيقونات المسرح الليبي، وهو الفنان المسرحي أنور التير الذي يكشف أن المسألة ليست مجرد حنين للماضي، بل رؤية استشرافية لمستقبل الثقافة العربية.
حوار يناوش قضايا جوهرية تتجاوز الحدود الليبية، لتشمل المشهد المسرحي العربي برمته: من معضلة التمويل إلى صراع الهوية، ومن تأثير السياسة على الإبداع إلى دور المبادرات الفردية في إحياء المؤسسات الثقافية.
وفي زمن الأسئلة الكبيرة حول مستقبل الثقافة الليبية، يأتي هذا الحوار ليؤكد أن المسرح ليس مجرد فن للتسلية، بل ضرورة حضارية ووطنية، وأن عودته إلى دوره الطليعي مسألة إرادة قبل أن تكون مسألة إمكانات.
نص الحوار:
- عندما التحقت بفرقة «الشباب» في مصراتة عام 1991، ما الذي جذبك للمسرح في تلك المرحلة؟ وما هي أولى ذكرياتك على الخشبة؟
التحاقي بفرقة «الشباب الثائر» في مصراتة عام 1991 كان بمثابة الانتقال من تجربة المسرح المدرسي في الابتدائي إلى فضاء أوسع وأكثر جدية. ووالدي، كونه من رواد المسرح، كان الدافع الأساسي وراء انضمامي للفرقة، وهو من شجعني على خوض هذه التجربة. أول عمل تدربت عليه كان مسرحية «بزنس»، وكان والدي أحد المشاركين فيها خلال المرحلة الأولى من التدريبات
المسرح بالنسبة لي لم يكن مجرد محطة فنية، بل ذاكرة حيّة. كل عمل مسرحي ترك طعمه الخاص وذكرياته الفريدة، بعضها كان مأساويًا في حينه، لكنه بمرور الزمن صار جزءًا من رصيد الذكريات الطريفة والكوميدية التي أستعيدها بابتسامة. لقد شكلت تلك الفترة حجر الأساس لعلاقتي بالفن، ومنحتني خبرة مبكرة عن الخشبة، عن رهبتها وسحرها، وعن كيف تتحول التجارب الأولى إلى حكايات تُروى وتُستعاد بشغف.
• توليت مهمة إعادة إطلاق وصيانة المسرح الوطني بمصراتة على نحو شبه شخصي، فما الدروس التي تعلمتها من تلك التجربة فيما يتعلق بقدرة المبادرات الفردية على إنعاش قطاع ثقافي كامل؟ وهل يمكن تعميم هذه التجربة على مناطق أخرى في ليبيا؟
تجربتي مع مشروع صيانة المسرح الوطني بمصراتة كانت نقطة تحول شخصية ومهنية، لأنها انطلقت بشكل فردي تمامًا، من قناعة داخلية بضرورة إنقاذ هذا الفضاء الثقافي.
لم أطلب أبدًا أموالًا مباشرة، بل كنت أبحث عن خدمات ملموسة: خرسانة بعمق محدد، حفر، مواد بناء، دعم تقني.. وهكذا. كثيرون تجاوبوا بروح الفزعة: رجال أعمال، مؤسسات رسمية، أصدقاء وشخصيات عامة، وكلهم أسهموا كلٌ بحسب إمكاناته.
هذه التجربة لم تقتصر عليّ وحدي، بل تحولت إلى نموذج ألهم مسارح أخرى. زرت مسرح الخمس، وقدمت لهم خبرتي في كيفية إدارة الصيانة، وأكدت لهم أن سر النجاح هو أن يكون المسرح في يد شبابه المسرحيين أنفسهم. واليوم، نرى بالفعل أن مفاتيح مسرح الخمسة بيد أبنائه، وأنه يشهد نهضة واضحة، ومن بين شبابه برزت أسماء أصبحت من نجوم الدراما الليبية.
ما يبهجني أن التجربة لم تكن مجرد صيانة لبناء، بل تأسيس لفكرة: أن المسرح لا يُحييه إلا أهله، وأن المبادرة الفردية حين تتلاقى مع وعي جماعي يمكن أن تصنع فرقًا حقيقيًا في المشهد الثقافي.
• حصلت على درجة الماجستير في الفنون الدرامية، وسبق أن عملت في مجال الإعلام والإذاعة والتلفزيون. إلى أي مدى استفدت من أدوات التلفزيون والسينما في تطوير تجربتك المسرحية؟ وما الفروق الجوهرية بين الجمهور المسرحي والجمهور التلفزيوني؟
البرنامج الأكاديمي يبقى مهمًا جدًا إلى جانب البرنامج العملي والتطبيقي، خاصة في مجالات الفنون الدرامية المتعددة: المسرح، والسينما، والإذاعة، والتلفزيون. غير أن المقارنة بين جمهور المسرح والجمهور التلفزيوني، في رأيي، تنطوي على شيء من الظلم، لأن لكل منهما خصوصيته وطقوسه.
جمهور المسرح يتميز بردة فعله الفورية، أنت على الخشبة ترى وتتلقى تفاعله لحظة بلحظة، وهذا ما يمنح المسرح متعة فريدة لا يضاهيها أي وسيط آخر؛ بينما في التلفزيون، نصوّر العمل ثم ننتظر موسم العرض، غالبًا في شهر رمضان، كي نترقب ردود فعل الناس بعد أسابيع أو شهور.
الفرق هنا أن المسرح يمنحك حرارة المباشرة، ويجعلك تعيش التجربة مع المتفرج في اللحظة نفسها، أما التلفزيون فيُبقيك معلقًا إلى أن يظهر العمل على الشاشة. وعموما لكل مجال جمالياته، لكن تظل المباشراتية في المسرح هي سر لذته الخاصة وسحره الدائم.
• منذ عام 1908 عندما قُدمت مسرحية «الحرية» في طرابلس، ثم تأسست فرقة في بنغازي عام 1936، شهد المسرح الليبي فترات انتعاش ثم ركود بسبب الظروف السياسية. كيف تصف مرحلة الطفرة التي عاشتها ليبيا في السبعينات مقارنة بالحاضر؟ وما الذي فقدناه أو اكتسبناه؟
مرحلة السبعينات في ليبيا كانت بالفعل فترة ازدهار حقيقية على مستوى الفنون: المسرح، والتلفزيون، والغناء، والسينما. لو أن تلك الروح والرغبة في التطوير استمرت، لكانت ليبيا اليوم بين أوائل الدول العربية في هذه المجالات. لكن للأسف، مع مرور الوقت، جرى إقصاء المسرح تحديدًا؛ أُغلقت القاعات، وتوقفت العروض، وصار حضور المسرح حدثًا نادرًا.
السبب لم يكن ضعف المسرحيين، بل خوف الحكومات من تأثير المسرح على الشارع، لما له من قدرة على النقد وكشف الحقائق. لهذا جرى استقطاب أبرز نجوم المسرح إلى التلفزيون عبر إغراءات مالية كبيرة، لتفريغ الخشبة من صوتها الجريء. تدريجيًا فقدنا النصوص الليبية التي كانت تُكتب وتُعرض، وتحول المسرح إلى اجتهادات فردية متفرقة، تُقدَّم أحيانًا في المهرجانات بشكل هجين بعيد عن هوية المسرح الليبي، وارتباطه بالناس.
هذا التراجع صنع هوة كبيرة، إذ غابت ليبيا عن كثير من المهرجانات الدولية، وفقد المسرح زخمه كتعبير حي عن المجتمع. ما تبقى اليوم هو إحساس بالخوف على المسرح أكثر من حضوره الفعلي. لذلك تصبح المهمة نضالية بالمعنى الكامل ويبقى التساؤل: كيف نعيد للمسرح مكانته، وكيف نحيي النصوص الليبية، ونستعيد جمهوره، ليعود إلى دوره الكبير في الثقافة والحياة العامة.
الباحثون يذكرون أن المسرح العربي بدأ بالترجمة والاقتباس في القرن التاسع عشر على يد مارون النقاش وأبو خليل القباني، ثم ظهرت مسرحيات بلهجات محلية، واعتمدت على الموروث الشعبي. كيف تقيم التجربة الليبية في هذا السياق: هل هي أقرب إلى «استنبات» شكل غربي أم إلى «تأصيل» يعتمد على التراث المحلي؟
مسألة استنبات شكل غربي في المسرح أو العودة إلى التأصيل المحلي ترتبط دائمًا بسؤال الهوية. وكما أوضحتُ سابقًا، فإن الأهم هو أن يكون المسرح صادقًا مع بيئته، قادرًا على التعبير عن الناس بلغتهم وقضاياهم. ومن هذا المنطلق، يأتي توجه المسرح الوطني للفنون المسرحية في دورته الثالثة عشرة المقبلة، المقررة في أكتوبر، حيث تقرر أن تكون النصوص المشاركة مكتوبة باللهجة الليبية أو مستندة إلى نصوص محلية. والغاية من ذلك ليست مجرد التمسك بالشكل، بل إعادة ربط الخشبة بالموروث الشعبي والذاكرة الاجتماعية، بحيث يستعيد المسرح صلته بالناس، ويعكس تفاصيلهم اليومية.
وحتى حين تتناول النصوص موضوعات ذات طابع اجتماعي ـ سياسي، فإنها تظل منطلقة من التراث الليبي، بما فيه من رموز وحكايات وقيم. وهذه المقاربة تعزز حضور المسرح كجزء من النسيج الثقافي المحلي، وتمنحه خصوصيته التي تميّزه عن المسرح المستورد أو المقلَّد، ليظل قريبًا من الشارع الليبي ومتجذرًا فيه.
• بعد أكثر من ثلاثة عقود في المسرح، وأنت تقف اليوم في موقع المسؤولية عن مستقبل المسرح في مصراتة، كيف ترى المسرح الليبي - مثلا - بعد عشرين عاماً من الآن؟ وما هو الإرث الذي تريد أن تتركه للأجيال المقبلة من المسرحيين الليبيين؟
حين كنا شبابًا مغمورين بالمسرح، كان دافعنا نضاليًا في معاتبة المسؤول أو نقده، حتى لو لم يكن ذلك مباشرًا. لكن مع مرور الزمن، حين تجد نفسك في موقع مسؤولية، تدرك أن الأمر أعقد، وأن المسرح يحتاج إلى رؤية متكاملة تُبنى على أسس صحيحة: من البنية التحتية، إلى المواد الفنية، وصولًا إلى الكوادر المؤهلة.
وعلى الرغم من الإنجازات التي تحققت، ما زالت هناك ملفات عديدة تنتظر الإنجاز. عودة مهرجان المسرح المدرسي خطوة مهمة جدًا، وكذلك الاهتمام بمسرح الطفل، وصناعة قاعدة جماهيرية شابة.
لكن الأساسات الكبرى لا تزال في طور التأسيس: معاهد وكليات متخصصة في الفنون، ومسارح حديثة مجهزة، وبرامج تدريب ودورات تكوّن أجيالًا من التقنيين والفنانين، بالإضافة إلى تنظيم مهرجانات دولية كبرى داخل ليبيا تعيدها إلى الخريطة المسرحية عالميًا.
نحن اليوم أمام فرصة حقيقية لنهضة مسرحية، ولا ينقصنا شيء سوى الإرادة والإصرار على البناء. فإذا اجتمعت الرؤية مع المؤسسات والكوادر، فيمكن للمسرح الليبي أن يستعيد مكانته الطبيعية كرافعة ثقافية وفنية أساسية.
تعليقات