Atwasat

برهانة يناقش مفهوم السيرة الشعبية وهجرة بني هلال وبني سليم

طرابلس - بوابة الوسط الجمعة 03 أكتوبر 2025, 08:13 صباحا

«سيرة بني هلال: النشأة - التطور - الوظيفة».. تحت هذا العنوان شهدت دار المجاهد محاضرة ألقاها الدكتور علي برهانة، ونظمها المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية.

BCD Ad BCD Ad

المحاضر عرف السيرة باعتبارها السنة، وجمعها سير، وأرجع منشأ أدب السيرة في الثقافة العربية إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تنوعت السير بعد ذلك إلى «غيرية، وذاتية، وشعبية».

تهميش السيرة الشعبية
قال برهانة: «السيرة الغيرية هي كتابة سيرة أشخاص آخرين، مثال سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي، بينما الذاتية تعنى بكتابة الشخص سيرته بنفسه، مثل كتاب المنقذ من الظلال للإمام الغزالي، وكتاب التعريف بابن خلدون لابن خلدون، وكتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ».

الدكتور علي برهانة اعتبر أن الثقافة الشعبية انقسمت إلى قسمين: رسمية وشعبية، حيث تعنى الرسمية بما قرأناه في كتب التراث كالأغاني، والبيان والتبيين، والشعر والشعراء، وعيون الأخبار، والعقد الفريد، وغيرها، بينما تتجلى السير الشعبية في ملاحم: الزيز سالم، وعنتر بن شداد، وبني هلال، والأميرة ذات الهمة، والظاهر بيبرس، وسيف بن دي يزن، وغيرها».

وأوضح برهانة أن المثقفين أمثال الجاحظ لم يعتنوا بالسير الشعبية، فهي بالنسبة لهم أدب العامة، لذلك جرى إقصاؤها، مشيرا إلى كتاب الدكتور سعيد يقطين «الكلام الخبر» الذي تطرق فيه إلى وجود ما يُعرف بـ«النص واللانص» في الثقافة العربية، فالنص هو المكتوب والمدون في عناوين كتب التراث، كما سبقت الإشارة، واللانص هو المتعارف عليه من أدب السير الشعبية المذكورة، وبالتالي كان السؤال: كيف يجرى التعامل معه؟

الإجابة يسوقها المحاضر من كتاب الدكتور سعيد يقطين بقوله: «سئل بعضهم عن كتب السخفاء والتواريخ المعلوم كذبها، كتاريخ عنترة وذات الهمة ونحو ذلك، هل يجوز بيعها أم لا؟ وكانت الإجابة: لا يجوز بيعها ولا النظر فيها، وأخبر الشيخ أبو الحسن البطرني أنه حضر فتوى ابن قداح، حيث سئل: هل تجوز إمامة من يسمع حديث عنترة، فقال: لا تجوز إمامته ولا شهادته».

ومن وجهة نظر برهانة، فإن ابن خلدون يختلف عن الآراء السابقة، وهو يتكلم عن الذين عاصرهم، مع العلم أنه أول من تكلم عن سيرة بني هلال. ويقول ابن خلدون: «ولهؤلاء الأعراب في الشعر بلاغة فائقة، ولهم فحول متأخرون، والكثير من منتحلي العلوم، خصوصا في علم اللسان لهذا العهد، ويستنكر عليهم هذه الفنون، ويمج نظمهم إذا أنشأ، وينتقدونها من حيث خلوها من الإعراب بقولهم (الإعراب لا مدخل له في البلاغة، فالبلاغة مطابقة الكلام للمقصود ومقتضى الحال الموجود، سواء كان الرفع دالا على الفاعل والنصب دالا على المفعول أو العكس)».

وينتقل الباحث إلى رصد وجهة النظر الحداثية للسيرة الشعبية، خصوصا من المدارس الأدبية، مثل مدرسة الديوان وأبولو وأدب المهجر، ونموذجه في كتاب (الغربال) لميخائيل نعيمة، وجميعها لم تلتفت للأدب الشعبي، على الرغم من دعواتها المستمرة للتجديد، وانسحب هذا الموقف على مفكرين كبار مثل الدكتور عبدالله العروي والدكتور عابد الجابري.

- للاطلاع على العدد «515» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

وقدم برهانة ما شُرح عند الشيخ محمد عبده بالخصوص، حيث قسم الكتب إلى «النقلية الدينية، والعقلية، والأدبية، والأكاذيب الصرفة، مثل السير والقصص الشعبية كأبوزيد الهلالي وإبراهيم بن حسن والظاهر بيبرس»، ونستنتج أن الأدب الشعبي عومل من المؤسسات الرسمية بالتهميش والإقصاء، في مقابل أن أول من لفت إليه النظر الأجانب، حيث ترجموا قصص «ألف ليلة وليلة» في القرن الثامن عشر، وسيرة عنترة وسيف بن دي يزن. وقد نالت هذه التراجم قبولا جيدا في الأوساط الأدبية في أوروبا وغيرها، فالروائي الكولومبي جابريل غارسيا ماركيز أُعجب بـ«ألف ليلة وليلة»، مشيرا إلى أنها أفضل كتاب قرأه.

ويتابع المحاضر: «من هنا فطن الأكاديميون العرب الموجودون في الساحات الأوروبية إلى أهمية هذا الأدب، مثل الدكتورة سهير القلماوي التي أنجزت رسالة عن أدب (ألف ليلة وليلة) العام 1966، وأعد الدكتور عبدالحميد يونس رسالة الماجستير عن سيرة الظاهر بيبرس العام 1947، وقدم دراسة عن السيرة الهلالية العام 1950، موضحا أن مصر تعد رائدة في حقل الدراسات المهتمة بالأدب الشعبي».

وفيما يخص ليبيا، يذكر الباحث أن «الأدب الشعبي لا يزال للأسف يعاني التهميش أكاديميا، ويُنظر إليه على أنه لا يليق بمدرجات الجامعة، ومع ذلك نطالع بعض الخطوات المحتشمة، إذ يسجل لجامعة قاريونس السبق في طباعتها ديوان الشعر الشعبي العام 1973. كذلك مناقشة رسالة ماجستير عن السيرة الهلالية بجامعة قاريونس للمحاضر د. علي برهانة العام 1988».

وحسب وصف المحاضر، ظل الأدب الشعبي في دائرة التهميش الأكاديمي، على الرغم من أنه هو المشكل لوجدان الناس والمعبر عن واقعهم، بينما كان الأدب الرسمي مقصورا على بلاط الأمراء والملوك.

ابن خلدون والسيرة الهلالية
بالنسبة للسيرة الهلالية، يؤكد المحاضر أن المؤرخ ابن خلدون هو أول من أشار إلى الأعراب الذين عاصرهم من بني هلال وبني سليم، وعن مجيئهم إلى أفريقيا، وقدم نماذج من أدبهم الشعبي، مضيفا أن المواقف التي تكلم عنها ابن خلدون في مقدمته موجودة في السيرة الهلالية، مثل موقف الجازية مع الشريف، ثم أخذها منها وهكذا.

ويوضح أن مجيء بني هلال من مصر كان في القرن الخامس، نحو 444 هجرية، حيث بقى بنو سليم في برقة، بينما اتجه بني هلال إلى تونس، والمفارقة، كما يذكر برهانة، أن بني هلال كانت قبيلة خاملة عندما كانت في المشرق العربي، بينما المعروف أن كل قبيلة لها أيام. في حين بني هلال كان لها يوم واحد، ولم يعرف لها دور بارز آنذاك، لذا يتساءل المحاضر: من أين جاء صدى سيرتها؟!

وفي سياق إجابته، يوضح الدكتور برهانة أن هجرة بني سليم وبني هلال تزامنت مع حركة القرامطة الذين هزمهم الفاطميون في عهد الخليفة العزيز بالله، وأسكنهم شرق النيل، وكان ممثل الفاطميين في القيروان المعز بن باديس، ثم تمرد عليهم، معلنا ولاءه للعباسيين، ولم يكن للدولة الفاطمية آنذاك القدرة على تحمل تكلفة إخماد هذا التمرد، وكانت النصيحة للخليفة المستنصر أن يرسل لهم قبائل الأعراب، والمقصود بني سليم وبني هلال، وكان ابن باديس قد تجهز لمواجهة بني هلال بعشرين ألف جندي حبشي وخمسة آلاف من قبيلة صنهاجة، ومثلهم من قبيلة زناتة.

ويكمل برهانة: «تقابلت القوتان في منطقة (حيدران)، وتمكنت قبيلة بني هلال من هزيمة المعز بن باديس، وهو سبب شهرة الهلاليين، وبقت المنطقة الممتدة من جنزور إلى وسط الجزائر تحت سيطرة بني هلال من عام 445 للهجرة إلى عام 555 للهجرة، ولم تكن بني هلال دولة لها في هذا الامتداد، وإنما طبقت نظام سيطرة كل قبيلة لها على جزء أو منطقة».

وفي حين يرى المحاضر أن السيرة الهلالية تكونت في ليبيا، يؤكد الدكتور محمد المرزوقي نشأتها في مصر، حيث يقول المرزوقي: «ما زلت مصرا على أن مهد انطلاق السيرة الهلالية هو مصر، وأكاد أجزم ظهورها من صعيد مصر خاصة». ويشير برهانة إلى أن طول الفترة الزمنية في سيطرتهم على المنطقة، مع ذكرهم المستمر للأحداث والمعارك التي خاضوها عبر الشعر والقصص، ساعدا في تكون البنية الأساسية للسيرة التي تطورت أكثر في الحكم الحفصي والعهد التركي، وكان دافع ذلك التعويض عما شاب حياتهم من نقص، وإسقاط ماضيهم المجيد على الواقع، خصوصا بعد تغير مجرياته وسيطرة الموحدين.

ومن أسباب صمود واستمرار السيرة الهلالية، بحسب حديث الباحث، الجانب المتعلق بالحفاظ على الهوية، خصوصا في أثناء العهد التركي، وحرص القبائل على حماية ثقافتهم وأنماط سلوكهم وعاداتهم من الثقافة الدخيلة عبر سرد السيرة الهلالية، وإظهار شخصية أبوزيد الهلالي في صورة الـ«سوبرمان» مقارنة بالضبط التركي.

على جانب آخر، تعزز سيرة بني هلال في نصوصها على المستوى العربي الوحدة والتنوع، كما يذكر المحاضر، فالوحدة مجسدة في أسماء الشخوص، مثل أبوزيد والجازية وزيدان شيحة، وغيرهم، والتنوع يكمن في اللهجة والأوزان الشعرية. كما تختلف عن باقي السير في كونها تقوم على الشعر مقابل التكوين النثري لباقي السير، مثل عنترة وسيف بن دي يزن وذات الهمة، إلا أن مع الغالبية الشعرية المكونة للسيرة الهلالية يخالطها بعض النثر، الذي يرجعه المحاضر إلى خلفية مشرقية نتيجة أن السيرة في الشام ومصر كانت سابقة النضوج نثريا عنها في المغرب العربي، وتحديدا ليبيا.

علي برهانة يحاضر في دار المجاهد حول سيرة بني هلال، أكتوبر 2025. (الإنترنت)
علي برهانة يحاضر في دار المجاهد حول سيرة بني هلال، أكتوبر 2025. (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
الفنان جمال الشريف ينجز جدارية «رواد الفكر التربوي» لمدرسة النابغة الصغير الدولية
الفنان جمال الشريف ينجز جدارية «رواد الفكر التربوي» لمدرسة ...
شون بن يعتزم إخراج فيلم عن اقتحام الكابيتول
شون بن يعتزم إخراج فيلم عن اقتحام الكابيتول
البرتغالية ليديا خورخي تتوج بجائزة الدولة النمساوية للأدب الأوروبي للعام 2026
البرتغالية ليديا خورخي تتوج بجائزة الدولة النمساوية للأدب ...
إطلاق اسم جودي دنش على مسرح «شافتسبري» في وست إند بلندن
إطلاق اسم جودي دنش على مسرح «شافتسبري» في وست إند بلندن
مجمع اللغة العربية ينظم محاضرة علمية حول التناسب الإيقاعي بين سور القرآن الكريم
مجمع اللغة العربية ينظم محاضرة علمية حول التناسب الإيقاعي بين سور...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم