Atwasat

الكاتب العراقي زيد الشهيد يحكي «أعوامه الليبية»

طرابلس - بوابة الوسط الجمعة 23 مايو 2025, 07:55 صباحا

يسرد الكاتب والناقد العراقي زيد الشهيد في كتابه «أعوامي في ليبيا 1998-2004»، من إصدارات «بلد الطيوب»، جانبا من علاقته الوجدانية والأدبية مع المكان والشخوص عندما كان مقيما في ليبيا خلال السنوات «1998-2004»، وكيف يرى تلك السنون عبر مرآة الذاكرة بين سوكنة وودان والفقهاء والهروج وطرابلس، حيث يرى أن النص يبقى هلاما بلا أبعاد ولا مقاسات إذا خلا من أبجديات المكان، ولا يمكن تصور عالم بلا ملامح أو سحنات إن لم يكن للمكان وجود في تشكله، فهو (أي المكان)، كما يصف الشهيد، مرتكز أساسي لفحوى الاستغراق بتضاريس السير وجغرافية التشبث، والأدب كأحد مناهل المعرفة والتأريخ ما زال من أكثر التدوينات الإنسانية تشبثا بالمكان.

BCD Ad BCD Ad

كقطع فيسفساء ينثر الكاتب العراقي نفائس ذكرياته، لينظم لوحة عن طرابلس التي يصف معالمها بلغة شعرية، متنقلا بين الشاطئ والمدينة، متخذا من البحر مدخلا إلى عالمها، حيث يتكئ عند المرسى لتضمه طرابلس بمعطف أنفاسها، وكذا الزوارق الصيادة تتحاذى، والصيادون منهمكون يعدون الشباك استعدادا للنداء الأزلي، بينما العائدون تتألق عيونهم بفرحين: فرح العودة محملين بأجنحة السلام والشوق لمن ينتظرهم، وفرح الامتلاء الذي تضج به أرحام زوارقهم.

طرابلس التي فتنت البحارة بمعمارها
يضيف الشهيد: «طرابلس تمارس غوايتها الجغرافية وزينتها العمرانية للبحارة المجبرين على الوقوف بعيدا، والتطلع لمفاتنها الرخية حيث المدينة القديمة بأقواسها ومناراتها وسورها وأزقتها وأسرارها وخلجات دواخلها، ثم أترك البحر ورائي لألتقي قوسا حجريا أثريا (قوس ماركوس أورلويوس) يعلو متصاعدا، لكنه يتقزم حيال المشيدات البنائية العائدة لأعوام قليلة خلت. تستوقفني المهارة الحفرية على المسوح السطحية التي تكتسي شوائب الزمن الغابر».

- للاطلاع على العدد «496» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

ومن القوس تنقلنا ذاكرة الكاتب إلى الغزالة التي تحتل حيزا دائريا يضمها، والفتاة القرينة بهيئة نافورة التي تتوسط تقاطعات طرق، تناهض البحر كرؤية أزلية كون البحر ضاما لكثيف الأملاح، بينما الغزال كالعادة كالمتبع كالغريزة يهوى الأمواه المازجة خضار الأرض بزرقة السماء، والفتاة تتكئ على جانب الغزالة، تحتمي بها من غواية البحر، من نداء الشاطئ، من رغبة اكتشاف سر الأعماق، والفتاة والغزالة والنافورة المسيجة بخمسة أبراج نخيلية تعيش حالة الإخضرار والماء، وهي متطلبات الديمومة في الجفاء الصحراوي، البيئة اليقينية لمخلوق رهيف كالغزال.

يترك زيد الشهيد الغزالة ليصافح الكاتدرائية بميدان الجزائر، متجها إلى فندق الصفاء، الذي شهد في ردهاته أحاديث الصباح والمساء بين الشعر والأدب، حيث وجوه تستقبل ومناضد تنتظر ونافورة تحث على الاقتراب ونسمات غسقية ترتدي نسمات البحر الفتية، بالإضافة إلى أن أكواب القهوة العربية وعلب المشروبات الغازية كافية لإضفاء الحميمية، وبث عطر البهاء الشدي، وتجالس الموتى من المبدعين على ألسنة الأحياء الخلاقين، وتمزج أسماء «أديث استويل - المتنبي - الطيب صالح - نجيب محفوظ - جورج أورويل - يعدي يوسف - أحمد إبراهيم الفقيه - جوتة - أدونيس - مفتاح العماري - جمال الغيطاني».

يواصل الكاتب: «في أحد لقاءات التعارف بالمقهى، ألتقي الروائي أحمد إبراهيم الفقيه، فيخبرني استقباله ببشاشة تلغي صرامة تحملها صوره المنتشرة على صفحات الصحف والمجلات، وتجمعني المصادفة بالقاص كامل المقهور، فاكتشف فيه تواضعه الذي يسبق بناءه القصصي الشهير، ويدعوني إلى زيارة مكتبه، فأعده بامتنان. بيد أن الزيارة لم تتم، لأن شخوص (الأمس المشنوق) سرقوني من لقائه بأنانية مفرطة، وقيدوني حبيسا طيلة وجودي في طرابلس».

ذكريات في ميدان الشهداء
في ميدان الشهداء يحتضن بصر الكاتب النافورة التي تأخذ شكل هرة عباد الشمس، تحملها رؤوس أربع لأحصنة تطلق صهيلا صامتا يتوارى تحت نثيث الماء المندفع، زغب نافر يؤلف سورا دائريا تحيطه الأوراق الطويلة المنحنية بتراخٍ هرموني. وفي حين يعرب الشهيد عن اندهاشه من جمالها للشاعر عبدالرزاق الماعزي، الذي أخذه في جولة إلى الميدان، ثم إلى حواري طرابلس، يجيب الماعزي: «ثمة خمس عشرة نخلة تنتصب وتعلو هي شواهد لشهداء أرخ إعدامهم ثبوتية الساحة، وخلف لهم رؤية أبدية وأرواحا طائفة.. ألا تتلمسها؟».

تنحدر ذكريات الكاتب زيد الشهيد صوب الجفرة حيث إيقاع جغرافي متشكل على اتساع تستفزه شذرات خضر مموهة بسوائل مائية، تولدها آبار من مد سحري يهب طراوة تقاوم قسوة الجفاف، ملامح تتعالى فوق قبح الأخاديد واللفح، وهي جغرافية كما يصفها الكاتب تتباهى بتضاريس تحمل الأضداد، وتجمع نقيض التواجدات. ويقول: «كان لي معها شوط من زمن وجملة من أسرار». وفي حين يحاول الكاتب نسج شكل افتراضي للواحة، وهو «يركب البيجو متجها إليها يطالعه من الزجاج مشهد مدينة عصرية ناهضة من جوف امتداد رملي، ترتدي فستانا من نخيل دكين الكثافة، مزقت داخله تلك الواحة البدائية رامية إياه في خانة التصحيح، ليدرك أنه أمام مدينة هون، مركز شعبية الجفرة، كما وصفها جليسه في سيارة البيجو».

- للاطلاع على العدد «496» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

يضيف زيد: «سيرى الداخل إلى الواحات والقرى والمدن أن لها وجهين: وجه عصري حديث وآخر تهالكي قديم، وعندما أتحدث عن هون كتجربة وأنموذج، فإن ذلك ينسحب على جميع واحات الجفرة، فالتطلع إلى الحداثة رغبة ساورت الكل، وما حصل في هون هو نفسه ما حصل في ودان أو سوكنة وزلة والفقهاء».

وسط سحر الواحة يستنهض الكاتب شيئا من التاريخ، مستمعا إلى أشعار الراحلة فاطمة بن عثمان في قصيدتها الوثيقة «خرابين يا وطن» إثر إعدام كوكبة من المجاهدين على يد المستعمر الإيطالي، ثم مطلا على إبداعات «أبو الحسن الوداني» كشاعر يؤرخ لواحة ودان حقبة من وجودها، ولن يكون بعيدا أيضا عن بطولات الثائر «علي الزوام»، من زلة، الذي أعدمته القوات الإيطالية الغازية رميا بالرصاص. كما يناظر بصر الشهيد معركة «عافية» على مشارف سوكنة، لتحكي سفرا من أسفار الجهاد الليبي.

ولا ينسى الكاتب زيد الشهيد الإشارة إلى ما منحه هذا الفضاء المفتوح من فيض تدويني يصله بدوحة الأدب وشخوصها في الجفرة، من كتاب وشعراء، حيث ممارسة فرضيات التحاور وحلبة المقاربات.

غلاف كتاب «أعوامي في ليبيا». (الإنترنت)
غلاف كتاب «أعوامي في ليبيا». (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
إطلاق اسم جودي دنش على مسرح «شافتسبري» في وست إند بلندن
إطلاق اسم جودي دنش على مسرح «شافتسبري» في وست إند بلندن
مجمع اللغة العربية ينظم محاضرة علمية حول التناسب الإيقاعي بين سور القرآن الكريم
مجمع اللغة العربية ينظم محاضرة علمية حول التناسب الإيقاعي بين سور...
صدور النسخة الإنجليزية من رواية «المطر الأحمر» للكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم
صدور النسخة الإنجليزية من رواية «المطر الأحمر» للكاتب الليبي عيسى...
رحيل الفنان المصري محمد مرزبان إثر حادث سير مروع عن 64 عاما
رحيل الفنان المصري محمد مرزبان إثر حادث سير مروع عن 64 عاما
الدورة الخامسة لمعرض بنغازي الدولي للكتاب 2026 تنطلق نوفمبر المقبل
الدورة الخامسة لمعرض بنغازي الدولي للكتاب 2026 تنطلق نوفمبر ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم