Atwasat

ثنائية تحكي تاريخ العلاقة بين روح الكتابة ونص المشرع

طرابلس - بوابة الوسط الجمعة 14 مارس 2025, 09:50 صباحا

لا تنتهي تأثيرات النص الأدبي عند القارئ فقط لكنها تتمدد في فروع عدة، منها ما هو اجتماعي ونفسي واقتصادي، ولعل أبرزها ما هو قانوني حيث يتشابك تاريخ الأخير مع تاريخ الأدب شخوصاً وكتابة.

BCD Ad BCD Ad

للاقتراب من تاريخ هذه العلاقة كان للدكتور الهادي بوحمرة، محاضرة في قاعة المحاضرات بمتحف ليبيا 5 مارس الجاري تبحث في علاقة القانون بالأدب. متناولا الأسس والعناصر الأدبية التي يستند عليها المشتغلون في مجال القانون.

بوحمرة استهل محاضرته التي جاءت ضمن برنامج ثنائيات برعاية النيابة العامة بالحديث من باب الإشارة عن المجالات التي يتشابك معها علم القانون، منها علاقته بالشريعة من حيث مقاصدها وأحكامها، وتتعدى هذه العلاقة إلى الشرائع الدينية جميعها، كما في المسيحية، ويعلق بوحمرة: أتذكر عندما كنت أدرس في فرنسا استمعنا إلى دراسة لنيل شهادة الماجستير عن الجذور الكاثوليكية للقانون الفرنسي.

وضمن هذه الجسور يذكر المحاضر العلاقة البينية بين القانون وعلم الاجتماع. وأحد مظاهرها علم الاجتماع الجنائي، كذلك علاقة القانون بعلم النفس، وأهم مظاهرها علم النفس الجنائي. وينسحب ذلك على علوم الاقتصاد وغيره.

وحول ثنائية الأدب والقانون يشير الدكتور بوحمرة إلى أن أولى السمات في ذلك علاقة القانون بالبيان وفصاحة اللسان وما يختص بصياغة النصوص القانونية والأحكام القضائية، وفن المرافعة إضافة إلى مهارة الإيضاح والإقناع.

أعمال أدبية ومدونات قانونية
ويواصل بوحمرة: يترسخ في ذهنية الدارسين للقانون أنه لكي يكون القانوني ماهراً يجب أن يكون على وجه من الوجوه أديباً أو قريباً من الأدب، أي يجب ألا ينغلق القانوني في المدونات القانونية الفقهية وعليه الانفتاح على الأعمال الأدبية، والمعروف أن أغلب المحامين المهرة قارئون للأدب.

مضيفاً أن القانوني يسعفه الأدب في توظيف اللغة توظيفاً جيداً وما يتطلب ذلك من وفرة الكلمات واستخدام المترادفات والصور البيانية والفنون البلاغية.

وأردف: أن الأهمية تظهر عند مقارنة نصوص بنصوص ومحاضر بمحاضر وأحكام بأحكام، حيث تبرز أهمية الأدب في الصياغة القانونية، إذ يشكل فقر الإلمام به ضبابية المعلومة ولا تعكس الواقع بشكل جيد وهذا يؤثر في تحقيقات النيابة العامة ويؤثر كذلك في الأحكام القضائية.

- للاطلاع على العدد «486» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

الملاحظ كما يقول بوحمرة تفوق القانونيين الأدباء كعدد على المهندسين الأدباء والأطباء الأدباء، والنظر في سير الفقهاء تبين هذه الميزة مثال ذلك الإمام علي بن أبي طالب في (نهج البلاغة) والإمام الشافعي، كذلك الشيخ علي الطنطاوي، ولدينا في ليبيا الأديب كامل المقهور وغيره من القانونيين، في مقابل أن الوقائع الجنائية والمنازعات المدنية وقضايا الأحوال الشخصية هي مادة دسمة للأعمال الأدبية.

وأوضح بوحمرة أن الأعمال الأدبية تعتبر مراجع هامة جداً للمحامين والقضاة والمشرعين ويرجع ذلك ربما لأنها أكثر قدرة على فحص النصوص التشريعية ومرد ذلك أن الأديب طليق الفكر والقلم في مقابل أن القانوني مقيد ومؤطر، وبالتالي الأعمال الأدبية توضح عوار القانون بشكل أكثر عمقاً من الكتابة القانونية وتوضح إذا كان هناك اختلالات في التوازنات داخل القانون، إذ يتضح من خلال قراءة العمل القانوني أن الخلل في التوازن الذي يجب أن يكون في القانون بين الرحمة والصرامة والتسامح والردع وما بين العفو والقصاص وهي خصائص يستطيع الأديب إظهارها بشكل أكثر مهارة من القانون.

مداخل إلى الطبيعة الإنسانية
ويؤكد بوحمرة أن الأعمال الأدبية تمثل مداخل للطبيعة الإنسانية، تساعد على تحديد دوافع السلوك وتقدير وسائل الردع وتعزيز السلوك وتعبر عن النفس البشرية بشكل آخر فمثلا نرى في رواية (الجريمة والعقاب) دقة تعبير عن النفس البشرية لا يمكن أن يتوصل لها قانوني أو إبراز الصراع العميق بين النكران والاعتراف.

وواصل بوحمرة: لا يمكننا إغفال أدب السجون ودوره في أنسنة القوانين، مثال ذلك رواية (شرق المتوسط) لعبدالرحمن منيف و(تلك العتمة الظاهرة) فهي تناقش الجانب الإنساني في مواجهة استبداد النص القانوني إلى مجال أكثر مراعاة للمشاعر الإنسانية.

في تذكير آخر يشير المحاضر أن كثيراً من الأساطير الأدبية أنشأت نظماً قانونية وكانت سبباً في إنشاء قواعد قانونية، مشيراً إلى أن النظم القانونية التي يدرسها ليست من إنشاء القانونيين وإنما زرعت بذورها في أعمال أدبية فلسفية ثم تطورت وأصبحت مبادئ قانونية، فالمحرك الأساسي إذن هو الأعمال الأدبية والفلسفية.

ومن جانب آخر يشير بوحمرة إلى قدرة العمل الأدبي على زرع بذور الشك في النص القانوني أو بذور الإصلاحات في العمل القانوني كذلك وربما يزرع الثورة داخل منظومة التشريع، ونرى في رواية (عدالة ضد القانون) للكاتب رأفت علام مثلا طرحها لمسألة رتابة أو بطء العدالة، أي أن العدالة خارج القانون وليست داخله، ونجد أن قصصاً تحولت إلى افلام سينمائية أعادت مسائل قانونية للفحص من جديد كما في فلم (جعلوني مجرما) الذي طرح قضايا قانونية عميقة يصعب على القانوني طرحها بهذا العمق.

- للاطلاع على العدد «486» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

وتذهب ثنائية العلاقة بين المجالين إلى إنكار جميل للواقع من زاوية الأدب بينما الأسلوب القانوني واضح ومحدد ومبني على تسلسل هرمي صارم قد يوصف أيضاً بالجمود، وفي المقابل قد يوظف الأسلوب الأدبي للتخفيف من هذه الحدة، وللعلم فإن الأسلوب القانوني بهذه الصرامة يجعل الحقيقة القانونية قد تتناقض مع الحقيقة الواقعية وبالتالي نحتاج للتخفيف من حدة أو صرامة هذا الأسلوب القانوني لتقريب الحقيقة القانونية من الحقيقة الواقعية، ونحن نحتاج أسلوباً قانونياً يجعل الناس تفهم النص القانوني، فالنصوص القانونية حاليا تصاغ بأسلوب صارم يصعب على الإنسان العادي فهمه، وربما معقد حتى لبعض القانونيين، وبالتالي كيف نفهم جملة (لا يحتج بالجهل بالقانون).

يضيف بوحمرة: وظيفة الحكم القضائي إقناع الخصوم بالعدالة وهذا لا يأتي بأسلوب بارد وجاف وحاد من الصعب جدا إقناع الخصم به، وهنا نحتاج لتضمين الأسلوب القانوني بالأدبي أو حتى لرفع الواقع بشكل جيد. نحتاج الأسلوب الأدبي لذلك.

لكن يجب ألا يطغى الأسلوب الأدبي على القانوني كما في بعض الأحكام التي نشاهدها تبث على اليوتيوب وهذا يجعل الحكم القضائي مطبوعاً بطابع فردي ويجعل ذاتية القاضي تطغى على الحكم وقد يؤدي ذلك إلى انتهاك مبادئ ذات طبيعة دستورية مثل مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ الشرعية ويجعل القاضي يخرج عن حدود السلطة التقديرية الممنوحة له.

وبالتالي يجب أن تكون الموازنة قائمة على سؤال: كيف يمكن للأسلوب الأدبي دعم الأسلوب القانوني لتحقيق أهداف القانون دون أن يكون هناك طغيان أو تجاوز أي دون أن يسلك القاضي مسارات هي للأدباء الفلاسفة.

وعن العلاقة بين الخيال الأدبي والقانون يشير بوحمرة إلى أن القانوني قد يلجأ للخيال لحل إشكاليات لكن بهدف محدد فمثلا فكرة العقد الاجتماعي فكرة خيالية بهدف تأسيس نظام دستوري محدد أو لبناء الدولة الحديثة، أيضا فكرة الشخص المعنوي فهي في الأصل فكرة خيالية، ويبقى السؤال هل يمكن الاستفادة من التراكمية في الخيال الأدبي لتطوير الدراسات القانونية واستشراف المستقبل؟ نحن نمر بتحولات سياسية واجتماعية وتقنية، ولا نعرف ما الذي سيحدث مستقبلا في إشكاليات مهمة جداً كالذكاء الصناعي، والمسؤولية الجنائية في الذكاء الصناعي والحماية القانونية المتعلقة به وهنا يمكن الاستفادة من الخيال الأدبي بالخصوص.

من موت المؤلف إلى موت المشرع
بوحمرة ينتقل للحديث عن نظرية موت المشرع والتي جاءت امتداداً لنظرية موت المؤلف، ولكن قبل كل ذلك يجب الإشارة إلى مسألة التناص في العمل الأدبي وهو أن العمل الأدبي امتصاص لنصوص أخرى؛ إذ لا وجود لنص ينشأ من فراغ وبالتالي لا وجود لمؤلف النص وإنما كاتب النص وهنا ظهرت فكرة موت المؤلف، وهي فكرة يستعملها القانونيون للتحول بالتفسير إلى ما بعد الحداثة، وبالتالي بدل الانغلاق في المبادئ التقليدية للقانون ظهرت فكرة موت المشرع، أي أن المشرع يموت بمجرد ظهور النص، وبذا فالقاضي يفسر النص وفقا لمبادئ متعالية. وهنا تحرر النص وأصبح القاضي هو سيد الموقف.

جانب من المستعمين للمحاضرة، 5 مارس 2025. (الإنترنت)
جانب من المستعمين للمحاضرة، 5 مارس 2025. (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
معرض في كازاخستان يحيي عبقرية ليوناردو دا فينشي باختراعات تفاعلية
معرض في كازاخستان يحيي عبقرية ليوناردو دا فينشي باختراعات تفاعلية
وفاة الفنان البريطاني ديفيد هوكني عن 88 عاما
وفاة الفنان البريطاني ديفيد هوكني عن 88 عاما
عن الرسام (هنري لوتروك) وملصق الـ «مولان روج».
عن الرسام (هنري لوتروك) وملصق الـ «مولان روج».
النيابة العامة الفرنسية تطلب سجن ستة جورجيين في قضية سرقة كتب ثمينة
النيابة العامة الفرنسية تطلب سجن ستة جورجيين في قضية سرقة كتب ...
ترميم لوحات جدارية تجسد حياة القديس فرنسيس الأسيزي في إحدى كنائس فلورنسا
ترميم لوحات جدارية تجسد حياة القديس فرنسيس الأسيزي في إحدى كنائس ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم