معظم المشككين في نوايا بعض جوائز الرواية العربية يتساءلون: لماذا تراجعت جوائز الإبداع الشعري والقصصي لتتصدر «الرواية» الجوائز الأدبية لأكثر من ثلاثة عقود متتالية شهدت حصادات سنوية باذخة؟! حتى باتت ظاهرة تبدو مريبة تزامنت مع ظاهرة انتشار كتابة الرواية التي اقتحم أسوارها هُواة لم يسبق لهم تجربة الحياة والمغامرة، بل وجدوا المجال مفتوحاً على الكتابة السطحية، وتعريفها سرداً أدبياً، بل تسميتها دون خجل أعمالاً روائية، والأدهى وجدت طريقها إلى النشر والبيان بأغلفة أنيقة، وصفحات من هذيان!
كان لغياب الصحافة الثقافية الورقية، التي ازدهرت في الوطن العربي والمَهاجر خلال عقودٍ خلت، الأثر الكبير في تراجع الحركة النقدية التي عجزت عن إيجاد منابر بديلة عن تلك الصحافة، فلجأ النقّاد الأكاديميّون إلى جامعاتهم بأبحاثهم المغلقة على علوم اللغة والأدب والفلسفة والاجتماع، وذهب البقية إلى صحافة إلكترونية لم تحقّق الكفاية المبتغاة من المتابعات النقدية كما العهد بالصحافة الورقية ، التي انتهت سريعاً مع التوتّرات والحروب والأزمات السياسية العربية في وقت اندلاع الثورة الرقمية، وغلاء أسعار الورق، ما أثر على أعمال الطباعة وإنتاج الصُحف والمجلات.
- اقرأ الحلقات السابقة من سلسلة «أدب الجوائز»
ومع الثورة الرقمية التي فتحت شهية الإعلان التجاري، العابر والمموّل، أضحت معظم الإنتاجات الرقمية سليلة ثقافة ربحية جديدة، ابتعدت في تعاملاتها ومقاصدها عن القيم المعنوية والأخلاقية المتوارثة التي كان ينتجها العقل في حياة الناس عندما كان الأدب والفن داعمين أساسيّين للفكر والتأمُّل العميق، ومن أولويّات الاهتمام البشري المكوِّن الأهم لشخصيّة الأفراد والجماعات التي تشكّلت طبيعياً في مسالك دروب تفاعلت بأحاسيس وجدانهم وأحلامهم وطموحاتهم في الحياة، وهي المكتسب الوجودي الأهم لحياتهم وهُويّاتهم الثقافية، ودونها سيصبحون مُجرّد سلعٍ راكدة لا تبعث على الحياة، عُرضة للتلف، وتنتهي بتاريخ صلاحية صانعها الرقمي!
لقد خسرنا الكثير من القِيم دون أن نحسب نتائج ثورة الرقم على الحرف، فابتهجنا لوهلة بهذا العِلم العجيب لتطوير الوسائط والأدوات، لكنّنا في هذه اللحظة خضعنا لإراداتها الكاسحة مرغمين، فكانت النتيجة اختفاء الصحيفة من أيدينا في الصّباح، ولم يكن بإمكاننا الترحيب بكثافة أضواء الحواسيب العاملة بالكهرباء، وهو الأمر الذي أطفأ في وجداننا روعة القراءة تحت ضوء الشموع!
من جوعنا لا ننام
مع الزمن، ونحن ندري، أدركنا أن المعضلة تكمن في كيفية التعامل مع هذه الثورة العلمية العارمة التي لم نصنعها ولم نشارك في صنعها، وكُنّا لها المستهلكين، فقلبت حياتنا، لأننا غير قادرين على استيعابها والتعامل معها باعتبارنا مجتمعات صغيرة متخلّفة حضارياً وبلا كهرباء، والتعليم فيها ما زال بدائياً في الأدوات ومتخلّفاً في الأداء، وأرضنا جرداء بلا زرع، وتحكمنا القبيلة، ولا أحلام لنا، لأننا من جوعنا لا ننام.
أمام كُل ذلك فنحن بكُل تأكيد أمّة عاجزة، لا نستطيع حتى مواكبة الحداثة الغربية، لا مقارعتها، في ثوراتها العلمية، فكيف لنا أن نحتفي بجوائز من إنتاج العقل المستلب، ونصفّق للفائزين عن خسارتهم!
نحن دون ادعاء لدينا المواد الخام النابعة من التاريخ التليد والتراث الثقافي الإنساني العظيم، ولكنّنا في الراهن المعرفي لا نملك وسائل تصنيعها، للاستفادة منها وتصديرها، تماماً كما حالنا مع النفط الذي نملكه خاماً جارياً، ليأتينا مُصنّعاً من أوروبا في براميل أفرغناها على مواقد الطهي ثم استخدمناها للقمامة. لقد امتلكنا كُل شيء، ولكنّنا في المقابل خسرنا كُل شيء بمُجرّد أننا قصدنا عادات الغرب على حساب ذاتنا المفقودة في الشرق.
غياب «النقد - العقل»
وهذا أيضاً كان بسبب غياب «النقد - العقل».. وهي القيمة الأهم في حياة المجتمعات التي تخسر ذاتها باعتمادها على مؤشرات الآخر، مالك التقنية وصانع الحداثة، والقادر على تغيير رؤوسنا في عالم الثورات العلمية. لقد منح الغرب جائزة «نوبل» لعبقرية المصري «أحمد زويل»، وقالوا له شكراً، والنتيجة أن الغرب استفاد من نظرية زويل، بينما نحن في مكاننا نستهلك من ثمرات علمنا الذي لا نعرفه!
كُل جائزة وقيمتها في ذاكرة العقل البشري، عندنا وعندهم، وهناك من الجوائز التي تحيي مبدعيها، ومثلها التي تميتهم، وعربياً نأسف لظواهر هرطقية ما كانت لتظهر لولا غياب «النقد - العقل» الذي كان بإمكانه بلوغ المعرفة، وردع الانفلات العقلي الذي طال جوهر الفكر وإنجازاته المعرفية.
عند حدود هذه المعرفة بأخلاق الأدب وجوائزه يمكننا مراجعة أنفسنا قليلاً، وأن نسأل: لماذا تعتني المؤسسات المانحة بجوائز الرواية دون سواها من الإبداعات الأدبية الأخرى؟. وهنا قد لا يكون الجواب شافياً، لاعتبارات كثيرة، ولكن يمكننا تقدير أن الرواية هي وعاء المجتمع بقضاياه المُختلفة وإرهاصاته وفقره وجوعه وثوراته وعيوبه وأخلاقه وحلاله وحرامه وظلامه وسجنه وضياعه وتطلعاته وآماله وطموحاته، لذلك وجدت تلك الدوائر المشبوهة، المؤسِّسة للجوائز، ضالتها في الرواية العربية «الاجتماعية»، استكمالاً لمشروع الاستشراق القديم المُتجدِّد بحسب المتغيِّرات البيئية للمجتمع، ومراحل تطوّره وتأثّره وتأثيره في محيطه العربي والإقليمي.
ولقد لاحظنا صدور روايات سطحية هزيلة، خرجت عن مضمون المسكوت عنه بتناول قضايا مزعومة غير واقعية، أساءت للدين والهُويّات الثقافية للمجتمعات، وهي من النماذج «المطلوبة» لنيل الجائزة والترويج لها بادّعاء جرأتها النقدية، وقدرتها على تعرية المجتمع، وكشف المسكوت عنه، وتكون الجائزة مجزية أكثر في حال كانت هذه الرواية ممنوعة أصلاً من التداول في بلدها، فيزيد الطلب على طباعتها وترجمتها والدعاية لها، ومنحها المزيد من الجوائز.
تجربة «محمد شكري» الصادمة
في هذا السياق «التجريدي» كانت تجربة المغربي «محمد شكري» صادمة في رائعته الواقعية «الخبز الحافي»، التي كانت نموذجاً للتشرُّد والذات الضائعة. وتوصف «الخبز الحافي» منذ صدورها بـ«الرواية سيئة السمعة». وكان شكري مثقّفاً عصامياً، تعلّم فك الحرف وهو كبير، وكانت تجربته القاسية في الحياة علامة فارقة، جعلته دون أبناء جيله يبوح بأسرار حياته الضائعة، والظفر بتحقيق سيرة ذاتية جريئة قلّ نظيرها في الأدب العربي والعالمي. لكن تجربة محمد شكري لن تتكرّر، وإن تكرّرت فستكون تكراراً بلا قيمة، وهذا ما حدث لسواه من هواة الكتابة في زمن غير الزمن، وكانوا طُعماً، وهُم لا يدرون، لأهداف «استشراقية» خفيّة ساقتهم إليها جائزة رخيصة، كانت هي الثمن لخيانة الأخلاق!
سالم الهنداوي
تعليقات