Atwasat

أدب الجوائز! (15)

القاهرة - بوابة الوسط الخميس 31 أكتوبر 2024, 04:22 مساء

كان معظم الأدباء العرب الكِبار، على الرغم من ظروفهم المعيشية وحالات العوز التي تكتنف البعض، إلّا أنهم لا يعيرون اهتماماً بالقيمة المالية لهذه الجوائز، بل وينظرون لمالكيها، دولاً ومؤسسات، بأنفة المثقّف الحقيقي، بعكس معظم الأدباء الشباب الذين يسعون حثيثاً للكسب المالي والشهرة. وبأي ثمن.. فكانت «الوليمة» جاهزة دائماً على منصّات الفوز، في غياب المعايير النقدية المحكمة ومع انتشار حالات الفساد الثقافي الذي تمارسه بعض لجان التحكيم، خاصة تلك الواقعة في منطقة الخليج بتمظهرات التغريب ومجاراة الحداثة الأوروبية بنسخ بعض جوائزها الدولية وتوظيفها إلى «المقامرة» العربية بتأهيل الأعمال السطحيّة على الأعمال الجادّة، والتي نعتقدها، في ظل غياب المؤسّسة الثقافية الرادعة، محاولة مدسوسة ومُرتَهَنة لتسطيح الجهد الأدبي العربي ونشر التفاهات التي بالتأكيد تليق بمستوى التفكير السطحي لأمراء الثقافة الذين يعلون بحساب تفاهات السوق نقيضاً للروح المُبدعة، فكان لها ما تريد في زهاء عقدين أو أكثر من الزمن في المقامرة بالأدب والثقافة والهُوية، وخيانة المبادئ!

BCD Ad BCD Ad

 لقد راهن أصحاب هذه الجوائز «الأميرية» على حاجة الأدباء الشباب للمال، فمنحوهم المال وأخذوا منهم أرواحهم المُبدعة، لينتهوا بأعمالهم اليتيمة على أعتاب رحلة إبداع لم تبدأ بعد، وليكون النفخ فيهم فارغاً بعد ذلك وقد تشدّقوا بالمال على بريق غلاف السيلوفان الوحيد لهم، شعراً وقصّة ورواية.

 اقرأ الحلقات السابقة من سلسلة «أدب الجوائز»

 هذا من وجهة نظرنا التقييمية لما أضحت عليه الجوائز الأدبية، لكن الروائي المغربي «عبد الواحد استيتو» ينظر للأمر من وجهة أخرى، إذ يرى أنه لا ضير من مثل هذه الجوائز، ويتساءل عن جدوى النظرة الطوباوية للكتابة لدى البعض، وكأن الكاتب لا يأكل الطعام ولا يمشي في الأسواق، وبالتالي هو ليس من حقه أن يكون له طموح مادي من وراء كتاباته، وإن كنا نتفق أنها ليست بالضرورة الهدف الأول من الكتابة. ويضيف «استيتو»: «الجوائز في العالم العربي من وجهة نظري هي بمثابة منحة إنتاجية، منحة تفرُّغ.. هي تمكّن الفائز بها من نسيان الهمّ اليومي لفترة والتفكير في الكتابة المُبدعة، وهذا لا يتأتى من دون راحة مادية تكفلها أحياناً بعض الجوائز الدسمة، خصوصاً أننا نعرف وضعية الكاتب والمُبدع العربي عموماً.. ويضيف: «فلماذا نكذب على أنفسنا وندّعي مثالية تبدو غير عقلانية بالمرّة؟ بل في نظري من الأفضل أن تتضاعف هذه الجوائز مرّات ومرّات، كي تزداد فرص فوز أكبر عدد من الكُتّاب، وكي نعيد للكُتب والكاتب قيمتهما التي فُقدت. لو كانت نسبة القراءة في العالم العربي مرتفعة لربما كان الوضع سيكون مختلفاً، لأنه عندها سيكون البقاء لـ«الأكثر مبيعاً»، وبالتالي الأكثر دخلاً، والحُكم الأول والأخير سيكون للجمهور القارئ، كما هو الحال في الدول الغربية.. أمّا والحالة هاته، فليس للكاتب العربي سوى الجوائز، لعلّها تعيد له بعضاً من جهده وقيمته».

 فضائح الجوائز ولجان التحكيم
وعن فضائح الجوائز ولجان التحكيم كما ورد في تحقيق ثقافي أعدّه الروائي المصري «محمد عبدالرحيم» تبدو الشبهات واضحة للمتابعين من الأدباء والنقّاد والقُرّاء على حدٍّ سواء، فيتحدّث الروائي المصري «رؤوف مسعد» عن تجربته الشخصية مع الجوائز، عن طبيعة لجانها والأعمال الفائزة، فيقول: «إن الحديث والكتابة عن الجوائز، خاصة تلك العربية المتعلقة بالإبداع المكتوب أمرٌ حسّاس ويثير كثيراً من الالتباس لدى المتلقي، خاصة لو صدر عن كاتب مثلي لم ينل طوال حياته الأدبية التي تقارب النصف قرن سوى جائزة واحدة هي جائز الترجمة من اتحاد الكُتّاب المصريين. وكنتُ تقدّمتُ منذ أكثر من عشر سنوات بروايتي «بيضة النعامة» إلى جائزة «العويس»، فلم أصل حتى إلى القائمة القصيرة؛ فقرّرتُ بعدها عدم التقدُّم إلى جائزة الرواية أو القصة القصيرة.. وبغض النظر عن «الأسباب السرّية» لعدم فوز روايتي بجائزة العويس، إلّا أنني أستطيع أن أخمِّن بعض الأسباب التي لم تعلنها لجنة التحكيم في روايتي التي أعيدت طباعتها عدّة مرّات وتمّت ترجمتها إلى خمس لُغات، ممّا ينفي مصداقية لجان التحكيم التي تنفجر أزماتها علانية بين وقت وآخر. ويعتبر «رؤوف مسعد» وجود الجوائز، بغض النظر عن أسباب وجودها، ميزة يجب أن نطورها نحن من ينتقدها، حتى نحوّلها إلى ما نتمنّاه لها من قيمة أدبية ومعنوية. فجوائز كهذه في عالمنا العربي يجب أن تكون ميزة وليست نقيصة، لأن الوضع الثقافي المتدنّي في بلادنا العربية ينعكس بالضرورة على المبدعين حتى لو حاولوا السباحة ضد التيار السائد، الذي يتم تقييمه بجوائز عالية القيمة مالياً، ممّا يخلق بالتأكيد نموذجاً لا نريد له السيادة الثقافية ..نموذج الأدب السطحي «الكيتش» الذي وصفه «كونديرا» بأنه يشبه الأدب!.. علينا إذن أن نكتشف «صراطنا المستقيم» في تقييمنا هذا، وأن لا نحيد عنه حتى لا نسقط يميناً فنقول ليس في الإمكان أبدع ممّا كان، ولا نسقط يساراً فننتقد ونطالب بالإلغاء باعتبار الجوائز رجساً من عمل الشيطان!

 الناقد والمترجم السوري «بدرالدين عرودكي» يتساءل بدوره عن الجوائز التي تمنح اليوم في العالم العربي، من حيث اختلافها وبالتالي طريقة استقبال الفائز بها وتبعات ذلك، فيرى أن هناك بصورة عامة الجوائز التي تمنحها الدولة لكُتّابها وفنانيها وعلمائها بعد مسار حافل بالعطاء والإبداع، تتويجاً لسنوات من جهد أعطى ثماره ونال ما يستحقه من احترام الجمهور واعترافه. وهناك الجوائز التي تمنحها، إما مؤسسات عامة تابعة للدولة، أو مؤسسات خاصة أو ذات طابع خاص أو شبه رسمية عن عمل أو مجموعة من الأعمال في مجال الإبداع الأدبي، في الرواية أو في الشعر أو في البحث، وكذلك في مجال الترجمة. وإذا كانت الجوائز الأولى التي تمنحها الدولة لا تضيف شيئاً سوى تسجيل الاعتراف العام بصورة رسمية بمسار فني تحقق وفرض نفسه في الحياة الثقافية أو الفكرية أو الفنية وكان له جمهوره، فإن الجوائز الأخرى ليست بالضرورة كذلك، فهي تستهدف عموماً التعبير عن اعتراف بهذه الموهبة أو تلك في مجال الإبداع الأدبي بما يكفل التعريف بالكاتب روائياً كان أو شاعراً أو مسرحياً.. إلخ. بينما «أشرف الصبّاغ» الروائي والمترجم المصري، فيُخضع الأمر إلى تقسيم آخر قريب.. الأول يُعتبر جواز مرور للكاتب الشاب أو الذي على بداية الطريق، ما يسمح له بالانضواء تحت «خيمة المثقفين» والاستفادة من امتيازات تلك الطبقة. والثاني اعتراف بجهود وإنتاج الكاتب الكبير المشهور، ما يكرِّس لوجوده ويضعه في مصاف الكُتّاب الأجانب والاستفادة من مزايا هذه الشريحة.. 

المعايير المشتركة للجوائز الأدبية
ويضيف الصبّاغ: الجوائز الأدبية موجودة في كل دول العالم تقريباً، ومنها ما تعدّى حدود الدولة التي ظهرت فيها لتمنح تحت هذا المُسمّى أو ذاك لكاتب من دولة أخرى. هناك معايير مشتركة للجوائز الأدبية في العالم كله، مثل جودة العمل، وقيمته المعرفية، وتأصيله لهذا التوجُّه أو ذاك، واتساقه مع المعايير الإنسانية العامة. وربما تكون المعايير نابعة أساساً من طبيعة الجائزة التي تمنح على عمل واحد، أو على كل الأعمال والإسهامات، أو على النزعة الفلانية العامة في أعمال هذا الكاتب أو ذاك، ولكن كل ذلك يتغيّر نسبياً وبدرجات متفاوتة عندما يصل إلى لجان التحكيم وتركيبتها وتوجهاتها، أو يبدأ بالتفاعل مع طبيعة الوسط الثقافي الأدبي وطبيعة تكوينه، أو يصطدم بفهم وتناقضات الصحافة الثقافية الأدبية والقائمين عليها وطبيعة الشلل والمجموعات. فالنقطة الأكثر إثارة للقلق، والتي تدعو إلى التفكير الجدّي، ليست إطلاقاً الجائزة بطبيعتها أو معاييرها، وإنما إلى العقليات القائمة عليها بداية من مجالس تلك الجوائز إلى لجان التحكيم، وشكل تعامل هذين الهيكلين مع الإنتاج الأدبي وصاحب الإنتاج. فالنوع الأول من الجوائز الذي يمنح لكاتب ما على أول عمل له، والضجّة الإعلامية التي تُقام حول الكاتب، ثم العمل، تضعنا أمام سؤال: إذا كان الكاتب فاز بجائزة على أول أعماله، فعلى ماذا سيحصل مقابل العمل الثاني والثالث؟!.. ونحن هنا، يقول الصبّاغ، لا نشكّك إطلاقاً في قدرات المبدع، بقدر ما نحاول أن نلفت الانتباه إلى التراكم الإبداعي وظهور توجُّه أو منهج لكي يأخذ العمل الأدبي حقه الطبيعي، ثم الكاتب وليس العكس. أما النوع الثاني من الجوائز، الذي يمنح لكبار الكُتّاب من حيث السن وكثرة الإنتاج، فهو نوع مراوغ نسبياً، لأنه مُعرّض دائماً للتشكيك، فأحياناً تكون الأسماء محدّدة سلفاً قبل عدّة سنوات وبالترتيب، لكي لا يغضب هذا الكاتب أو ذاك، أو تثور «مجموعته» الأدبية أو شلته العاملة في الصحافة الثقافية.

 يتعرّض الناقد السوري «بدرالدين عرودكي» إلى المشكلات التي تطرحها هذه الجوائز، فهي من ناحية تُقدِّم في أغلب الأحيان مبلغاً مجزياً من المال لمن ينالها وينتهي الأمر عند ذلك، إذ أن صداها، من ناحية ثانية، لا يزال يقتصر على جمهور المتنافسين عليها وعلى من يلوذ بهم من الصحافيين ومن الناشرين، وأنها، من ناحية ثالثة، لم تنجح حتى الآن في أن تطال جمهور القراء الواسع، وهو ما يجب أن يكون الهدف الأول والأساس لأي جائزة من هذا القبيل أصلاً. ويضيف عرودكي: لنأخذ جائزة «الجونكور» على سبيل المثال، التي تمنح في فرنسا منذ العام 1903، وهي ليست الجائزة الوحيدة بالطبع. قيمة هذه الجائزة النقدية التي تعطى لمن ينالها لا تتجاوز مبلغ 10 يوروات. لكن عدد النسخ التي تطبع من الرواية التي تنال الجائزة يمكن أن يصل، وغالباً ما وصل ويصل، إلى ثلاثمئة ألف نسخة. هذا يعني أولاً أن قراء العمل الفائز سيبلغ على الأقل ضعف عدد النسخ المطبوعة إن لم يكن الضعفيْن، وهو الهدف الأمثل والأهم. وثانياً أن الجزاء المادي سيتضاعف إلى حد لا يقارن مع أي مبلغ يمنح مثلاً من قبل مختلف الجوائز العربية بفعل حقوق المؤلف على المبيعات من كتابه، وثالثاً أن هذه الشهرة التي نتجت عن أصداء منح الجائزة تفتح الطريق واسعاً أمام انتشار وتوزيع أعمال الكاتب القادمة، بما يكفل له جمهوراً واسعاً ودائماً.

 تبقى الشهرة والمال هدفان أساسيّان في طريق من يتقدّم لنيل الجائزة التشجيعية، وأيضاً في طريق من يقبل بنيل الجائزة التقديرية، وفي النتيجة فإن الجائزة، سواء كانت تقديرية أو تشجيعية، ومهما بلغت قيمتها المادية والمعنوية، فإنها لن تضيف لرصيد الكاتب الحقيقي ما أبدعه من أعمال إنسانية جادّة وذات قيمة فنيّة عالية نالت تقدير القُرّاء، قبل أي تقدير آخر مشبوه!

سالم الهنداوي

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
تقارير عن اعتناق جيانكارلو إسبوزيتو الإسلام خلال تصوير فيلمه الجديد في السعودية
تقارير عن اعتناق جيانكارلو إسبوزيتو الإسلام خلال تصوير فيلمه ...
سارة الوحيشي تمثل ليبيا في المدرسة الصيفية للعدالة المناخية بنيروبي
سارة الوحيشي تمثل ليبيا في المدرسة الصيفية للعدالة المناخية ...
«حلمك واجري تحته».. عرض مسرحي جديد لورشة «الفضاءات المفتوحة» بالمركز القومي للمسرح
«حلمك واجري تحته».. عرض مسرحي جديد لورشة «الفضاءات المفتوحة» ...
تعرف على موعد الدورة الجديدة لـ«مهرجان درنة الزاهرة المسرحي»
تعرف على موعد الدورة الجديدة لـ«مهرجان درنة الزاهرة المسرحي»
جيهان الشماشرجي تحضر جلسة محاكمتها في قضية السرقة بالإكراه
جيهان الشماشرجي تحضر جلسة محاكمتها في قضية السرقة بالإكراه
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم