من التقاليد الثقافية القديمة في الصحافة العربية أنها كانت تهتم بالشأن الإبداعي وتخصُّ القارئ بنشر ملفّات أدبية لإبداعات الشباب في الشعر والقصّة والخاطرة والمقال، وجرت العادة أن تُعلِن تلك الصحافة الثقافية عن مسابقات تشجيعية بجوائز رمزية واهتمام نقدي بالنماذج الفائزة، بل والاحتفاء بها بنشرها وتوزيعها مجانًا في كتاب ملحق بالمطبوعة.
بهكذا اهتمام ومتابعة كانت الجدّية في تلك المناشط الثقافية داعمة باستمرار للآداب والفنون من خلال إحياء المناسبات والمهرجانات والأمسيات والأصبوحات الثقافية والمسابقات الصحفية والإذاعية من خلال المنتديات والأندية والجامعات والمعاهد ومراحل التعليم المُختلفة، دعمًا لفكرة المنافسة الإيجابيّة بين أبناء الجيل الواحد بتحفيزهم وتشجيعهم على الإبداع الأدبي والفنّي. لكن فكرة المنافسة بتلك الروح الوطنية تغيّرت مع مرور الزمن وتجاوزت مضمونها الثقافي بدخولها عالم «التمظهرات» الرخيصة بالتسلية على قيمة العقل والذات، والمجازفة بالحياة الثقافية بارتهانها الأسماء والنصوص لغاية ربحية لصالح مؤسسات مشبوهة دخيلة على الصحافة والثقافة والتربية، فصانع المال الذي جاز له احتواء الفنّانين والفنّانات بإقامة مهرجانات الموضة بعروض الأزياء والسينما والغناء لصناعة النجوم، لا يمكنه اقتحام خصوصية الإبداع الأدبي المرتهن لفكر الأمة وهُويتها الثقافية بتاريخ رموزها وأدوارهم الريادية في المجتمع، ولم يكونوا يومًا نجومًا تحت أضواء قصور الأمراء وفنادقهم ومنتجعاتهم السياحية!
- اقرأ الحلقات السابقة من سلسلة «أدب الجوائز»
عن ترف الجوائز الحديثة تقول الكاتبة المصرية «منى الشيمي»: «الجوائز الجادة القيّمة تُعدُّ على الأصابع، حيث يركِّز الإعلام كل عام على من فاز فينتشر الخبر إلى المهتمّين ويصبح الفائز بها نجمًا بين يوم وليلة»، وترى الشيمي أن «هذا ليس معيارًا سليمًا، فقد يتدخّل ذوق لجنة التحكيم، أو يتم اختيار الفائز لاعتبارات أخرى غامضة كما يحدث أحيانًا، ووارد جدًا أن بعض الكتَّاب الجيّدين هنا وهناك لم يتقدّموا لهذه الجوائز، لانشغالهم أو عدم متابعتهم، ولذلك فإن الجوائز لا تُقدِّم الأفضل على الساحة، بل تختار أفضل من تقدَّم لها».. وفي تعليقها الساخر الغريب ترى الكاتبة أن القيمة المادية للجوائز مهمّة جدًا، فتقول: «أثُثتُ شقتي الصغيرة بقيمة (جائزة ساويرس) بعد أن قضيتُ عامًا فيها من دون أثاث!».. وتضيف: تخيّل أن يفوز شاب في مقتبل العمر، فتعينه على تكاليف الزواج! أو كاتبة فتدفع مصاريف مدارس أولادها. أعرف كثيرين حلَّت أموال الجوائز بعض مشاكلهم، هذا بالإضافة إلى أن الجائزة تشجّع من حصل عليها لمواصلة الكتابة، هي بمثابة تربيتة على الكتف، تحمل ضمنيًا رأيًا يقول: «أنت مميّز.. وأصل». وتضيف الشيمي: «في كل مرة كنتُ أحصل على جائزة كنتُ أكتب عملًا جديدًا تحت تأثير نشوة الفوز، الأهم من وجهة نظري ألّا يقع الكاتب في فخ هذا الإحساس، ويدمن حالة إفراز الدوبامين التي تسببها، ولا يكتب فقط إلُا للحصول عليها، إضافة إلى النرجسية التي قد يُصاب بها، وتجعله يعيش في فقاعة إحساسه بأنه الكاتب (الفلتة) الذي لم يجُد الزمان بمثله!».
- أول كورية جنوبية تحصل على «نوبل» في الأدب.. كيف احتفى بها مواطنوها؟
- في خضم الحروب.. إلى من تذهب جائزة نوبل 2024 «للسلام»
الكاتب العراقي «صفاء سالم إسكندر» يرى أن «فعل الكتابة هو فعل تعريفي، أي أنه فعل لأجل المكانة، يشير إلى صاحبه بوضوح، وبخلاف ذلك لتجرّدت الأعمال من أسماء أصحابها، وهذا غير مُنصِف بالمرة». ويلفت الانتباه إلى أنه قرأ جوابًا للكاتب البيروفي «ماريو فارجاس يوسا» يقول فيه: إنه يكتب لأجل المال والشهرة. يعلِّق إسكندر: «الكاتب يريد أن يلفت نظر القرَّاء إليه، ولا يكون ذلك عادة إلّا من خلال الجوائز، القارئ يتعرّف إلى الكاتب من خلال الجائزة، رغم أن كلمة (جائزة) في عالم الكتابة تصاحبها احتجاجات كثيرة، بسبب اللغط الذي يصاحبها، ومع ذلك يبقى المريدون لها كثيرين، لكن المشكلة إذن تحدث إذا صار همُّ الجائزة أكبر من همِّ الكتابة». ويضيف إسكندر: «هناك أسماء يحق لها أن تغتر بنفسها؛ لأنها تجاوزت الجوائز، حقلها المعرفي أكثر اتساعًا، مثل إيكو وأدونيس وكونديرا وموراكامي، فهذه الأسماء تدخل في سباق يقيمه القُرّاء كل عام، لتعيين من يستحق جائزة نوبل، ومع ذلك تأتي النتائج خلاف المتوقع» ويستطرد: «أريد القول: إن الجائزة حق مشروع، لكنّها لا تعني أن كاتبها هو الأفضل، وإنما الأفضل من وجهة نظر لجنة التحكيم، وبالتأكيد هذا ليس تعميمًا شاملًا».
الكاتب السعودي «رائد العيد» يقول: إن «الجوائز في بدايات الكاتب لا تُحمد غالبًا، ترفع مستوى التوقع والتطلُّع وكثيرًا ما تكون عائقة عن الإبداع والتجريب، لذلك أرى أن الحصول على الجوائز في مرحلة متقدِّمة من تجربة الكاتب أفضل له». وعن جائزة «الأفضل» أمام «الأسوأ» يقول: «الجائزة ليست صك اعتراف ربَّاني حتى تعني أن صاحبها الأفضل، وإنما هي اتفاق خاص محصور بلجنة الجائزة ونظامها. وترتفع قيمة صاحبها بجودة نظام الجائزة وموضوعية القائمين عليها».
أما الكاتب المغربي «أنيس الرافعي» الحائز جائزة «الملتقى» للقصّة القصيرة في دورتها الخامسة عن مجموعته «سيرك الحيوانات» فإنه يقول في ردٍّ واثق جميل: «أعتقد أن حصولي على جائزة الملتقى، وهي بمثابة أوسكار القصة العربية، جاء لا ليمنح امتيازًا أو حظوة خاصّين لأنيس الرافعي الشخص باعتباره الأفضل أو الأول، وإنما ليتوِّج مشروعًا جماليًا معينًا، قد تتفق أو قد تختلف معه، عكف صاحبهُ، لسنوات طويلة، وبكدح سردي مثابر، على مفرداته المتنوِّعة ضمن مشغلهِ التجريبي المفتوح». ويضيف الرافعي: «في تقديري، الجائزة عُرفت خلال دورتها الخامسة نقلة نوعية على عدة مستويات، تمثّلت أولًا في إعادة الاعتبار للمشروع الكتابي ذي البصمة المتفرِّدة والتراكم النوعي، وثانيًا في إرجاع الجائزة لسلالتها الحقيقية، وهُم كتَّاب القصة، الذين أخلصوا لهذا الجنس، وضحّوا في سبيل ردّه إلى مكانته الاعتبارية الطبيعية.. لقد سُعدت بالفوز، لكنّي لم أحس أنني انتصرت على أحد. وبعد هذا الفوز قررتُ ألا أشارك في الجائزة مرة أخرى؛ لأن ما كان يهمّني منها ليس هو المال، وإنما التقدير والتوقير على الصعيد العربي. فمن يفوز بأوسكار واحد، لا يحتاج بعد ذلك للفوز بأوسكارات كثيرة حتى يثبت أنه الأجدر». أمّا بخصوص كثرة قناصي الجوائز أو الهرولة في مطاردتها، فمردّه، بحسب الرافعي، إلى قلة الريع الثقافي والوضع الطبقي والاجتماعي للكتّاب. فيقول: «لدينا غزالة واحدة مقابل ألف ذئب، إذا صحّت هذه الاستعارة، وهذا ما يفضي إلى هذا الركض الجماعي نحو المكاسب المادية والرمزية. نحتاج بالتأكيد لدراسات ثقافية موسّعة لفهم سيكولوجية الفائز والخائب على حد سواء».
الموضوعية والتجرُّد والقدرة على التقييم والحكم
من جهته يرى الشاعر المغربي «صلاح بوسريف» أن مسألة الجوائز ستبقى، خصوصًا في العالم العربي، تُثير النقاش، ويختلف الرأي حولها، وهذا أمر طبيعيٌّ، فكل كاتب يرى أنّ عمله هو ما يستحق الجائزة، وأنَّ الخلل فيمن كانوا ينتقون الأعمال. ويرى أننا يجب هنا أن نطرح، من جهة، مشكلة الموضوعية والتجرُّد والقدرة على التقييم والحكم، بالاكتفاء بالعمل في ذاته، دون النظر إلى الشخص، أو إلى غيره من الاعتبارات التي تنتفي فيها القيمة الفنية والأدبية، كما يجب أن نطرح من جهة أخرى، ما يمكن أن يضيفه العمل، ليس للجائزة، بل للفن والأدب، وللثقافة العربية، في عمومها. ويعلِّق صلاح بوسريف قائلًا: «أنا لا أرى في الجائزة ما يُعبِّر عن الماضي أو الحاضر، بقدر ما أتصوَّرُها عملًا للمستقبل، لما يمكن أن يكون مُجدِّدا ومُغَيِّرًا، أو أفقًا وطريقًا آخر في الكتابة والإبداع، غير ما هو موجود ومُتاح أو سائد، مما عرفناه أو نتداوله، وإلّا ما قيمة الجائزة في ذاتها. بقدر ما تكون الجائزة، بهذا المعنى، وتعطي قيمة للكاتب، ليس كشخص، بل كفكر وإبداع، ورؤية ثقافية فنية وجمالية، بقدر ما تخدم الإبداع والثقافة، في سياقهما الكونيِّ، وليس العربيَّ فقط. وهذا لا يعني أنَّ هذا الكاتب أو الكتاب، أفضل من غيره، فالمسألة ليست مسألة سباق مسافات، بقدر ما هي مسألة إضافة، ومسألة قيمة، تسمح بتوسيع أفق الثقافة، وخلق فُرَص للتجديد والتغيير، وهذا ما تعنيه كلمة إبداع في أصلها، أو في الأساس اللغوي والمفهومي الذي تقوم عليه، بما هو صيرورة واستمرار».
بهذا المعنى فإن التنافس، بحسب بوسريف، ينبغي أن يكون في القيمة، في الإضافة، في النصّ، أو في العمل، وليس الشخص في ذاته، مهما كانت قيمة هذا الشخص، وهذا ما يكون خطأ بعض الجوائز التي تنتصر لما هو سائد، ولا تتطلّع إلى المستقبل أو الآتي. وهو يوافق على أن هناك لهاثًا خلف الجوائز، من قبل غير الخلّاقين من المبدعين، أمّا من يكون مشغولًا بالإبداع، وبالإضافة، فالجائزة، بالنسبة له تكون اعترافًا، وتثمينًا، وتتويجًا، وتقديرًا، لما يقترحه من أفكار، خصوصًا حين يكون العمل استثناءً، وخَوْضا في الطُّرُق الصعبة، التي تُزْعِج القارئ، وتخلق في نفسه نوعًا من القلق الذي هو تعبير عن الجِّدة والطرافة والاستثناء، بل وعلى الشَّغَف والتَّأمُّل والسُّؤال. وعن المأمول منها يعلِّق بوسريف: «لا بُدّ أن تستمر الجوائز، لكن، بتجديد لجانها، وبتغيير معاييرها، وبالبقاء في حدود العمل، والحرص على الموضوعية والتَّجرُّد، والتأكيد على قيمة العمل، وليس على ما يكون بعيدًا عنه. وأن يكون العمل فرصة لخلق النقاش، ولطرح الأسئلة، ووضع الإبداع في سياقه الثقافي المستقبلي».
ولكن أين نحن من أسئلة المستقبل في ظل أنظمة ثقافية انحرفت عن مساراتها إرضاءً لأنظمة سياسية حاكمة سادت، تحمد الله على جهل شعوبها المحكومة، وقد تنفق من المال والوقت ما يكفي لنشر التفاهة في مجتمعاتها في سبيل أن تبقى جاثمة خارج نقد العقل!
سالم الهنداوي
تعليقات