قبل أن تتحوّل إلى ظاهرة استعراضية مسيئة للثقافة، كانت «الجوائز» العربية على اختلاف مجالاتها، من أهم وسائل التشجيع على الإبداع، خاصة مع النشء في رعايتهم والاهتمام بهم لإبراز مواهبهم وتحفيزهم على بذل المزيد من العطاء، وكان الإبداع الأدبي أحد هذه الصنوف والمهارات التي انفتحت على الجوائز التشجيعية منذ زمن بعيد وارتبطت بها قديماً في مهرجانات الشعر وموائده، إلى زمن الحكّائين وظهور الرواية في العصر الحديث وانتشارها السريع بعد ذلك بين جيل الشباب الذي بات يتأثّر بالثقافات الأخرى فيغادر التقاليد الأدبية العربية متناغماً مع أساليب الحداثة بمختلف مظاهرها، مراهناً في معظم تجاربه على دخول المستقبل من باب الانبهار بالحداثة الغربية دون الاعتماد على التراث العربي كمتكأ أصيل للحداثة.
بعد زمن الكِبار، زمن المواهب الراسخة التي راهنت على فكرها وتجربتها، وتميّزت عن بعضها في جيلها، واشتهرت بنصوصها الإبداعية، الشعرية والقصصية، وتماهت مع الحداثة بأصولها التراثية، وكان لبعضهم جسارة المغامرة لاقتحام عالم الرواية، مستفيداً الشاعر من لغة الشعر، والقاص من لغة السرد، وبكليهما معاً أبدع مخيالهم الخصيب في تشكيل رؤى التجديد في فضاءات إبداع النثر والسرد، فكان التجديد من سِمات تجربة جيل كامل تميَّز بعطائه الإبداعي عن سابقيه، فتحقّق له الانفراد في مسيرة حداثة غنيّة بأصولها التراثية.
«الجائزة المثالية»
كانت «الجائزة المثالية» التي ينالها «الأديب» في ذلك الزمن هي التقاء الناس به والتعبير عن إعجابهم بما يكتب ومتابعتهم لإصداراته بالنقاش حولها والتهليل، وهذه الالتفاتات الجميلة، في الزمن الجميل، كانت من الدعائم المهمّة في حياة الأديب ودفعه على المزيد من المثابرة والإبداع والتجديد، حتى إن العديد من أدباء وكُتّاب ذلك الجيل الفارق كان يرتاد المقاهي الشعبية ليلتقي الناس ويتزوّد من محبّتهم ومن كلمات إطرائهم التي تجعله يعود إلى بيته في المساء بمعنويّاتٍ عالية مشحوناً بالثقة والحماس للكتابة، خاصة مع أولئك الأدباء الذين يلتقون قُرّاءهم بمقالاتهم اليومية أو الأسبوعية في الصُّحف والمجلّات، وفي مصر تحديداً كان المشهد معتاداً مع رموزها الثقافية من ذلك الجيل الرائد كالعقّاد وتوفيق الحكيم ويحيى حقّي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وأمل دنقل وصلاح جاهين ونجيب سرور وصلاح عبدالصبور وأحمد فؤاد نجم وسواهم من الأدباء والكُتّاب الذين اعتادوا ارتياد مقاهي القاهرة وسط البلد التي تميّزت بحضورهم الصباحي والمسائي على مدى عقود من القرن الماضي، فصارت مقصداً لقُرّائهم ومريديهم من الأدباء الشباب.
ومن بين هذه المقاهي برز مقهى «الفيشاوي» ومقهى «ريش» و«زهرة البستان» و«قصر النيل»، إلى أن تغيّرت تلك العادات الثقافية برحيلهم وحلول جيل من التابعين لم يصمدوا طويلاً على عادات الكِبار، ومنهم أصدقاء كنتُ ألقيهم مراراً أثناء إقامتي في القاهرة وزياراتي لها، مثل الناقد فاروق عبدالقادر والروائي إبراهيم أصلان والشاعريْن محمد عفيفي مطر وأحمد فؤاد نجم والقاص سعيد الكفراوي، رحمة الله عليهم.. وقبلهم جميعاً التقيتُ مراراً عميدنا «نجيب محفوظ» والذي من خلاله تعرّفتُ على الصديقيْن جمال الغيطاني ويوسف القعيد.
كُل هذه الأسماء الكبيرة في مصر وفي سواها من البلاد العربية، لم يكن يعنيها الحصول على جوائز لتكبر وتشتهر أو تجني المال، كانت قيمتها في أسمائها الساطعة وفي إبداعاتها اللافتة وليست في أسماء جوائز تنالها، حتى أني عندما التقيت محفوظ بعد نيله جائزة «نوبل» هنأته بطريقتي قائلا له: «أهنئ نوبل بجائزة نجيب محفوظ» فضحك وضحك كُل من كان معنا من «حرافيش» تلك الأمسية الجميلة التي أهداني فيها آخر رواياته «قشتمر» وأهديته فيها أولى رواياتي «الطاحونة».
- اقرأ الحلقات السابقة من سلسلة «أدب الجوائز»
كان محفوظ سعيداً بالجائزة، لكنه لم يخفِ وقتئذ أحقية رواد الأدب العربي بها أكثر منه، كالأديب المصري الكبير «يحيى حقي»، لذلك أهدى الجائزة إلى يحيى حقي، وصرح أنه يشعر بالخجل لكونه نال نوبل في حياة «حقي» وهو صاحب الدور الأكبر في التأسيس للقصة والرواية. وعلى الرغم من التأويلات التي صاحبت حصوله على نوبل، لم يُعر محفوظ اهتماماً كبيراً بالتعليقات والانتقادات التي صاحبتها، مصرياً وعربياً، حيث كان باب الحسد مفتوحاً كما باب التأويل الإيديولوجي الذي فتح شهية المتطرِّفين لمحاولة قتله بجهلهم.. ومع الوقت كان لا بدّ أن يهدأ الموج الغاضب وأن يستريح الأدب العربي بعد ذلك على شاطئ عميد الرواية العربية، العربي الوحيد الحائز جائزة نوبل للآداب منذ انطلاقها في العام 1901.
مسيرة نجيب محفوظ الأدبية
على ذلك يكون التساؤل الأكثر منطقية وإجمالاً لإشكالية نوبل والأدب العربي هو الخاص بالسبب الذي يجعل الأدباء العرب بعيدين عن نيل الجائزة، وليس السؤال المتعلِّق بأحقية محفوظ بها، والمتتبِّع لمسيرة نجيب محفوظ الأدبية يجده لم يؤلِّف الروايات بقدر ما كتب للمصريين، لذا صُنف رائداً للواقعية وحافظاً أميناً لماهية الشخصية المصرية.. وكنتُ أشرتُ إلى هذا الانتماء المحفوظي لمصر وللمصريين في مقابلة أجرتها معي الكاتبة «هناء فتحي» بمجلّة «روز اليوسف» العام 1989 عندما قلتُ أن نجيب محفوظ لم يكن كاتباً مبدعاً خيالياً أو فنطازياً وإنما كان يحمل في حياته اليومية كاميرا أبيض وأسود التقطت كل صورة قديمة لمصر، كما قلتُ أن الإنسان المصري والحارة الشعبية المصرية هما من كتبا أدب نجيب محفوظ، وبدون الحارة المصرية لما كان هناك نجيب محفوظ. وأذكر حينها أن صحفياً أساء فهمي أو تقصّد سوء الفهم بأنني أسأت لتجربة كبيرنا محفوظ الذي ردّ على ذلك في غيابي بقوله؛ «الراجل مقلش حاجة تزعلني، هو قال الحقيقة وأنا بشكره على كلامه»، وانتهت زوبعة من أراد أن يسيء هو إلى محفوظ بالترويج لتأويله الذي نسبه لي والتجديف به عكس التيار باستثمار رأيي في رواية محفوظ!
الكثيرون في مقارباتهم النقدية رأوا أن نجيب محفوظ كان يستهدف من خلال مشروع أدبي متكامل تأريخ الهُوية المصرية، مستشرفاً لما سيحدث لها من طمس في سنوات لاحقة لن يشهدها؛ فركّز على الحارة باعتبارها عالماً أصيلاً لأبطاله الذين عاشوا عقوداً مع قلم محفوظ وسهروا معه وكتبوه فيهم في نسيج اجتماعي وسياسي متناغم زهاء عقودٍ من الإبداع الخلّاق الذي سبر فيه أغوار الحارة المصرية وحميميتها التي اصطفّت في حياتنا ضمن روائع الزمن الجميل الذي أبدعته القاهرة في الأدب والفن.. وعلى أهمية محفوظ في نسج خيوط الرواية العربية والخروج بها إلى العالمية، ظل هناك سربٌ طويل من الأدباء العرب الكِبار يحلِّقون في سماء الإبداع بروايات مُهمّة، لكنهم أبداً لم يقتربوا من نوبل. وفي مصر بخلاف «يحيى حقي» الذي خجل محفوظ من أن ينال نوبل في حياته، هناك عميد الأدب العربي «طه حسين» الذي ترشّح للجائزة 14 مرة بين العامين 1949 و1964، ووفقاً لما ذكره «محمد سلماوي» رئيس اتحاد كُتّاب مصر السابق في مذكّراته المنشورة تحت عنوان «يوماً أو بعض يوم»، فإن طه حسين كان أقرب المرشّحين للفوز في سنة 1949.
واستطرد سلماوي؛ «لكن يبدو أن اللجنة كانت تحاول تقديم الجائزة حينها للأديب الأميركي «وليام فوكنر» فاضطرت لتأجيلها لعام آخر حتى يتم ترشيحه ومن ثم إعلان فوزه، أو أنها رفضت فوز طه حسين نفسه بعد علمها أو توقعها فوزه بالتصويت من قائمة المرشّحين». ولفت سلماوي إلى أن ذلك العام كان العام التالي لقيام «دولة الكيان الصهيوني» وخوضها حرباً ضد الدول العربية، واحتياجها لطمس الهوية العربية في العالم وعدم ذكرها. وما يدعم رؤية رئيس اتحاد الكُتّاب السابق أنه في العام 1966 فاز بنوبل الكاتب اليهودي الإسرائيلي «شموئيل يوسف عجنون» الذي ناصر الصهيونية وتتركّز كتابته على الهُوية اليهودية مع الشاعرة اليهودية «نيلي زاكس» التي عمدت في أعمالها إلى إبراز معاناة بني معتقدها الديني. كذلك رُشِّح القاص والروائي «يوسف إدريس» والكاتب «أنيس منصور» للفوز بنوبل كل منهما 3 مرات، كما رُشِّح لها الأديب توفيق الحكيم مرة واحدة، وعلى ثقل هذه الأسماء الثلاثة في عالم الإبداع إلّا أن أحدهم لم يفُز بها.
أما عربياً فظلّت قامات أدبية كبيرة لا ترقى من وجهة نظر لجنة تحكيم نوبل للفوز بالجائزة على الرغم من ترشّحهم أكثر من مرة، مثل الشاعر الفلسطيني محمود درويش، والشاعر السوري أدونيس، والشاعر العراقي مظفر النواب، والروائي الليبي إبراهيم الكوني، والكاتبة الجزائرية آسيا جبار، والكاتب الصومالي نورالدين فرح.
كان يبدو أن نوبل لا تتجاهل العرب وحدهم، فقد ذكرت الكاتبة اللبنانية «سوسن الأبطح» في مقالٍ لها بعنوان «نوبل ليست لكم» أن الصين أمة المليار ونيف لم تنل الجائزة في مجال الآداب إلّا مرّتيْن، وكذلك الحال بالنسبة لليابان على أهميتها في العالم. وترجِّح الأبطح أن تكون اللغة الإسبانية هي الشفيع للكاتب الكولومبي «غابرييل غارسيا ماركيز» والكاتب المكسيكي أوكتافيو باث للفوز بنوبل. ورأت «الأبطح» أن ترجمة الأعمال الأدبية ليست سبيلاً لحصد الجائزة العالمية، موضحة في مقالها أن الثقافة المعولمة لها مركزية غربية. وتابعت أن «تغيير هذا الواقع يحتاج أن يكون للغتك كيانها وأدبها وجوائزها التي تصون أسرارها، وأن يُقرأ كُتّابها بلغتهم أولاً، ويتمكّنوا من تشكيل ضمير شعوبهم. أمّا انتظار التكريم الخارجي فهذا حقاً من بؤس الأيام على الأمة»!
« نوبل ذات هوى أوروبي»
تلك الرؤية أيضاً يتبنّاها الروائي المصري «عزّت القمحاوي» الذي يعتبر نوبل ذات هوى أوروبي، لافتاً إلى تجاهل إسهامات الأدب العربي لصالح اعتبارات أوروبية وسياسية. ويضيف «القمحاوي» أن الإبداع العربي لا يحتاج إلى جائزة نوبل حتى يثبت حضوره، كما أن المبدعين العرب كان لهم حضور بارز بالفعل في الغرب، كالشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي جرى تجاهله، مؤكداً في حديثه أن الأدب العربي له تراث وحاضر، وعلى الباحثين الغربيين الاجتهاد لاكتشافه، تماماً كما يسعى العرب إلى اكتشافهم!
في مقاربة نقدية أخرى غير عربية حول نوبل، يرى الأكاديمي الأميركي «بروتون فيلدمان» في كتابه النقدي «جائزة نوبل.. تاريخ العبقرية والجدال والحظوة»، أن «الجائزة تُرى على نطاق واسع كجائزة سياسية، أي جائزة نوبل للسلام متنكّرة في قناع أدبي». ويرى «فيلدمان» وغيره من نُقّاد الجائزة أن أعضاء اللجنة الذين يختارون الأعمال الفائزة بنوبل للآداب يتحيّزون ضد المؤلِّفين ذوي الأذواق السياسية المختلفة عن ميولهم. وكان السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية «هوراس إنجدل» قد أعلن العام 2009 أن «أوروبا لا تزال مركز العالم الأدبي».
وينظر نُقّاد الجائزة إلى تاريخ طويل ممّا يعدّونه انحيازات سياسية وغير أدبية للجائزة العالمية، فمن العام 1901 إلى 1912 قيّمت اللجنة السويدية برئاسة «كارل دافيد أف ورسين» الجودة الأدبية للأعمال بالنظر إلى إسهامها في نضال الإنسانية «نحو المثل الأعلى»، ومع ذلك لم يُمنح أدباء كبار مثل الروائي الروسي «ليو تولستوي» والمسرحي النرويجي المثير للجدل «هنريك إبسن» والروائي الأميركي الساخر «مارك توين» الجائزة التي مُنحت في المقابل لأدباء ليسوا مقروئين في عالمنا اليوم.
سالم الهنداوي
تعليقات