Atwasat

10- من أدبيات رسائل الفاخري

القاهرة - بوابة الوسط: محمد عقيلة العمامي الأحد 15 أغسطس 2021, 06:57 صباحا

الحلقة العاشرة: مسرحية من فصل واحد

BCD Ad BCD Ad

من بعد زواج جنقي من «أم بسيسي»؛ وهو الاسم الذي انتقاه للسيدة زوجته، وما زال أطفالها، أو بمعنى أدق رجالها من دبلوماسيين وأطباء وكريماتها الطبيبات والمعلمات، يطلقونه عليها حتى الآن. لقد جعل جنقي منها أختا لي، وصديقة تعمقت علاقتها بأسرتي، وهي التي كانت تعرفهم قبل اقترانها به. لقد تعددت رحلاتي إلى كوبنهاجن حتى أن أحد الأصدقاء قال إنني أسافر إلى طرابلس عن طريق كوبنهاجن! وكان يرفض إقامتي في فندق، فلقد خصص لي غرفة، وقامت السيدة أم بسيسي بمعرفة الأطباق التي أفضلها، وأذكر أنها بعد عدد بسيط من أطباق أصبحت تعد طبقي بالكمية التي استهلكها بلا زيادة ولا نقصان. وصارت معظم رحلاتي خارج ليبيا إما أن تبتدئ بكوبنهاجن أو تنتهي بها.

في أواخر ثمانينات القرن الماضي، أممت محلاتي- أرض الطعام، ومحل 21 للأحذية – والحقيقية بفضل وتفهم الحاج فرج الفيتوري، أن قيم هذه المحلات كانت بتمويل من مصرف الأمة؛ ولذلك قام بمجهود بتوضيح الأمر إلى جهات الاختصاص، وبالفعل أحيل التعويض إلى مصرف الأمة وتمت تسوية المديونية؛ ولذلك عندما طلب مني العمل في الشركة لحاجته لمن يقوم بالإجراءات الجمركية، وافقت، ومن خلال عملي اتضح له وللإدارة مقدرتي، بسبب لغتي الإنجليزية بالدرجة الأولى بالأمور التجارية بفرع بنغازي. في شهر أكتوبر كُلفتْ لجنة للسفر إلى آسيا: الهند وباكستان للتعاقد على توريد بهارات! وكنت ضمن اللجنة، وما كنت أعرف حتى أسماء البهارات كافة، فالتجأت إلى المرحوم خليفة البراني، باعتبار أنه تاجر مشهور متخصص في هذا المجال. لم يبخل لا بالمعلومات ولا بأسماء السلع وأفضل أماكن إنتاجها وتسويقها. وبالفعل وصلت كراتشي، كمتخصص حقيقي في هذه السلع، فكتبت إلى الفاخري كرت قدمته لنا شركة الخطوط السويسرية، متكلفة بإيصاله إلى العنوان الذي ينتقيه المسافر، بمجرد تسليمه إلى أي مكتب من مكاتبها كافة، بالكرت رسم جوزة الهند، ذكرتني بحكاية سمعتها من صديق الفاخري السيد ميلود الحاسي، الذي كان يشغل وظيفة مراقب مالي بالسفارة. قال لي:

  • كلف خليفة الفاخري برئاسة الشئون الإدارية خلال فترة المراقب الإداري. أثناء ذلك تقدم أحد موظفي السفارة بطلب إجازة ليتمكن من السفر إلى طرابلس لإحضار زوجته. كتب خليفة حاشية على طلبه تقول: «لا أستطيع الموافقة على طلبك حتى لو كنت تنوي إحضار (شوال لوز) فما بالك بلوزة واحدة! » وأندفع الموظف على مكتب الفاخري حانقا، متسائلا ما علاقة اللوز بزوجته؟ فأجابه خليفة: « أنت من كتب اللوزة في طلبك! أنت كتبت إحضار جوزتي، وليس زوجتي! اقترب شوف أنت كاتب جوزتي وألاّ لا؟ » ثم أضاف، ساخرا: « يا أخي أنت موظف يمثل دولة تُقرر أن لغتها عربية، فتعلمها صح، واكتبها صح! أو ابحث لك عن كاتب عمومي! أولا توافق أن تمثلها». بسبب هذه الحكاية انتقيت الكرت وكتبته إلى جنقي في كوبنهاجن، وسلمته لمكتب الشركة في كراتشي، ولقد وجدته ضمن مستندات إرثه: 

أخشى أن يصل الأمر إلى كتابة (دلالة)!

«كراتشي في 1/11/1980

عزيزي خليفة

حينما يطوف المرء أرض الله، الواسعة نقول إنه (سائح)، وحينما يتنقل الإنسان من بلد إلى آخر؛ يشتري ويبيع نقول إنه تاجر، ونقول عن تلك السيدة التي تطوف شوارع بنغازي، تبيع البخور، والجاوي، والفاسوخ: «دلالة».

وأنت تعلم أنني عملت (قهواجي)، وبقالا، وكندارجي، ومقاول و(سيكليستا)، وأيضا، على رأيك (مندوه تجاري). أنا الآن امتهن عملا جديدا. أنا الآن أطوف بلاد السند والهند، أبحث عن الجاوي، والقرنفل، وزعتر، وكموت حوت، وبزار وكركم (طرطاري) وكذلك أشياء أخرى لم أسمع عنها طوال عمري، أسمعت أنت طول عمرك السعيد عن (الشرغدان) بالعربي فما بالك باللغة الإنجليزية وتنطق بالطريقة الباكستانية.

لقد كتبوا في تذكرة سفري مطارات لم أسمع عنها طوال عمري، أتعرف اسم مطار جزر مورتشيوس؟ كل المطلوب سأكتشفه وسأجده، سأجد (العمبرة)، و(السواك)، و(اللوبان) الحلو، والمر أيضا، أما الصبر فلقد وجدته من زمان.

إن ما يشغلني الآن، عزيزي خليفة، ماذا سيكتب رجال الجوازات في خانة الوظيفة في جواز سفري، أخشى أن يصل الأمر إلى كتابة (دلالة!).

أنا الآن، أعمل بشركة الأسواق، وموفد مع بعض الزملاء لشراء عطرية من الشرق، وعلى الرغم أنه لا يوجد بجواز سفري ما يدل على أنني من عائلة سليمان النجار، إلاّ أنهم انتقوني ضمن لجنة هذا العمل.

وفي كل الأحوال، وحين يطوف المرء هذا العالم، الذي لم يعد شاسعا يرى الكثير، وعندما يرى المرء شيئا رائعا يود أن يشارك أحد الأحباب هذه الروعة. وكم أود أن تشاركني هذه (اللوزة) كنت أود أن أقول (الجوزة) غير أنني تذكرت صديقك الذي أراد إجازة ليحضر (جوزته) من طرابلس! اتصلت بك ولم أجدك، اليونان آخر محطة لي، وسأتصل بك بالتليفون يعني بعد حوالي شهر ونصف من الآن. لك دفء قلبي وتحياتي إلى فوزية».

ولكن المهمة لم تتم، فلقد علم وزير الاقتصاد حينها الأستاذ أبوزيد دورده، الذي كان له رأي في أحد أعضاء اللجنة، فأمر بعودة الوفد حالا. لم نكن قد تعاقدنا على شيء، كل ما قمنا به اجتماع مع شركة تصنع الحبال، ولم نتعاقد معها. وعاد الوفد معا حتى اليونان، ولكنني لم أواصل رحلتي معهم، وإنما ذهبت إلى كوبنهاجن، وأمضيت أسبوعين، وعدت إلى طرابلس ثم بنغازي. وكالعادة ذهبت إلى والده، وأخذني إلى الحاجة (يامنه) التي سألتني عن كل كبيرة وصغيرة، وفرحت كثيرا بعدما عرفت أنه مرتاح مع زوجته، وأخبرتها بقصة حملها، وكانت عشية بهيجة، حتى أنها قدمت لي مع الكعك (مقروض). وبعثت له الرسالة التالية، التي وجدتها ضمن أوراقه:

«أخي وصديقي الفاخر خليفة

ولك أيها (الجنقي) الحبيب، وإلى العزيزة (أم بسيسي) ما يحتاجه كل البشر ليكونوا سعداء، لكما راحة البال والهناء والخير والسعادة.

وهأنا أفتقدك، ونتف ثلج (فيبرج) لم تذب بعد من على معطفي الثمين، الذي أهديته لي، لأنه كما قلت لي: (طالع عليك)! وأنا يا صديقي العزيز، أشعر بذنب كبير لأنني سافرت مع صديقك الودود ميلود الحاسي إلى (فيبرج) وتركتك يومين استقطعتها من إجازة كنت أمنى نفسى من البداية بقضائها برفقتك. أنا أعلم أنك أنت الذي اقترحت هذا المشروع وشجعتني على قضاء عطلة نهاية الأسبوع مع ميلود، لأرى تلك القرية المزروعة ، كما قلت، في (قبوعة) العالم! ولكن، يا صديقي، رفقتك لا تضاهيها بهجة ولا جمال! لقد افتقدتك، بمجرد أن رحّب بي رجال الجمارك-في بنغازي- فاتحين لي أيديهم وأيضا حقائبي!

- « لا يوجد شيئا في حقيبتي، من يعود من (جنقي) لا يعود مطلقا بأي شيء مما تبحثون عنه، فمع من، أفضل من جنقي يتبادل المرء الأنخاب والحكايات؟ »

- « صار هكي!» قال رجل الجمارك، حاد العينين مثل صقر: «ولماذا لم تقل من البداية أنك كنت مع (جنقي) .. هه؟» ثم مهر حقيبتي بالطباشير وتركني في الحال متمنيا لي إقامة سعيدة في بنغازي.

أول آذان لصلاة الظهر سمعته في بنغازي، إثر عودتي من كوبنهاجن المحروسة من جامع سيدي حسين، كان عندما كنت أبشر الحاجة (يامنه) بالزناتي، التي زغردت بسببه بفرحة غامرة، ثم زغردت مرتين عندما دسست في يدها ( الثروة) التي طلبت أن أسلمها لها !

الحاج بخير، وقد حاولت إقناعه بزيارتك، ولكن يبدو أنه ينوي حجة ثالث: «مع جنقي» قال !

- « في المشمش» قلت له بدون صوت. ونيس بخير، وإن كنت لم أره بعد.

 «ولقد توقعت أن تكون حزينا في الخريف، ومات جزءا منك كل عام ..»

شيء واحد كدرني، وما كنت أظن أنه سيؤلمني بهذه الدرجة عندما علمت بوفاة (بورويله )! بورويله مات - يا جنقي- وجدوه في داره ميتا تماما.

أنا لا أدري، ما الذي جعلني أربط بين موته وبين هيمنجواي في قصته عيد متنقل، التي تقول : «ولقد توقعت أن تكون حزينا في الخريف، ومات جزءا منك كل عام ..». هل لأنني أرى أن ( بورويله )- رحمه الله- كان جزءا من تاريخي، أو بمعنى آخر من تاريخ مدينتنا سيئة الحظ، وكيف لا يحزن المرء على جزء من تاريخه؟ لم أرَ أحدا من الذين شاركهم برويله ذكريات طفولتهم حزينا على موته! تصور أن الذي أخبرني عن موته، كان كما لو أنه يحكى لي نكتة رديئة، ومع ذلك كان يضحك! ما علينا فليتولاه الله بواسع رحمته.

صديقي العزيز بلغ أفضل سلامي إلى رواد (المربوعة) و (الوسعاية) فردا.. فردا، وفردة فردة، وبالطبع إلى ميلود وكل الأحباب. وقل لفوزية تحافظ على معطف فراء المنك، لأنه أصبح موضة في أعراس بنغازي! بلغها أيضا أن جميع أفراد عائلتها بخير. وإلى لقاء قريب، لك مني كل السلام ودفء القلب. أخوك لعمامي؟»

وعلى الرغم من أنه بدأ في تبويب قصته عن بوريله، الذي جعلها مسرحية من فصل واحد، في تلك المرحلة، ولكنه لم يتممها وينشرها إلاّ بعد سبع سنوات، ولعله من المفيد أن أتطرق إلى غضب، إن لم نقول زعل أقرباء الراحل سليمان بوريلة مما كتبه، ولكن فحوى ما كتبه نقد بليغ للحياة في بنغازي، في الوقت، وليس للراحل العزيز، وبقراءة متأنية لها سوف يتضح ذلك جليا.

جنقي لم يكتب شيئا خلال إقامته في الدنمارك، سوى الكتاب السنوي، وكتيب عن الأمسية الشعرية التي قدمها صديقه الشاعر عبدالوهاب البياتي.

في العدد القادم سننشر رسالة بعثها له صديقه جلال الدغيلي من جيبوتي من بعد أن نقل من كسفير من ألمانيا إلى سفير في جيبوتي، وسنرى من تلك الرسالة أنه لم يكتب شيئا، وأن صديقه يتساءل لماذا ويحثه على الكتابة، وسنرى وجهة نظر جنقي من خلال رده على تلك الرسالة.

كرت بريدي من كراتشي
كرت بريدي من كراتشي
كرت من كراتشي للفاخري
كرت من كراتشي للفاخري
رسالة للفاخري من بنغازي
رسالة للفاخري من بنغازي
البقية من الرسالة
البقية من الرسالة
ميلود الحاسي وجنقي في كوبنهاجن
ميلود الحاسي وجنقي في كوبنهاجن
الحاج فرج الفيتوري
الحاج فرج الفيتوري
الحاج عبدالسلام البراني
الحاج عبدالسلام البراني
ميلود الحاسي
ميلود الحاسي

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
«صناعة الرؤية».. حوارية تجمع ثلاثة مخرجين ليبيين ضمن «ليالي المدينة» في طرابلس
«صناعة الرؤية».. حوارية تجمع ثلاثة مخرجين ليبيين ضمن «ليالي ...
حصاد مثمر ومتنوع لموسم ليبيا الثقافي
حصاد مثمر ومتنوع لموسم ليبيا الثقافي
إبراهيم الكوني: الرواية حلم كل إنسان .. والتحدي كيف تنزف تجربتك؟
إبراهيم الكوني: الرواية حلم كل إنسان .. والتحدي كيف تنزف تجربتك؟
«نتفليكس» تعيد إحياء عالم روبرت لانغدون بوجه جديد.. مورغان سبيكتور يخلف توم هانكس
«نتفليكس» تعيد إحياء عالم روبرت لانغدون بوجه جديد.. مورغان ...
صلاح انقاب يهدي روايته «المواطن صفر: نبوءة ما بعد الإنسان» إلى الصادق النيهوم
صلاح انقاب يهدي روايته «المواطن صفر: نبوءة ما بعد الإنسان» إلى ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم