«الموت أرحم.. الأمر يشبه كأنك وصلت إلى نهاية العالم في غزة».. هكذا وصف أطباء بريطانيون متطوعون الفظائع والوضع المروع الذي شاهدوه في قطاع غزة خلال عام كامل من حرب الإبادة الإسرائيلية التي انطلقت في السابع من أكتوبر العام 2023 بعد عملية «طوفان الأقصى».
وروى الأطباء، في تصريحات إلى جريدة «ذا غارديان» البريطانية، نشرت اليوم الإثنين، شهاداتهم عن الوضع الكارثي على الأرض في غزة، وتحدثوا جميعا عن مستوى غير مسبوق من الإصابات بين المدنيين وهو أمر لا يشبه أي شيء آخر رأوه خلال حياتهم العملية.
كما عبر هؤلاء عن المخاوف على حياتهم مع تعرضهم للقصف والملاحقة في غزة، كما وصفوا كيف تحول الأمر من سيئ إلى أسوأ خلال الأشهر الماضية مع حجم غير مسبوق للدمار، وحجم الإصابات بين المدنيين، وكذلك الافتقار إلى المواد الطبية الأساسية في القطاع نتيجة عام كمل من الحرب.
غزة.. أسوأ المناطق على الأرض
وزار الدكتور عمار درويش قطاع غزة في يناير من العام الجاري كطبيب متطوع، وهناك تمكن هو وفريقه من الهرب قبل لحظات من قصف إسرائيلي استهدف محل إقامتهم. وعند عودته مرة في أغسطس الماضي، لاحظ كيف تحولت الأوضاع إلى الأسوأ.
وقال درويش، وهو جراح عام وجراح عظام من مانشستر، عمل في سورية واليمن والعراق وليبيا وأوكرانيا: «غزة هو هي واحدة من أسوأ المهمات التي قمت بها، وخاصة هذه المرة. لقد أثرت علي وعلى الفريق بأكمله»، مضيفا أن «إنقاذ حياة واحدة هو سبب جيد للعودة».
وعمل الطبيب البريطاني متطوعا في غزة مع منظمة المعونة الطبية للفلسطينيين. وطالب وآخرون من الأطباء المتطوعين في غزة من الحكومة البريطانية المساعدة في إجلاء المرضى والحالات الحرجة، وكذلك الضغط من أجل وقف فوري لإطلاق النار، وفتح ممرات إنسانية، مع صعوبة دخول المساعدات الإنسانية التي تنتظر عند الحدود في مصر.
سوء التغذية يفاقم من سوء الإصابات
وأخبر الأطباء «ذا غارديان» كيف عملوا في مستشفيات غزة المكتظة من دون أساسيات مثل العباءات الجراحية والشاش، وأشاروا أيضا إلى أن سوء التغذية يشكل مشكلة ضخمة، إلى جانب تدهور الصرف الصحي والوصول المحدود إلى المياه.
وفي حين بدأت عمليات التطعيم ضد شلل الأطفال، الشهر الماضي، يقول الدكتور درويش إن «هؤلاء الأطفال الذين جرى تطعيمهم يمكن أن يكونوا من بين الضحايا في اليوم نفسه.. هذا هو الواقع القاسي في غزة».
- عام على «طوفان الأقصى».. 79% من مساجد قطاع غزة دمرتها آلة الحرب الصهيونية (صور)
- نحو 42 ألف شهيد.. «الصحة الفلسطينية» تعلن حصيلة عام من الإبادة الجماعية في غزة
- عام على «طوفان الأقصى».. «المرصد الأورومتوسطي» يرصد جرائم حرب الإبادة الإسرائلية وانهيار النظام العالمي
وقال: «لا أستطيع حقا أن أتخيل كيف ستصبح الأمور بعد شهرين. بعد ما رأيته هناك، أود حقا أن أطلب من حكومتنا البريطانية ورئيس وزرائنا المضي قدما والضغط على جميع الأطراف من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم فوري والسماح بالمساعدات الطبية».
وردا على ذلك، قال ناطق باسم وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية: «إن حل هذا الصراع، وإطلاق جميع الرهائن وتوفير حماية أفضل للمدنيين والعاملين في مجال المساعدات الطبية والصحية، وإدخال مزيد المساعدات إلى غزة كانت أولوية منذ اليوم الأول لهذه الحكومة».
بريطانيا ترفض استقبال مرضى غزة
من جهتها، وجهت جرَّاحة العظام للأطفال من ليفربول والتي سافرت إلى مستشفى الأقصى في غزة في مارس، آنا جيلاني، انتقادات للحكومة البريطانية بسبب فشلها في الاعتراف بالمخاوف الفعلية التي لدينا كعاملين في مجال المساعدات الإنسانية.
وأشارت في تصريحات إلى «ذا غارديان» إلى أن بريطانيا لم تستقبل مريضا واحدا من غزة على الرغم من استقبال مرضى ومصابين من أوكرانيا.
وقالت: «أنا أعمل في مؤسسة تقبل اللاجئين الأوكرانيين علانية وتوفر لهم رعاية مرضى السرطان ورعاية هيئة الخدمات الصحية الوطنية، وقد قيل لنا إننا لا نستطيع قبول المرضى من غزة لأن الحكومة لم تسمح بذلك».
وتساءلت «كيف يمكن أن نكون دولة متقدمة ولا نسمح لمريض واحد بالدخول إلى مستشفياتنا عندما تحدث مثل هذه الكارثة الضخمة من صنع الإنسان؟».
وبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الفلسطينية، فإن الضحايا من العاملين في مجال المساعدات الصحية بلغ 765 من أكثر من 41 ألف شهيد قتلوا في الحرب الإسرائيلية.
كما قدرت منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الفلسطينية أنه من بين 36 مستشفى في غزة، تضرر 32 فيما يعمل 17 مستشفى جزئيا، ما يشير إلى تحول المستشفيات إلى ساحة للمعارك بسبب الاستهداف الإسرائيلي المستمر.
ومع تراكم الشاحنات المحملة بالمستلزمات الضرورية لإنقاذ الأرواح وعدم تمكنها من الدخول من مصر، حذرت منظمات الإغاثة من أن أكثر من مليون شخص في غزة لن يحصلوا على ما يكفي من الغذاء هذا الشهر.
الموت أكثر رحمة
من جهته أكد جراح عام متخصص في سرطان المريء والمعدة من لندن، ياسر قريشي، موت آلاف المرضى في غزة بسبب الافتقار إلى المتخصصين أو الأدوية والمعدات الطبية اللازمة.
ووصف قريشي، الذي سافر إلى غزة في أبريل وعمل في مستشفى الأقصى، أن المرضى الذين أجريت لهم عمليات جراحية كانوا يعودون من جديد بعد أيام إلى غرفة العمليات في حالة أسوأ نتيجة لسوء التغذية.
وقال: «تذهب إلى هناك بآمال كبيرة في مساعدة الناس وإنقاذ الأرواح، لكن الواقع هو أننا في الواقع نطيل البؤس. كانت هذه هي المرة الأولى في حياتي، كطبيب، كجراح، التي أتمنى فيها أحيانا ألا ينجو المريض»، وأضاف : «كان الأمر أكثر رحمة لو ماتوا فقط. إنه أمر فظيع أن أقول ذلك، لكن هذا هو الواقع الصارخ».
أما خالد دواس استشاري الجراحة وأستاذ مشارك في مستشفيات جامعة لندن فقال إن ما يقرب من نصف المرضى الذين أجرى لهم عمليات جراحية خلال زيارته الأخيرة لمستشفى الأقصى في أبريل توفوا في غضون أسبوع.
وقال دواس الذي زار غزة مرتين منذ ديسمبر «إن نسيان حقيقة أنك إنسان، كمحترف من الصعب جدا التغلب على ذلك وقبول أنك فشلت في 50% من الوقت. إنه رقم مذهل»، مشيرا إلى أنه شهد أكثر من 20 مريضا في قسم الطوارئ، بينهم أطفال مصابون بطلقات نارية في الرأس، مضيفا: «الأمر كارثي.. حجم الإصابات يتجاوز الفهم البشري».
نهاية العالم في غزة
من جهته، وصف جراح عام وجراحة أوعية دموية وزراعة، نظام محمود، الأوضاع في غزة بأنها «من نهاية العالم»، مؤكدا أن مستوى الضحايا والظروف مختلفا عن أي شيء رأيته في أي مكان آخر.
وقال: «شعرت بعدم الأمان بطريقة لم أشعر بها أبدا في أي منطقة صراع أخرى، لأنني أعتقد أنه كان هناك دائما شعور بأن عمال الإغاثة والصحفيين ليسوا أهدافا متعمدة. لكن في غزة، يبدو الأمر كما لو كانوا كذلك. وبالتالي هناك دائما درجة من انعدام الأمن، ولهذا السبب، لم نغادر المستشفى أبدا».
وما صدمه أكثر هو عدد أسِّرة العناية المركزة في المستشفيات التي يشغلها الأطفال، إذ قال: «لقد رأينا أطفالا مصابين برصاصة واحدة في الرأس، والتي يجب أن تستنتج أنها استهداف متعمد. لقد رأينا أطفالا قدموا أوصافا واضحة جدا لهجمات الطائرات المسيرة. مرة أخرى، متعمدة، إذ تهبط الطائرة وتحوم فوقهم ثم تطلق النار».
وقال محمود، الذي يخطط للعودة إلى غزة «إن الجميع يتفقون على أننا في حاجة إلى وقف إطلاق النار، وأعتقد أن هذا كان أمرا ملحا منذ وقت طويل. إن وقف إطلاق النار الذي يجرى بموجبه إطلاق الرهائن ووقف القصف سيكون مفيدا للجميع».
تعليقات