Atwasat

بلاغ صادق ضد معلوم «اليوم العالمي للصحة النفسية 10 أكتوبر»

جازية شعيتير الأحد 11 أكتوبر 2020, 01:30 صباحا
جازية شعيتير

• لا أدعي فهما في الفن أو الأدب، ومع ذلك لم تعجبني التفاسير القاصرة للوحة «الفريدتان» للرسامة المكسيكية فريدا كاهلو. فقد ذهب الكثيرون إلى أنها تجسد قصتها مع زوجها وخيانته لها، لكنني أجدها تشير إلى نوع دقيق من معاناة إنسانية عامة ونسوية خاصة؛ ألا وهي الازدواجية الذاتية.

• ذات أي إنسان تتشكل من جملة مكونات، تتحد في منظومة الترابطات والتفاعلات القائمة بينها، وتختلف هذه الوحدة الناظمة، من حيث قوة أو ضعف بنيتها، بحسب سياق حياتها ومعاناتها وما يطرأ عليها من تبدلات جراء ذلك؛ خصوصا عند النساء، لا سيما العربيات والشرقيات، نظرا لما يجبرهن عليه المجتمع من قوالب ضيقة، وأدوار نمطية قد لا تلبي متطلبات أشتات الذات عند المرأة، فتجد نفسها أمام ذاتها الأخرى الممتعضة وهو ما يجعلها مضطربة!!

• هذه الذات الأخرى تسمى «الأنا الخفية» في علم النفس، وتسمى «هومنكولس» عند الفلاسفة، ولعلها صورة «النفس اللوامة» التي أخبرنا عنها القرآن الكريم.
• أحيانا تبدأ نهارك الجديد وتتعثر بأول مرآة تصادفك فإذا بها أمامك «ذاتك الخفية» محدقة إليك حانقة غاضبة تحاول أن تعاتبك وتلومك!! ولأنه الصباح، تصم أذنك عنها ولا تلتفت إليها كي لا تتداعى كمبنى آيل للسقوط في مواجهة الآخرين. لكنك تعود إليها ليلا؛ تصالحها وتتوحد معها في أشجانها.
• وفي أحايين كثيرة تطاردك ليلا نهارا، تشوش عليك حاضرك؛ إما بتذكر الماضي، أو بتوجس المستقبل.... دائمة الندم والحنين... دائمة القلق والتمني.
• إذا حدث وانهارت بنية الذات، وطفت الذات الخفية الكامنة لتعبر عن نفسها صراحة، وبدت مناقضة تماما للذات الظاهرة، فنحن أمام انفصام الشخصية.

• وفي حالات نادرة تزداد الذات الخفية استعلانا، وتزداد معارضتها حدة، ويصير صوتها ضجيجا، وهو ما يجعل البعض يستل روحه برصاصة في الرأس في محاولة أخيرة لإخراسها، أو يتناول جرعة مفرطة من المورفين كما يقال عن فريدا.
• فريدا عانت كثيرا من الذات الظاهرة العاجزة عن الكثير بما فيها تحقيق حلم الأمومة، صحبة أمراض تكاد تقعدها نهائيا عن الحركة. بينما ذاتها الخفية عفية قوية محبة للحياة، وتواقة لمتعة الجمال بصنوفها.
وقعت فريدا بين ما تريده النفس الجامحة التي لا تقهر، وعجز سجنها الدنيوي الواهن الهش؛ إذا كانت النفوس كبيرة تعبت في مرادها الأجسام الصحيحة فما بالك بالعليلة؟! في نهاية المطاف كتبت: «أتطلع إلى أن تكون النهاية مريحة، وأتمنى أن لا أعود أبدا». قررت الانتحار.
• المحقق الجنائي في داخلي تنبه لما تركته الضحية قبل وفاتها من دليل على الجريمة وجانيها، بمجرد أن وقعت عيني على اللوحة وإدراكي كل تفاصيلها.
اللوحة حاملة السر، كاشفة للمستور؛ حيث جمعت فيها فريدا الظاهرة و فريدا الخفية. جمعت بين صاحبة الحكاية ومحل الحكاية. بين الجاني والمجني عليه. بين الجلاد والضحية. في اللوحة قالت فريدا لذاتها «فيك الخصام وأنت الخصم والحكم...».

• ولكن ماذا يقول القانون الليبي في هذه الواقعة؟ لا يجد المشرع الجنائي جدوى من اعتبار فعل الانتحار جريمة لاتحاد صفة الجاني والمجني عليه. فهو يشترط لجرائم القتل والإيذاء وقوعها على شخص آخر، لكنه في المقابل يعاقب غير المحرض أو المساعد على الانتحار، سواء وقع الانتحار أم وقف الفعل عند حد الشروع، وذلك في المادة 376 من قانون العقوبات الليبي.

• وعليه فإن من يقرر إنهاء حياته الخاصة ويعرض على صديق أو أجير أن يعينه على ما انتوى، ويشرعان كلاهما في جريمة القتل، إلا أن محاولتهما تبوء بالفشل، لسبب خارج عن إرادتهما، ستقوم السلطة القضائية برفع دعوى جنائية لتقتضي حقها في عقاب الشريك بإيداعه الحبس لمدة قد تصل إلى السنتين، بينما محاول الانتحار يرقد في بيته أو في مستشفى يعالج الأضرار العضوية الناجمة عن المحاولة القاتلة! أستغرب خلو القانون من تدابير احترازية للناجي من الشروع في الانتحار... بنجاة الذات الضحية سهلت مجازاة الجانية، وأنسب جزاء هو تدبير علاجي بإيداعها في مصحة نفسية مثلا. نحتاج إلى تعديل تشريعي لوضع من يحاول الانتحار تحت الملاحظة والعلاج النفسي.

• إذا قدر الله النجاة من محاولة انتحار ذاتية دون مساعدة الآخرين، لن تجد الذات الناجية وليا إجرائيا مرشدا؛ فالسلطة القضائية ليست ولي من لا ولي له في هذه الحالة؛ فلن ترفع النيابة دعوى جنائية ضد الذات الجانية بتهمة الشروع في جريمة انتحار، ولن تعين المحكمة للذات الضحية وكيلا يطالب بالتعويض في الدعوى المدنية... إذ كانت ذاتك الخفية هي الجاني فلا ولي لك إلا الله.

• الأسوأ من ذلك حين تتيقن إحدى الذوات من النية الجرمية المبيتة لدى الذات الأخرى، وأسرعت لأقرب مركز شرطة تطلب من المحقق الجنائي فتح محضر لتقديم بلاغ: أتهم نفسي بأنها تخطط وتجهز لقتلي!! هل سيعتبر المحقق هذا البلاغ إزعاجا للسلطات القضائية ويقع تحت طائلة المادة 263 عقوبات ليبي، المتعلقة بجريمة الافتراء على النفس؟ هي لم تكذب، فالبلاغ صادق جدا. هل سيتعاملون مع هذه الذات باعتبارها مريضة نفسية ويحيلونها إلى مستشفى الأمراض النفسية، أم سيستخفون بهذه الشاكية؟ لعلها لو قدمت بلاغها ضد مجهول لضمنت فاعلية إجرائية في التحري عن بلاغها ضد ذاتها!

• إذا الخصام الشديد والتجاهل التام للذات الخفية قد يزيد معارضتها ومحاولتها الجموح والهروب، وإن هي عجزت لجأت لفكرة أذى الذات المعلنة «الشرعية»، وهو حد خطير يقود إلى تدمير أشتات الذات كلها. بينما التصالح معها ومعاملتها بديمقراطية رشيدة بإعطائها مساحة لتعبر عن ذاتها ولو بالمخالفة لما اعتادت عليه الذات المعلنة، وبدون اللجوء لأن تستنصر عليها بأي عوامل قوة داخلية أو خارجية، من شأن ذلك ضمان نجاة الذوات جميعها.

• بإمكاني أن أختم بالقول إن هذا الشتات الذاتي والخصام مع الأنا الأخرى وصولا إلى تدمير الذات ليس سلوكا مقصورا على الأشخاص الطبيعيين وبشكل فردي؛ فقد رصدت مظاهره لدى أمم وشعوب كاملة، ودول وممالك قائمة. لعل الحكمة تقتضي الإحجام عن ذلك؛ لتضحى المقالة أقل سوداوية.

مراجع المقال كثيرة، أهمها مرتبة بحسب تسلسلها الزمني:
• لوحة «فريدتان اثنتان»، 1939، للرسامة فريدا كاهلوا.
• فيلم آسف على الإزعاج، 2008، للمؤلف أيمن قمر.
• مقالة أشتات الذات، 2017، للكاتب عمر أبو القاسم الككلي.
• جدارية سيبرانية، 2019، للدكتور نجيب الحصادي.
• فريدا فرشاة الألم، 2019، للأستاذة ياسمين جمال.