أطفال بنغازي..من لا يموت بالقصف العشوائي يعاني اضطرابات نفسية مزمنة

ليس اللعب وحده ما يدفع الأطفال في أحياء بنغازي لإيقاف السيارات في الطريق العام أو الاستلقاء أمامها دون مبالاة، وفي ممارسات أخرى يفتحون أبواب السيارات أثناء سيرها، تنطلق ضحكاتهم عند توقُّف سيارة وصراخ سائقها، كان المنظر غريبًا ومخيفًا بحق.

سلوكيات خطيرة
يقول اختصاصي علاج وتأهيل مدمني المخدرات رجب أبوجناح لـ«بوابة الوسط»: «أسباب السلوكيات الخطيرة متعدِّدة ولا يمكن حصرها في سبب واحد بعضها أسباب مرتبطة بالطفل نفسه وبعضها أسباب أسرية أو لها علاقة بالبيئة المحيطة بالطفل، كذلك بعض السلوكيات مرتبطة بالفتيات دون الأولاد والعكس، فمثلاً سلوكيات المشاجرة والصراخ والعدوانية والتخريب وعدم الطاعة مرتبطة بالذكور أكثر من الإناث، بينما سلوكيات التذمر والإحباط والعزلة والانطواء وتجنب المنافسة مرتبطة بالإناث أكثر من الذكور.وأشار أبوجناح الذي يعمل مديرًا لمؤسسة «أمان» للوقاية من المخدرات والإيدز إلى أنَّه قد يحدث بعض الشذوذ عن القاعدة خاصة في زمن الحرب، فنلاحظ تساوي السلوكيات بين الذكور الإناث كوجود طفل يتجنب الحديث ويحب العزلة، ونرى طفلة تسعى للظهور والتخريب، كما أنَّ أسبابًا ترجع للتنشئة الاجتماعية ووجود القدوة بالبيت والتقليد والمحاكاة ولفت تقدير الأسرة والمحيطين.

أخبار الحرب ستوثر في الأطفال خلال سنوات لاحقة، وتسبب لهم اضطرابات ومشاكل سلوكية خطيرة

وتابع: «الحرب والقتل أكبر موضوع يشغل حال الأطفال الآن ولكن ما يجب أن نجيب عليه دائمًا هو الأسئلة التالية: ماذا يسبق السلوك؟ ما السلوك؟ ماذا يحدث بعد السلوك؟ لأنَّ الإجابة على هذه الأسئلة تحدِّد غاية الطفل من هذه التصرفات أو بمعنى آخر ما الرسالة التي يريد إيصالها؟، فسلوك الطفل هو ردة فعل (إيجابية - سلبية) تجاه موقف تعرَّض له وكانت استجابته هي السلوك الذي قام به». موضحًا: «بصفة عامة السلوكيات الخطرة هي تعبير عن رفض واقع قائم سواء كان داخل نفس الطفل أو داخل أسرته أو داخل مجتمعه ولعل الحرب والقتل أكبر موضوع يشغل حال الأطفال خلال هذه السنوات لذلك ستكون سلوكياتهم نابعة من خلال التعبير عن هذا الرفض بأفعال مختلفة».

موت الأطفال
ولفت أبوجناح إلى خطورة سماع الأطفال أخبار موت أقرانهم في مناطق قريبة منهم قائلاً: «إن سماع موت أطفال دون جريمة سوف يكون له أثر سيئ كبير في شخصياتهم وأفضل لنا ألا نسمعهم ذلك إطلاقًا».

وأوضح: «الأطفال لا يدركون حقيقة ما يحدث، لذلك يجب علينا عدم إقحامهم في مثل هذه المواضيع لسلبية وقع هذه الأخبار على نفسياتهم، قد لا نرى ذلك الآن لكن أخبار الحرب توثر فيهم خلال سنوات لاحقة وتسبِّب لهم اضطرابات ومشاكل سلوكية خطيرة».

ونوه إلى أنه «قد يشغل اللعب الأطفال عن السلاح ولكن أصوات القصف تخزَّن في الذاكرة وتظهر مع مرور الوقت، لذلك يجب عدم تعريض الأطفال لسماع أصوت القصف»، معللاً ذلك بأنه يسهم في خلق شخصيات مضطربة لا مبالية غير مهتمة مستقبلاً أما سماع صوت القصف البعيد فعقل الطفل اللاواعي يدرك أن أسرته ومنطقته مجبرة على سماع ذلك.

وأضاف: «رأيت كثيرًا من الأطفال في معظم مدن ليبيا يعانون (اضطراب ما بعد الصدمة) وهي كالهزات الارتدادية للزلزال قد تحدث بعد مدة طويلة من انتهاء الحرب وتوقف الانفجارات»، مبينًا أن الأطفال قد يخفون شعورهم بالخوف بناء على طلب أسرهم وفي الحقيقة هم يخفونها بأمر وهذا ما يجعلها تظهر لاحقًا بتعبيرات أخرى.

المنظمات لا تحث الأسر على ترك منازلهم القريبة من أماكن الاشتباكات لأنه لا توجد أماكن إيواء بديلة

منظمات الطفولة
وحول دور منظمات الطفولة في بنغازي، اعتبر رئيس المنظمة الدولية لحماية الطفولة وذوي الإعاقة محمد السليني: «إن دور منظمات الطفولة ينقسم إلى جزأين، الأول هو المنظمات الخيرية التي تحاول تقديم شيء في ظل نقص الإمكانات ويظل دورها أفضل من دور وزارة الشؤون الاجتماعية، والثاني هو المنظمات الحقوقية التي ترصد الانتهاكات التي تقع على الأطفال».

وعن حث الأسر والأهالي على ترك منازلهم الواقعة قرب الاشتباكات، التي تتعرَّض للقصف العشوائي قال: «لا توجد أي خطوة عملية تقوم بها المنظمات حيال ذلك، فأين يذهب هؤلاء خاصة في ظل ضعف الحكومة وعدم توافر أماكن إقامة بديلة؟».وعلى صعيد ما تقدمه المنظمة للأطفال المصابين أو الذين يتأثرون بالنزاع في بنغازي قال: «قمنا ببعض ورش العمل للدعم النفسي للأطفال النازحين في المدارس ونقوم بإرسال تقرير بشكل دوري لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا ومكتب اليونيسف».

قصف عشوائي
وبشأن القصف العشوائي في بنغازي قال مسؤول المكتب الإعلامي بغرفة عمليات الكرامة بالجيش ناصر الحاسي: «نعم قصف عشوائي من الإرهابيين والمتعاونين معهم، حيث تمَّ القبض على عدة أشخاص يقومون بذلك».

وأضاف الحاسي: «مناطق الاشتباكات هي الصابري وسوق الحوت والليثي وبوعطني خلف مصنع الألبان ومناطق غرب بنغازي الحليس وتيكا، ومنها تنطلق القذائف على المناطق القريبة والمتاخمة لهذه المناطق وذلك عندما يضغط عليهم الجيش يقومون بذلك لإفزاع الناس وإرباك الموقف».

وختم الحاسي: «نحن لا نريد إفراغ بنغازي من أهلها ولكن نطلب من المواطنين الابتعاد عن الاشتباكات».