قصة القتال من أجل بنينا «معيتيقة الشرق»

اتسم القتال في محور بنينا بين قوات الجيش المنضوي في عملية الكرامة، ومسلحي ما يُعرف بـ«مجلس شورى ثوار بنغازي» بالشراسة وكثافة القوة النارية، التي استخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، وظلت المعارك على شراستها لمدة أشهر قبل أن يتمكن الجيش من حسمها لصالحه.

وحاول مقاتلو «مجلس شورى ثوار بنغازي»، وفق معلومات حصلت عليها «بوابة الوسط»، إحكام السيطرة على مطار بنينا، والقاعدة الجوية الملاصقة لها، من أجل بسط نفوذه السياسي والاقتصادي على المدينة، وهو ما أعطى المواجهات قوة وأهمية في آن معًا.

اهتمام «مجلس شورى ثوار بنغازي» بالسيطرة على بنينا يرجع لوجود مطارين أحدهما مدني والآخر عسكري بالتزامن مع هجوم «فجر ليبيا» على مطار طرابلس وقاعدة معيتيقة

ويُرجع عدد من الخبراء اهتمام «مجلس شورى ثوار بنغازي» بالسيطرة على بنينا، لوجود مطارين أحدهما مدني والآخر عسكري، تزامن ذلك مع هجوم مسلحي ما يُعرف بـ«فجر ليبيا» على مطار طرابلس والقاعدة الجوية بمعيتيقة، ومحاولة الجماعات «الجهادية» السيطرة على مدينة درنة.

في حين تسيطر جماعة «أنصار الشريعة» التي صنفها البرلمان والحكومة الأميركية «جماعة إرهابية»، على جزء كبير من بنغازي ثاني أكبر المدن الليبية، في وقت لم تنجح فيه السلطات الليبية الانتقالية في تكوين جيش نظامي، ومؤسسات أمنية ذات جاهزية عالية لبسط الأمن في البلاد، بما في ذلك مراقبة الحدود.

وكان «مجلس شورى ثوار بنغازي» تأسس فى 20 يونيو 2014، ويضم مجموعة من الكتائب ذات التوجه الإسلامي المتطرف، أهمها «أنصار الشريعة» و«درع 1» و«كتيبة 17 فبراير»، وكتيبة «راف الله السحاتي».

بنينا «معيتيقة الشرق»
قال آمر قاعدة بنينا الجوية العقيد سعد محمد الورفلي لـ«بوابة الوسط»، إن التنظيمات الإرهابية قامت بمحاولات من قبل للسيطرة على المطار المدني والقاعدة الجوية بمنطقة بنينا قبل انطلاق عملية الكرامة، مضيفا: «لو تمت السيطرة على المطار والقاعدة لحسمت المعركة لصالح مليشيات مجلس الشورى».

وأشار الورفلي إلى أنه حال السيطرة على بلدة بنينا التي وصفها بـ«الاستراتيجية»، فإنها ستكون بمثابة «معيتيقة الشرق» فى إشارة إلى قاعدة معيتيقة الجوية بمدينة طرابلس، التي تسيطر عليها المجموعات المسلحة المرتبطة بما يسمى بالإسلام السياسي، وحينها ستكون بنينا مكانًا لاستقبال الذخيرة والسلاح والمقاتلين، حسب قوله.

وأضاف الورفلي أنَّ تلك الجماعات خاضت عدة محاولات للسيطرة على القاعدة والمطار في بنينا، قبل شنّ مجلس الشورى هجومًا كبيرًا في الأول من ديسمبر العام الماضي، مؤكدًا أن ذلك تم «بدعم قوي من جهات خارجية ليس لوجيستيًا فقط، وإنما تخطيطًا وعملاً على الأرض».

وتابع: «في عام 2013 وصلت طائرة نوع 130C إلى قاعدة بنينا قادمة من طرابلس، يقودها عبدالرحمن خرواط من أجل نقل مساجين من بنغازي إلى طرابلس، وحين تم الاتصال ببعض الجهات الرسمية المعنية اتضح أن تلك الجهات لا تمتلك معلومات عن الطائرة وهوية المساجين المراد نقلهم، وفوجئت بتغيير مسار الرحلة إلى مكان آخر، ما اضطرني إلى وقف الرحلة واحتجاز الطائرة إلى حين توفر المعلومات».

11 هجومًا على مطار بنينا
ويرى خبراء عسكريون وأمنيون أن مكمن الخطورة في سيطرة تلك الميليشيات على المطارات والقواعد، ومن بينها قاعدة معيتيقة «أكبر قاعدة جوية في ليبيا»، منذ سقوط نظام القذافي في 2011، هو أن تلك المطارات والقواعد ستكون غير خاضعة لمؤسسات الدولة الشرعية.

وأشار رئيس ما يعرف بـ«لجنة تذليل الصعاب بمطار بنينا الدولي» عزالدين الوكواك، إلى محاولات عديدة من تلك التنظيمات للسيطرة على المطار منذ بداية الثورة، لافتًا إلى أن الهجمات التي قامت بها قوات ما يعرف بـ«مجلس شورى بنغازي» على المطار منذ 1 سبتمبر 2014 بلغت 11 هجومًا، كان الهدف منها هو السيطرة على المطار والقاعدة.

القبض على عناصر أجنبية بمطار بنينا
وفي 22 فبراير من العام الماضي تم القبض على ستة أشخاص أجانب في مطار بنينا، بعدما تبين أنهم كانوا يحملون جوازات سفر ليبية، ولم يتم التأكد من جنسياتهم. وقال وزير الثقافة والمجتمع المدنى السابق حبيب الأمين في تصريحات وقتها، إنه «سيتم نشر نتائج التحقيق حول هؤلاء الستة وطرح هويتهم أمام المواطنين، وحقيقة المهمة المكلفين بها في ليبيا، ولماذا استخدموا جوازات سفر ليبية مزورة، ومن أين أتوا بالمبالغ المالية الكبيرة التي وجدت معهم».

ونقلت «بوابة الوسط» عن مصادر خاصة أنّ الأشخاص الستة المعتقلين آنذاك، حيث تردّدت أنباء بأنهم قطريون، ثم ثبت أنهم من السعودية، ويعملون ضمن شبكة تقودها بعض العناصر الليبيّة المنتمية للتيارات الإسلامية، التي تُجنّد عناصر من جنسيّات سعودية وفلسطينية ومصريَّة وليبية وتونسيّة وجزائرية، وإدخالهم عبر الحدود التركية إلى سورية وتدريبهم هناك.

تستخدم شبكة إرهابية دولية الأراضي الليبية والمطارات معبرًا للعناصر «الجهادية» إلى تركيا ثم سورية

وتستخدم تلك الشبكة الأراضي الليبية والمطارات معبرًا للعناصر «الجهادية» إلى تركيا ثم سورية، أو إدخالهم إلى بلدان أخرى، فيما كشف مصدرُ أمني لـ«بوابة الوسط»، أن وجود شخصيّات سياسيّة ليبيّة في تركيا له علاقة بعمليات التدريب التي تقودها الشبكة.

وأشار الوكواك إلى تسجيل صوتي مُسرَّب نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، بين عضوى الجماعة الليبية المقاتلة ومدير قناة الجزيرة السابق وضاح خنفر، الذي طلب وساطة من مدير مكتب الجزيرة السابق في ليبيا عبد العظيم محمد، للحصول على المال والسلاح من أجل السيطرة على المطار والقاعدة، بينما أكّدت تقارير إخبارية محاولة استغلال المطار كممر من قبل جماعات متشددة للغرض نفسه.

ويضيف آمر تحريات القوات الخاصة فضل الحاسي لـ«بوابة الوسط» أن مسافرين سوريّين ضبطا أثناء مغادرتهما مطار بيننا الدولي فى شهر أبريل العام الماضي وبحوزتهم 50 ألف دولار و2000 دينار ليبي، أحدهما يحمل ثلاثة جوازات سفر.

مقتل 634 من المدنيين والعسكريين
وأوضح الحاسي لـ«بوابة الوسط» أن المضبوطين لديهما قائمة بأسحلة يبدو أنهما بصدد التعاقد على شرائها من بنغازي. وأحيل المعتقلان إلى جهات الاختصاص للتحقيق معهما، وسط استمرار تعرض منطقة بنينا إلى قصف عشوائي منذ مايو العام الماضي من قبل المسلحين المُتحصنين بمناطق القوراشة وسيدي فرج.

وبينما يُحاول تحالف أنصار الشريعة السيطرة على منطقة بنينا التي تضم مطار بنغازي والقاعدة الجوية، قال خبراء في مجال مكافحة الإرهاب إن العديد من القيادات المتشددة قتلت أثناء المعارك، من بينهم يحيى المقصبي، وسليم نبوس، وقائد تنظيم أنصار الشريعة محمد الزهاوي المكنى بـ«أبو مصعب»، فيما قتل أبوطلحة التونسي في هجوم على مطار بنينا العسكري، وأدت المعارك حول بنينا بحسب مصدر بالمجلس المحلي بنينا إلى مقتل 634 من المدنيين والعسكريين، فيما دمر 20% من المباني العامة بحسب رئيس لجنة الأزمة ببنينا.