تقرير فرنسي: الآثار الليبية بين مطرقة «داعش» وسندان السرقة والتخريب

كَشَفَ مسؤولٌ في مصلحة الآثار الوطنية قيام مصلحة الآثار «بحصر سريع لكافة الموروث الأثري في البلاد وتصويره وتخزينه بشكل جيد تحسبًا لأي طارئ» عقب ظهور تنظيم «داعش».

ورأى مراقب آثار بنغازي محمد الشلماني، المسؤول في مصلحة الآثار إنَّه «يجب نقل جميع آثارنا المهدَّدة إلى خارج البلاد للحفاظ عليها واستعادتها بعد استتباب الآمن».

مراقب آثار بنغازي محمد الشلماني: يجب نقل جميع آثارنا المهدَّدة إلى خارج البلاد للحفاظ عليها واستعادتها بعد استتباب الآمن

جاء ذلك في إطار تقرير مطوَّل نشرته وكالة الأنباء الفرنسية حول المخاطر التي تواجه الآثار الليبية. وتضمَّن التقرير تحذيرات من خبراء ومسؤولين ليبيين أنْ «يدفع قطاع الآثار في البلاد ثمن تصاعد نفوذ الجماعات المتطرِّفة، وسيطرتها على مناطق في وسط وشرق البلاد، كما حَدَثَ في العراق على أيدي تنظيم داعش».

وأكد تقرير الوكالة الفرنسية «فرانس برس» أنَّ قطاع الآثار يتعرَّض لاعتداءات متنوِّعة منذ نحو أربع سنوات، إذ هُـدِّمت أضرحة وجُرِّفت مواقع وسُرقت قطعٌ أثرية، بحسب علماء آثار ومصادر رسمية.

مخاوف من تكرار مأساة العراق
وقال رئيس مصلحة الآثار، أحمد حسن، للوكالة الفرنسية: «نخشى أنْ تطال أيدي العابثين من المتطرِّفين موروثنا الثقافي كما حدث في العراق». وأضاف: «نعمل للحفاظ على هذا الموروث بالتعاون مع مختلف الفاعلين الليبيين والشركاء الدوليين».

وأشار التقرير إلى أنَّه في ليبيا عشرات المواقع الأثرية التي تعود إلى حِقَبٍ متنوعة في التاريخ. وتصنِّف منظَّمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونيسكو» خمسة مواقع أثرية ضمن قائمة التراث العالمي.

وهذه المواقع هي موقع صبراتة الأثري، الذي يجمع الحقبتين الفينيقية والرومانية، ويضم مسرحًا على ساحل البحر غرب طرابلس، ومدينة شحات التي بناها الإغريق في شرق البلاد، وموقع لبدة الرومانية قرب طرابلس، ومواقع تادرارت أكاكوس الصخرية الغنية بآلاف النقوش، والتي يعود أقدمها إلى 21 ألف عام قبل الميلاد في جنوب غرب ليبيا، ومدينة غدامس جنوب غرب العاصمة التي تعود آثار العيش فيها إلى نحو عشرة آلاف سنة قبل الميلاد.

تدمير الموروث الإنساني
وأكد مراقب آثار بنغازي، محمد الشلماني، لـ«فرانس برس» أنَّ بروز تنظيم «داعش» في ليبيا «دَفَعَ جميع الخبراء إلى أنْ يبدوا مخاوفهم من تكرار سيناريو العراق في تدمير الموروث الإنساني» في البلاد.

وقال الشلماني: «إنِّه في ظلِّ هذه المخاطر، قرَّرت مصلحة الآثار القيام بحصر سريع لكافة الموروث الأثري في البلاد وتصويره وتخزينه بشكل جيد تحسبًا لأي طارئ، والتوجُّه إلى الأمم المتحدة واليونيسكو لطلب مساعدة البلاد في الحفاظ على موروثها التاريخي».

ورأى أنَّه «يجب نقل جميع آثارنا المهدَّدة إلى خارج البلاد للحفاظ عليها واستعادتها بعد استتباب الأمن».

وكان تنظيم «داعش» عَرَضَ شريطًا يظهر قيام عناصره، بتدمير تماثيل آشورية وغيرها يعود تاريخها إلى مئات الأعوام قبل الميلاد، في متحف الموصل في شمال العراق وموقع أثري ثانٍ في المدينة، مستخدمين مطارق وآلات ثقب كهربائية، كما عرض التنظيم صورًا وأشرطة مصوَّرة تظهر قيام اتباعه بتفجير مزارات وأضرحة وأماكن عبادة أثرية في العراق وفي سورية أيضًا.

تدمير الأضرحة
وقال مدير مكتب الإعلام في مصلحة الآثار، فتح الله كمشة لـ«فرانس برس»: «إنَّه منذ 2011 تعرَّض كثيرٌ من الأضرحة للتدمير على أيدي متشدِّدين» بينها أضرحة في زليتن شرق طرابلس وفي العاصمة نفسها، وأضرحة زويلة التاريخية في الجنوب وأضرحة في درنة والأضرحة والمواقع الصوفية في مدينتي صرمان وصبراتة غرب العاصمة.

وأضاف كمشة أنَّ مصلحة الآثار وثَّقت عدة سرقات تمثَّلت في «سرقة بعض الأواني الفخارية من متحف سلطان بالقرب من مدينة سرت وسرقة عدد من الأواني الفخارية من متحف سوسة، إضافة إلى سرقة لوحتين من الفسيفساء في شحات، وكنز بنغازي».

وكانت عصابة سطت على «كنز بنغازي» وهي مجموعة من القطع النقدية الذهبية والفضية والبرونزية التي يعود بعضها إلى عصور ما قبل التاريخ، ويبلغ عددها نحو 7700 قطعة بعدما قامت العصابة بحفر سقف خزانة تحت الأرض في البنك التجاري الوطني في بنغازي، في أواخر العام 2011.

أكبر كارثة في ليبيا
وأكد عالِم الآثار، فضل الحاسي، أنَّ أكثر من 15 موقعًا أثريًّا تعرَّضت للتجريف منذ 2011 وتحوَّلت إلى مساكن، بينها مواقع داخل مدينة شحات.

كما أكد أنَّ نقوشًا صخرية في جبال أكاكوس في قلب الصحراء تعرَّضت أيضًا إلى أعمال تخريب بالطلاء، فيما طالت عمليات القصف العشوائي قصرًا عثمانيًّا في بنغازي.

وأضاف الحاسي أنَّه جرى «تخريب قصر إسلامي بناه المعز لدين الله الفاطمي في منطقة العزيات غرب مدينة طبرق على الحدود الليبية - المصرية، ليتحوَّل إلى حظيرة للحيوانات».

ولفت تقرير «فرانس برس» إلى أنَّ متشدِّدين أزالوا نهاية العام الماضي تمثال «الغزالة والحسناء» الشهير الذي يعود إلى فترة الاحتلال الإيطالي، وهو عبارة عن امرأة عارية قرب غزالة، وكان يعد من أجمل معالِم العاصمة.

كما لفت التقرير إلى أنَّ جميع المواقع الأثرية لم تُغلق فعليًّا أمام الزوار، لأنَّ معظم الآثار عبارة عن مسرح مفتوح على الطبيعة، في ما عدا المتاحف التي أُقفلت نتيجة للإضرابات الأمنية وخشية السطو على محتوياتها، وبينها متحف «السرايا الحمراء» في طرابلس.

وتقتصر حراسة المواقع الأثرية حاليًّا على الموظفين المدنيين غير المسلحين والتابعين لمصلحة الآثار، بعدما كان يحميها في السابق جهاز شرطة السياحة.

واُختُتم التقرير بنداء الحاسي الذي قال: «إنَّ الأخطار المحدقة بقطاع الآثار أزمة وطنية يجب تداركها سريعًا، مؤكدًا: «إنها أكبر كارثة في ليبيا حاليًّا».

المزيد من بوابة الوسط