ليبيا في الصحافة العالمية (7- 20 مارس 2015)

ركزت الصحافة العالمية خلال الأسبوعين الماضيين خلال تغطيتها الشأن الليبي، على متابعة سبل حل الأزمة الليبة من خلال استئناف الحوار بين أطراف الأزمة الليبية. كما وجهت الصحافة العاليمة أنظارها على تحركات تنظيم داعش المتطرف على الأراضي الليبية. فقد زار صحفيون تابعون لجريدة «ذا تلغراف» البريطانية مدينة سرت الليبية لاستطلاع أحوالها، في ظل ما قالت إنه السيطرة الواسعة لأعضاء تنظيم «داعش» على أجزاء منها، والذين تحولوا من مجموعة صغيرة إلى قوة ضخمة.

استطاعت قوة «داعش» أن تنمو بشكل كبير بعد انضمام عدد من السكان المحليين إليهم، بعد أن رأوا التنظيم مصدرًا وحيدًا للقوة في ليبيا بعد عصر معمر القذافي، وفق رواية ساكن محلي يدعى ميلاد نقلتها الجريدة.

ورصد التقرير تحول قاعة المؤتمرات التي بناها القذافي للضيوف من الخارج إلى مقر رئيسي للتنظيم يعلوه علمه الأسود المعروف، وعدد من القناصين، وبسط «داعش» سيطرته على معظم شرق المدينة خاصة الضاحيتين الثانية والسابعة، كما فُرض منع للدخول على المنطقة التي قُتل بها القذافي في العام 2011.وأشارت الجريدة إلى إغداق القذافي الأموال على سرت، إلا أن التنظيم وأميره أبوبكر البغدادي أجبرها على الخضوع ونشر فيها الفوضى.

ونقلت الجريدة عن شخص آخر قوله إنه يمكنه تمييز وجوه أفراد في «داعش» الذين قاتلوا إلى جانب القذافي في العام 2011، وأكد أن التنظيم أتاح في بداية وصوله ضم من قاتلوا مع القذافي بعد إعلان توبتهم.

وأكد ضابط بالجيش الليبي وعضو باللجنة الأمنية في سرت لـ«تلغراف» يدعى، محمد الزادمة، انضمام عدد من مقاتلي القذافي غير المتشددين للتنظيم لشعورهم أنه يوفر لهم الحماية، ونقلت الجريدة أن أحد أمراء التنظيم هو قريب لأحد مسؤولي القذافي الكبار.

وتحدث شهود عن إغلاق المقاهي التي يتم فيها التدخين، وفصل الطلبة عن الطالبات في الجامعة، وأكّد الزادمة إجبار«داعش» أصحاب عدد من المحلات لتعيين أعضاء به لتأمين رواتب لهم.

ولفتت الجريدة إلى أن سرت تعد أول مدينة مهمة يسيطر عليها «داعش» بعد درنة، مشيرةً إلى خطورة قربها من السواحل الإيطالية.

«داعش» سببًا في التسوية
وفي مقال بموقع معهد «أتلانتيك كاونسيل» يرى الكاتب محمد الجارح أنّ التهديدات الناتجة من وجود تنظيم «داعش» في ليبيا قد تدفع الأطراف الليبية للوصول إلى تسوية سياسية، ولكنه في الوقت نفسه يطالب المجتمع الدولي بالاستعداد لاتخاذ قرارات حتمية في حال فشل الحوار السياسي.وقال: «الدول الغربية يجب ألا تستخدم دعوات الوحدة والتسوية من أجل استرضاء القوات غير الديمقراطية، ولكن عليها التأكد من تحقيق العملية الديمقراطية في ليبيا».

وأضاف الباحث الليبي أنّه رغم الانطلاقة الإيجابية للمحادثات في المغرب، إلّا أن عدم الثقة بين الأطراف المتنافسة والاشتباكات المستمرة يجعل نتيجة المحادثات غير مؤكدة.

مستقبل ليبيا في أربعة سيناريوهات
ووضع الكاتب أربعة سيناريوهات لما يمكن أن تؤول إليه الأحداث في ليبيا:
أولاً: انتشار الفوضى وعدم الاستقرار، وبالتالي تفكك ما تبقى من مؤسسات الدولة مثل البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، ففشل الوصول إلى تسوية سياسية يزيد الأزمة المالية والاقتصادية، ويؤثر على المرتبات والخدمات الأساسية، وبالتالي وقوع كارثة إنسانية.

ثانيًا: زيادة احتمالات التدخل الإقليمي أو الدولي، يقول الكاتب إنه رغم الدعوات الدولية بعدم وجود تدخل عسكري، وأن الحل سياسي فقط، إلا أن بعض التصريحات من مصر وفرنسا وإيطاليا تشير إلى أن التخطيط لمواجهة الإرهاب، قد يكون في شكل ضربات جوية مركزة أو قوات أرضية لحفظ السلام بالتنسيق مع السلطات الليبية على الأرض.

ثالثًا: تحقيق أحد الأطراف المتنافسة فوزًا ساحقًا على الطرف الآخر، وفي هذه الحالة سيسعى الخاسر لعكس تلك النتيجة، وتزيد أعمال العنف والتمرد والتفجيرات ضد المؤسسات الحيوية والمهمة مما يهدد منشآت النفط الحيوية.رابعًا: الوصول إلى اتفاق تقاسم السلطة بين الأطراف المختلفة، ووصف الكاتب هذا السيناريو بالأكثر تفاؤلاً، لأنه سيؤدي لزيادة فاعلية المؤسسات المهمة مما يقلل الضغط على القطاعات الاقتصادية والمالية، ويساعد الدولة في مواجهة خطر «داعش».

دور الأطراف المتحاورة
وأكد الكاتب أهمية الاستفادة من المحاور الإيجابية في الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة، ووضع عدة نقاط على الأطراف المختلفة التأكيد عليها لإنجاح الحوار.

النقطة الأولى هي تفعيل دور المجالس المحلية للقضاء على التهديدات الأمنية في كل مدينة بالتنسيق مع الحكومة المركزية، يقول الكاتب أن مجلس بلدية منتخب في كل مدينة يتولى مهام تنسيق شؤون مدينته، في الوقت الذي تقوم فيه الحكومة المركزية ببناء وإصلاح القطاع الأمني، وعلى المجتمع الدولي توجيه مساعداته للمجتمعات المحلية لزيادة فاعليتها.

وشدد الكاتب في النقطة الثانية على أهمية التعامل مع الكوارث الإنسانية، ويرى أن التعامل السريع مع الأزمات الإنسانية وأزمات النازحين ستعطي الأطراف التي شاركت في الحوار مزيدًا من المصداقية.

وشجع الكاتب في نقطته الثالثة على أهمية بناء مبادرات موثوقة، فالأطراف المشاركة في الحوار يمكنها تكوين لجنة لتسهيل تبادل الأسرى وتوفير دعم للنازحين والعمل على حل النزاعات المحلية عن طريق الحوار.

وأخيرًا، العمل على تقليل المنافسة على الموارد والسلطة عن طريق نظام حكم فيدرالي، تقوم فيه الحكومة بتولي مهام الشؤون الخارجية والأمن القومي، وإسناد المهام التشريعية للأقاليم.

تغوّل التشكيلات المسلحة
رصدت جريدة «ذا تلغراف» البريطانية ما وصل إليه الحال الليبي، مشيرة إلى إغلاق حقول النفط وما قالت إنَّه تغول التشكيلات المسلحة.رأت الجريدة أنَّ تأثير تنظيم «داعش» وَصَلَ إلى حدود مقلقة وملحة، معلقة بأنَّ تنظيمات مثل «داعش» و«بوكو حرام» تثبت أنَّه بإمكان أيديولوجية الكراهية أنْ تنتشر في الدول غير المستقرة.

وأشارت الافتتاحية إلى أنَّ هجوم التنظيم على مواقع تاريخية وأثرية في العراق يؤكد أنَّ مثيلاتها في ليبيا مثل لبدة الكبرى وصبراتة ليست بعيدة عن خطر «هجمات (داعش) البربرية». وحلل المقال هجمات «داعش» بكونها ليست فقط قتل مَن يقاومهم بل هجومٌ على كل ما يرونه ثقافة معارضة لهم.

وأكدت الافتتاحية ضرورة تقبل البريطانيين أنَّ حالة ليبيا نتيجة للتدخل الغربي الذي أطاح الرئيس الليبي السابق معمر القذافي العام 2011، وأنَّه كما احتفل رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، بالنصر فعليه تحمُّل نصيبه من المسؤولية عن الفوضى التي تبعت الانتصار.

وقالت: «تبقى ليبيا تذكيرًا للقادة السياسيين الذين قد يفكرون في أي تدخل عسكري في المستقبل ليقوموا به بشكل صحيح بالتخطيط والالتزام المناسبين والتعامل مع النتائج وليس فقط في إطار العمليات العسكرية».

نمط جديد من العنف
أكد تقرير لجريدة «وول ستريت جورنال» أن الهجمات الدامية التي شهدتها حقول وموانيء النفط الليبية في الآونة الأخيرة، تسببت في ضرر دائم لصناعة النفط، والتي تؤثر على أسواق النفط وتغير من معركة السيطرة على الدولة.وأضاف تقرير الجريدة الأميركية أن الهجمات التي استهدفت حقول النفط وموظفيها إنما تدل على نمط جديد في أعمال العنف التي تشهدها ليبيا، فعدم قدرة أي طرف على حسم الصراع والسيطرة على منشآت النفط، يدفع الجماعات المسلحة إلى تدميرها لمنع الطرف الآخر من الاستفادة منها.

ونقل التقرير عن جيف بورتر، أستاذ مساعد بمركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأميركية، قوله: «الهدف الرئيس من هجوم تنظيم «داعش» على صناعة النفط هو تدمير الحقول لتدمير العائدات المالية، وليس السيطرة على الحقول».

وتوقعت مجموعة «يوروآسيا» الاستشارية زيادة حدة هجمات المتشددين على منشآت النفط خلال الأسابيع المقبلة، مضيفة: «لن يكون هناك انتعاش في صادرات النفط على المدى القريب».

وحذرت الجريدة من انهيار مؤسسات الدولة، والتي وصفتها بـ«الهشة»، بسبب تدمير البنية التحتية لاستخراج النفط، وأضافت أن صناعة النفط في ليبيا شهدت تغيرات كبيرة منذ إطاحة معمر القذافي عقب ثورة 2011.

وعن المدة اللازمة لإصلاح الدمار الذي لحق بالمنشآت النفطية عقب الهجمات، نقلت الجريدة عن أحد المسؤولين في ليبيا قوله: «يلزمنا عام على الأقل حتى يعود الإنتاج إلى معدلاته الطبيعية».

وعن تأثير تلك الهجمات على أسعار النفط العالمية، تشير الجريدة إلى ارتفاع الأسعار عقب الهجمات في ليبيا وحرق آبار النفط في مجمع عجيل العراقي.

واعتبر التقرير أن اختفاء سبعة أجانب على الأقل محاولة من قبل تنظيم «داعش» للحصول على أموال، محذرًا من أن زيادة عدم الاستقرار يعوق إرسال فرق متخصصة أجنبية لإصلاح الضرر الذي لحق بالآبار.

أمّا جريدة «أوبزرفر» فقد حذّرت من تعرض الآثار والأماكن الأثرية في ليبيا للتدمير والإتلاف على أيدي «إرهابيين ومسلحين»، خصوصًا عقب تدمير تنظيم «داعش» مدينة نمرود ومواقع أثرية أخرى في مدينة الموصل العراقية.وذكر تقرير الجريدة البريطانية أن ليبيا تواجه التهديدات نفسها في العراق، إذ يوجد في ليبيا مجموعة نفيسة من المعابد والمقابر والمساجد والكنائس، ومن بينها خمسة مواقع على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونيسكو»، لكنها معرضة للتدمير بسبب الحرب الأهلية التي تشهدها البلاد، والتي يقوم فيها تنظيم «داعش» بدور رئيس.

ونقلت الجريدة عن مصطفى ترجمان، المسؤول عن البحث الأثري بجامعة طرابلس، قوله: «تراثنا يتعرض للخطر ومن الصعب حمايته من الانفجارات والأشخاص الراغبين في تدميره، فالأماكن الأثرية خاصة في الأماكن المأهولة معرضة للخطر بشكل كبير».

وأوضح التقرير أن التنظيم لم يهاجم المواقع الأثرية داخل ليبيا حتى الآن، لكن توجد مخاوف عدة من تعرض المواقع الإسلامية وغير الإسلامية في المدن الواقعة تحت سيطرة «داعش» لخطر التدمير والإتلاف، مضيفة أنه تم بالفعل إغلاق بعض مداخل المتاحف وإخفاء عدد من القطع الأثرية.

ويرى التقرير أن ما تعرضت له الآثار الليبية خلال الأعوام القليلة السابقة إنما يدل على مستقبل تلك الآثار، ففي خلال الأعوام التي تلت رحيل القذافي، استغلت عدة أطراف غياب القانون في سرقة ونهب وتخريب الآثار أو البناء بشكل غير قانوني على المواقع الأثرية، وسرق مسلحون رخام وبلاط مسجد القرمانلي الأسطوري، والذي يعود تاريخ بنائه إلى 1738.

حرب متعددة الأطراف
أكد تقرير نشرته مجلة «تايم» أن استمرار الصراع في ليبيا يساعد تنظيم «داعش» في التوسع والبقاء، في ظل سلسلة الهجمات التي يشنها التنظيم ضد منشآت النفط المهمة.وأشار تقرير المجلة الأميركية إلى أن استمرار التنظيم في مهاجمة موانئ النفط إنما يهدد فرص استقرار الدولة، التي تشهد حربًا متعددة الأطراف، من خلال حرمان أي حكومة وحدة وطنية مستقبلية من عائدات النفط المهمة اللازمة لإعادة بناء الدولة وتوفير احتياجات المواطنين الأساسية، وبهذا يستطيع التوسع وزيادة تواجده.ونقل التقرير عن الباحث الليبي وزميل معهد «أتلانتيك كاونسيل»، محمد الجارح، قوله: «يستغل التنظيم الحرب الدائرة بين الأطراف المختلفة لاستهداف المصدر الأساسي لعائدات الدولة».

ويؤكد أنه من خلال مهاجمة منشآت النفط يحرم التنظيم أي حكومة وحدة وطنية من الأموال اللازمة لشراء الأسلحة والمعدات العسكرية لمواجهة التنظيم.

وأكد الباحث في مؤسسة «كارنيغي» لدراسات الشرق الأوسط، فريدريك ويهري، أن التنظيم يتبع «استراتيجية الفوضى»، مضيفًا أنه يسعى لزيادة مكانته وإبراز تواجده داخل ليبيا وتجنيد أكبر عدد ممكن من المقاتلين.

وفي الوقت نفسه، أكد التقرير أن هوية المقاتلين المنضمين لـ «داعش» تُعد من نقاط الخلاف الأساسية بين الفصائل الليبية، إذ يصر بعض المنتمين لحكومة طرابلس أن التنظيم يضم عددًا من الموالين لمعمر القذافي، وتشير كلوديا جازيني، من مجموعة الأزمات الدولية، إلى وجود بعض الدلائل على انضمام بعض أنصار القذافي إلى التنظيم، في الوقت الذي يقبل فيه «داعش» انضمام أي مقاتل ما دام أثبت ولاءه للتنظيم وعقيدته.