Atwasat

أولوية للعدالة والشفافية.. «شكاوى وتجارب حية» لضحايا درنة

القاهرة - بوابة الوسط الأربعاء 11 سبتمبر 2024, 09:41 مساء
القاهرة - بوابة الوسط

رصدت منظمتان حقوقيتان تجارب حيَّة لضحايا درنة بعد عام من الفاجعة، بعضهم تحدث عن فقدان المأوى وآخرون عن غياب التعويض وجبر الضرر، أو سوء توزيع المساعدات، وسط اتهامات بالفساد، فضلاً عن معاناة الليبيات المتزوجات من أجانب.

جاء ذلك في إصدار مشترك عن منظمة «رصد» ومنظمة «محامون من أجل العدالة في ليبيا»، يتضمن 11 شهادة حيّة للأيام الأولى للفاجعة، والشهور اللاحقة، بينما يكافح أهالي درنة للخروج من النفق المظلم واستعادة حياتهم الطبيعية.

وأوصى الإصدار بوضع برنامج شـامل وملائم قـادر علـى ضمـان حصـول جميـع الضحايـا علـى تدابير الجبـر المناسـبة للأضرار، وتوفيــر العلاج الطبي المطلــوب، وتسـهيل ودعـم أسر المفقوديـن للحصـول علـى الوثائـق لإثبات حقهـم فـي الميـراث والضمــان الاجتماعي، بالإضافة إلى حمايـة منظمـات المجتمـع المدنـي والناشـطين والصحفييـن مـن جميع التدابير التعسـفية.

كما أوصت المنظمتان بضرورة ضمــان إجــراء تحقيقــات شــاملة وشــفافة ونزيهــة فــي ملابسات انهيـار سدي درنـة، وتمكيـن الضحايـا مـن الحصـول علـى العدالـة بحريـة ودون عوائـق، وإنشـاء آليـة للمسـاءلة عـن الرصـد والتوثيـق مصممـة لتوضيـح الملابسات والمسـؤوليات المتعلقـة بالفاجعـة.

«انتصـار» تبحث عن مـأوى لأسرتها
نقلت المنظمتان عن «انتصـار» وهـي أم لأربعة أطفـال، نجـت وعائلتهـا مـن الفاجعـة، واصفة حالـة المعانـاة الناتجـة عـن البحـث عـن مـأوى، حيث تقول: «أنا مـن الجبيلـة، وسـط درنـة. كل شـيء انهـار فـي هـذه المنطقـة بسـبب السـيول. حياتـي وحيـاة عائلتـي انقلبـت رأسـا علـى عقـب بعـد انهيـار السـدين والفيضـان. ولا يمكـن وصـف معانـاة النـزوح فجـأة وقـد خسـرت كل شـيء. أنـا وعائلتـي لـم نعـرف طعـم الراحـة منـذ يـوم 11 سـبتمبر».

دمـر المنـزل الـذي كانت تسكنه أسرة انتصار بالكامـل، حيث كانت العائلة تعيـش فـي مبنـي صغيـر مـن طابقيـن، تقول السيدة: «ليلــة الفاجعــة تفاجأنــا بهطــول الأمطار، لكــن لــم يكــن ارتفــاع منســوب ميــاه الــوادي كالمعتــاد وكان المنظــر مرعبًا. شــعرنا أنــه خلال ثــوان وصلـت الميــاه للـدور الثانـي ثـم انهـارت ثلاثة مـن جـدران المنـزل، تمكنـا مـن النجـاة لكـن البيـت تحطـم. حتـى أثاثنـا ومقتنياتنـا ذهبـت مـع السـيل».

تقول السيدة إنها تذهب وحدها لمكاتــب الــوزارات المعنيــة، ولا أحــد يكتــرث أو يتصــل، متابعة: «الحكومــة لا تتواصــل معنـا، نحـن نذهـب ونسـأل ونسـمع مـن المتضرريـن الآخرين. لا أحـد يرشـدنا عـن حقوقنـا مـن الجهــات المختصــة أو حتــى يجيــب عن اتصالاتنا واستفســاراتنا».

علقت المنظمتان بأن الضحايا عانوا مـن تدمير منازلهـم بســبب الفيضانات، بالإضافــة إلــى عــدم توفيــر الســلطات مــأوى مناســب لهــم. نتيجــة لذلــك، لا يــزال العديــد منهــم بلا ســكن دائــم وقـد اضطـروا للنـزوح عـدة مـرات.

عبدالله يخشى الترهيـب
مواطن آخر يدعى عبدالله يروي معاناته وحالـة اليأس والخذلان الناتـج عـن الخـوف والترهيـب لتقديــم طلــب تعويــض عــادل قائلا: «قضيــت 60 ربيعـا مــن عمــري فــي ليبيــا، لكــن الســنوات الأخيرة أشــعرتني بأننــي كهــل لأن أعبــاء النــزوح لــم تعــد أمــرا يســتطيع المواطــن أن يتعامــل معهـا وحـده. يسـألونني عـن جبـر الضـرر والتعويـض، وأنـا معلوماتـي عـن التعويضـات ضعيفـة رغـم أنـي صاحـب حـق. لـم أتمكـن إلـى هـذا اليـوم مـن معرفـة واجبـات الحكومـة نحـوي كنـازح ولـم تتواصـل معـي أي جهـة حكوميـة لتخبرنـي عـن دورهـا فـي تعويضـي».

يواصل عبدالله سرد تفاصيل حياته بعد الكارثة: «ينتابني شــعور بالخــوف والرعــب كل يــوم 20 مـن كل الشــهر بســبب موعــد دفــع الإيجار الــذي أوفـره مـن حسـابي الخـاص. وهـا أنـا الحمـد للـه نـازح فـي مدينـة لا أعرفهـا، أعمـل ليل نهار كسـائق أجـرة لأن لا أحـد يدفـع عنـي حتـى مصاريـف علاج ابنـي مـن ذوي الاحتياجـات الخاصـة».

يتابع: «النازحون فـي مـدن غـرب ليبيـا مثلـي يعانـون، فالكثيـرون لـم يتسـلموا قيمـة ايجـار ولـم تعـط لنـا أيـة مبالـغ ماليـة مـن الحكومـة لتغطيـة أيـة احتياجـات أساسـية إلا القليـل مـن الطعـام والمـواد الغذائيـة وبعـض الاحتياجات مثـل حليـب الأطفـال».

تعلق المنظمتان على قصة «عبدالله» بأن الضحايــا واجــهوا صعوبــات كبيــرة فــي الحصــول علــى تعويــض عــادل عــن الخســائر التــي تكبدوها، حيث كانت التعويضات المقدمة غير كافية أو تأخرت بشكل كبير، كما تعرضت عمليـات التعويـض للفسـاد وسـوء الإدارة.

تهاني تروي عراقيل أمام تسجيل أبنائها في المؤسسات التعليميــة
مواطنة أخرى تدعى تهاني تــروي عراقيــل تســجيل أبنائهــا فــي المؤسســات التعليميــة بدرنــة بعــد دانيــال، قائلة: «أنا لا أرى أن هناك حلاً نحن نعلم أن الحكومة والوزارات غير قادرة على التعامل مع جميع الأزمات، وخصوصا أزمة التعليم ولا نعتقد أنها ترغب في ذلك. إن كانت هناك رغبة حقيقية في معالجة الوضع فلماذا لا تخرج أي جهة رسمية لتخبرنا عما تقوم به؟».

- مشاريع الإعمار بلا رقابة.. «طوفان درنة» مصائب الأهالي مكاسب لسياسيين وشركات
- 5 منظمات إغاثة: «درنة وما جاورها» بحاجة إلى تدخلات طارئة لتنفيذ الخدمات الأساسية واستراتيجيات التعافي
- في ذكرى «الطوفان»: درنة ما زالت تنتظر الإعمار.. ولا خطط لمنع تكرار الفاجعة

عزة.. مثال لمعاناة الليبيات المتزوجات من أجانب
أما عزة فتخاطـب الحكومـة حـول طفلتهـا الوحيـدة المتبقيـة علـى قيـد الحيـاة بعـد الفيضـان، وغيـر حاصلـة علـى الجنسـية الليبيـة، قائلة: «هل يمكنك تصور حياة ابنتي في حال ذهبت أنا في الفيضان؟ طفلة يتيمة أمها ليبية، لكن ليس لها الحق في ميراث، إجراءاتي ليست كباقي الليبيات، أنا أحصل على منحة لي فقط، ولا يحسب أبنائي في قيمة الدعم الذي تقدمه التضامن الاجتماعي لليبيات المتزوجات من أجانب».

تقول عزة: «ذهبـت مـرات عديـدة لقسـم شـؤون الأجانب التابـع لإدارة الجـوازات والجنسـية، لكنهـم أخبرونـي بأنـه لا توجـد لديهـم أيـة حلـول بخصـوص شـهادات الميلاد ووثائـق الإجـراءات الأساسـية لأبنـاء الأجانـب غيـر متوفـرة لأن الأرشـيف ضـاع فـي الفيضـان».

وتابعت: «الآن عمـر ابنتـي 12 عامـا، لكـن خلال 4 سـنوات سـتحتاج ابنتـي لعمـل إجـراءات إقامـة فـي ليبيـا. تمـر الأيام بسـرعة، وسـتمضي الأيام وأنـا أركض لإثبــات أن ابنتــي مــن صلبــي».

مريم: أرهقونا بإجراءات تعسفية
وتحدثت مريــم، ناشــطة مدنيــة تعمــل فــي إحــدى المنظمــات المحليــة الليبيــة التــي كانــت تقــدم المسـاعدات والدعـم الإغاثـي عقـب الفاجعـة، قائلة: «فــي الوقــت الــذي كان يفتــرض فينا أن نركــز علــى أعمــال الإغاثــة ونعطيهــا الأولويــة نظــرا لأن الناجيـن مازالـوا يتوافـدون وهـم فـي قمـة الحاجـة للمسـاعدة نفاجـأ بحضـور أشـخاص يتبعـون للسـلطات ليتأكـدوا مـن وجـود تصاريـح للمنظمـات مـن قبـل الخارجيـة الليبيـة أو ليتأكـدوا أن المنظمــات الدوليــة الداعمــة أخــذت الإذن بالعمــل منهــم، فــاذا كانــت الأوراق غيــر موجــودة أو ناقصـة كانـوا يمنعون المنظمـة مـن العمـل».

وشرحت مريم: «أرهقونا بإجراءات تعسفية لا هدف منها إلا تقييد عمل المنظمات وملاحقة العاملين الإنسانيين من المدنيين»، متابعة: «جرى احتجـاز قافلـة مسـاعدات إنسـانية نقلناهـا مـن بنغـازي إلـى درنـة لمـدة 5 سـاعات فـي بوابـة أمنيــة بأحــد مداخــل مدينــة درنــة. وعندمــا ســألت عــن الأســباب قالوا إن رجــال الأمن هم من ســيقومون بالإشـراف علــى توزيعها، رفضنــا تســليمها وبقيــت المــواد الإغاثيــة قــرب البوابــة بينمـا كنـت أجـري اتصالات مـع معارفنـا والمسـؤولين. جهـود كبيـرة أضاعـت وقتـا طويلـا دون ســبب غيــر أنهــم يريــدون أخــذ المســاعدات».

- بعد عام على الكارثة.. دراسة تقدم تفسيرات علمية جديدة لفيضانات درنة
- عام على الكارثة.. درنة تبحث عن إعادة البناء وسط «غيوم» سياسية
- في ذكرى «الطوفان».. قراءة في نبوءة «شاعر درنة»

التوصية ببرنامج لجبر الضرر
أوصى الإصدار بتأسـيس برنامـج جبـر ضـرر شـامل وملائم قـادر علـى ضمـان حصـول جميـع الضحايـا علـى تدابير الجبـر المناسـبة للأضرار التي لحقـت بهـم، وفقـا للقانون الدولي. ويشـمل ذلك التعويـض الكافـي وفـي الوقـت المناسـب، ورد الحقـوق، وإعـادة التأهيـل، وضمانـات عـدم التكــرار والترضية.

كما دعا إلى ضرورة أن يكـون لعائلات الضحايا القـدرة الكاملة والمشاركة الفعالـة في عمليـة إنشاء وتخطيط وإدارة مثـل هـذا البرنامج التعويضي، وتوفيــر العلاج الطبي المطلــوب، بما فـي ذلك مــن خلال تزويــد الضحايا بإمكانية الوصول إلى مراكـز الدعـم الصحي ذات الصلة.

وأوصى بتسـهيل ودعـم أسر المفقوديـن للحصـول علـى الوثائـق لإثبات حقهـم فـي الميـراث والضمــان الاجتماعي، والإسراع فـي اسـتخراج الجثـث مـن المقابـر الجماعيـة وإعـادة الجثـث إلـى ذويهـا علـى وجـه السـرعة، وتقديــم التعويضــات أو الدعــم المطلــوب للضحايــا الذيــن فقــدوا مســاكنهم الدائمــة نتيجــة للفاجعــة والذيــن نزحــوا عــدة مــرات.

إجراءات المساءلة
وأوصت المنظمتان بضمــان إجــراء تحقيقــات شــاملة وشــفافة ونزيهــة فــي ملابسات انهيـار سدي درنـة، والمســؤوليات المترتبــة علــى انهيارهما، وكذلــك فــي أي تدابيــر احترازيــة اتخذت للإخلاء أو الحمايـة مـن عواقـب انهيـار السـدود. ويجـب أن تشـمل هـذه التحقيقـات التحقيق في جميع جوانــب الانهيار وعواقبــه، بمــا فــي ذلــك تحديــد جميــع الأفراد والمؤسســات المســؤولة، ســواء كانــت ضالعــة بشــكل مباشــر أو غيــر مباشــر.

كما أوصى الإصدار أيضًا بتمكيـن الضحايـا مـن الحصـول علـى العدالـة بحريـة ودون عوائـق، وضمـان حقـوق وتعويضـات الضحايـا وذويهم عند الاقتضاء خلال مراحل العملية القضائية المختلفـة، فضلاً عن تزويـد منظمـات المجتمـع المدنـي والجهـات الفاعلـة والخبـراء بإمكانيـة الوصـول مـن دون عوائـق إلـى المتضرريـن، بمـا فـي ذلـك بهـدف تحديـد احتياجاتهـم وتلبيتهـا.

ودعا إلى حمايـة منظمـات المجتمـع المدنـي والناشـطين والصحفييـن مـن جميع التدابير التعسـفية التـي تهـدف إلـى تخويفهـم ومراقبة أنشـطتهم، وإجــراء تدقيــق مســتقل وشــامل للأموال التــي أنفقهــا صنــدوق إعــادة إعمــار درنــة حتــى الآن لمنـع الفسـاد مـن خلال الاستخدام غيـر المناسـب وغيـر القانونـي للمـوارد المخصصـة للصنـدوق.

كما طالب بزيـادة التمويـل والمـوارد الأخرى لدعـم الضحايـا، بمـا فـي ذلـك علـى المـدى الطويـل لتغطيـة الاحتياجات المسـتمرة، بمـا فـي ذلـك الإغاثة والدعـم الصحـي والتعليمـي والنفسـي، وضمـان توفيـر التمويـل ذي الصلـة وغيـره مـن أشـكال الدعـم للمسـتفيدين المسـتهدفين، بمــا فــي ذلــك، علــى وجــه الخصــوص، الفئــات المهمشــة، وعــدم إســاءة اســتخدامها لأغراض أخــرى

رسالة إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة
وطالب الإصدار المجتمع الدولي بإنشـاء آليـة للمسـاءلة عـن الرصـد والتوثيـق مصممـة لتوضيـح الملابسات والمسـؤوليات المتعلقـة بالفاجعـة، ورصـد الاستجابة التـي تتخذهـا السـلطات، وإلزام المؤسسات الليبية باتخـاذ التدابيـر اللازمة لوقف ومنـع التهديدات المســتمرة والمســتقبلية وغيرهــا مــن القيــود التــي تفرضهــا الســلطات علــى منظمــات المجتمـع المدنـي التـي تدعـم الضحايـا والمجتمعـات المتأثـرة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»