حين ينزف قلم الشاعر بكلمات موجعة عن حال الوطن، فإنه يسبق الحدث بالتحذير ويلفت الانتباه لواقع يبدو للبعض ساكنا، تكون وقتها الكلمات جرس إنذار لمستقبل يبزغ ضوؤه من بعيد، يرقبه الأديب ويخبر الجميع بأن «الطوفان» قادم.
هذا بالتحديد ما حدث مع «شاعر درنة»، مصطفى الطرابلسي، الذي قادتنا عملية البحث والتفتيش في حسابه على موقع «فيسبوك» إلى منشورات تنبّأت بـ«طوفان درنة» منذ الأول من سبتمبر ولمدة 11 يوما، تقرع الجرس بأنّ الكارثة على الأبواب.
منشورات الطرابلسي حذرت من الطوفان
تحل الأربعاء 11 سبتمبر 2024 الذكرى الأولى لكارثة درنة، التي أعقبت انهيار سدي المدينة، وإرسال كميات ضخمة من المياه صوب المناطق السكنية، وهو ما أودى بحياة أربعة آلاف و352 شخصا، وفقدان أكثر من ثمانية آلاف آخرين، حسب إحصاءات الأمم المتحدة.
وصف المثقفون والناشطون مصطفى الطرابلسي بـ«شاعر درنة»، بسبب المفارقة الغريبة حين تنبأ بالعاصفة التي ضربت الشرق الليبي في سبتمبر 2023، وكان أحد أبرز ضحاياها، وكتب كثيرا عن عشقه لدرنة.
18 منشورا على صفحة الطرابلسي بموقع فيسبوك
على مدار 11 يوما كتب مصطفى الطرابلسي 18 منشورا، جميعها حذَّرت من كارثة على الأبواب، بدأت بالإشارة إلى وضع المدينة المتردي، وانتهت بأن بـ«النخوة الليبية» التي راقبها بينما الطوفان ينحدر إلى وسط المدينة، لكن القدر لم يسعفه ليرى بقية المشهد، فرحل في «النبوءة».
بتتبع حسابه نجد صوتا بدأ يتصاعد تدريجيا حين كتب في الأول من سبتمبر منشورا تحت عنوان «درنة التي..»، رأى وقتها أن «المخاوف تتكاثر في ذاكرة القلم مضافة لمخاوف سالفة»، قبل أن يتساءل: «هل قُيض لدرنة أن تدخل مرة أخرى لنفق لا يفرق عن سابقاته إلا في الاسم والزمن؟!».
أرسل شاعر درنة في هذا المنشور تحذيرا أوليا، مدفوعا بدلائل لعل أوضحها كما يقول «في شوارع المدينة ترى الفساد يمشي مرحا»، وقد كان «الفساد» أول المتهمين بكارثة الفيضانات، حيث قضت محكمة جنايات درنة في 28 يوليو بإدانة 12 متهما في كارثة فيضانات درنة وهم «مسؤولون عن إدارة مرفق السدود في ليبيا».
مرثية كأنها إلى محبوبته
اللافت في تعليقات الطرابلسي أن كلماته حملت مفردات كأنها إشعارات بالمصير المفجع، ففي المنشور نفسه، أي قبل 11 يوما من الطوفان، يتحدث عن «درنة التي كفَّ شلالها عن الدفق، وأغطش الظمأ رمانها وعرائشها، وانهار طريق واديها»، كلما «أشعلتْ المدينة أملا ينسيها سنين الوجع، كان في المقابل ألفٌ ريح تترصد الأنوار، وتريد لها الظلامَ»، وقد كان الريح عاصفة حملت مياه الأمطار الغزيرة إلى قلب المدينة فانهارت المباني على سكَّانها.
في مرثية كأنها إلى محبوبته، كتب مصطفى الطرابلسي في الثالث من سبتمبر كلمات الوداع، قائلا: «كانَ الصمتُ البارد دليلَ توهجنا للانطفاء.. قبضتُ على قلبها متلبسا بحب قديم.. وقبضتُ على قلب.. لابسا معطفَ الأمس الحزين.. انتهينا وذهبَ كلٌ إلى حال حنينه».
في اليوم نفسه كتب متهكما عن حال المدينة، «قال لي: ها قد عادت المدينة للمربع الأول. قلتُ له: ومَنْ قال لك أنها خرجتْ منه أصلا..؟!»، قبل أن يرسل في نهاية اليوم أوضح نبوءة بشأن الكارثة المنتظرة حين أعاد نشر مطلع قصيدة «المطر» التي كتبها في مايو 2006: «عظم الله ياخوي أجرك فيها.. درنة انتهت وتريد من يرثيها». وتساءل مصطفى: «تُرى هل ستكون هذه القصيدة نبوءة صادقة وراء كل حدث تصاب به درنة؟ وذاك من شؤم طالعي، وبؤس فألي!».
قصيدة «المطر»
تحتوي قصيدة «المطر» على أبيات كأنها تصف حال درنة بعد أن دمرتها السيول، من بينها قوله:
المطرُ
شارةُ خير
بشارةُ رفد
وناقوسُ خطر
يفضحُ الشوارعَ الرطبة
والمقاولَ الغشاش
والدولةَ الفاشلة
لكن «شاعر درنة» رحل قبل أن يحكي الفاجعة بمشاهدها المأساوية. وفي منشور آخر، يبدو أن الخوف يتردد حول الشاعر، ليُذكِّر متابعيه: «إنْ خِفت لا تقول.. وإنْ قِلتْ لا تخاف..»، ربما قال ذلك لأنه كان أحد المنظمين لندوة تحذر من الكارثة التي ستحل بوادي درنة، وكتب عنها منشورا أعلن فيه إقامة ندوة ببيت درنة الثقافي حول موضوع الوادي ومخاطر الإهمال، أدلى فيها المختصون بكلام خطير حول الكارثة المرتقبة، ووجهوا تقريرا لكل الحكومات، لكن على ما يبدو لا أحد يهتم إلا بعد وقوعها»، كان ذلك قبل الكارثة بخمسة أيام، وتحديدا يوم 6 سبتمبر.
جاء عنوان المنشور: صرخة على «وادي درنة» تحدث فيه عن «إرهاصات الخراب» التي بدت واضحة على الوادي، «فانهارت طريقه، وحدث ما نبه عليه المختصون، وحذروا من انهيارات أخرى؛ لن تدع لوادي درنة وجودا إلا في الذاكرة والقصائد»، وقد كان ما تنبَّأ.
الطرابلسي يدافع عن درنة بروح القلم
كانت حاضرة بين الكلمات، مفردات صارت فيما بعد الأكثر تداولا بعد حلول الكارثة، ومن بينها «عاصفة»، هنا يقول مصطفى الطرابلسي في الثامن من سبتمبر وهو يرثي درنة: «في كل شدة عاصفة واظروف: على روحها أدْافع بروح القَلَم.. وعالي فضلها ناكرين والمعرف: ألقتْ في وداع وفي خشوع السّلَمْ».
وعندما بدأ المطر يرخّ على أطراف المدينة يوم العاشر من سبتمبر، أعاد مصطفى نشر مقطوعات من قصيدته الشهيرة ومنها:
«المطر يُذكرُ الفقير
بسقفه النحيل وردائهِ الهزيل...
يوقظُ الأودية من تثاؤب
الأتربة ووسن اليباس
المطرُ شارةُ خير
بشارةُ رفد
وناقوسُ خطر».
الطرابلسي: المشاهد مخيفة قد تتصاعد إلى كارثة
في مساء 10 سبتمبر بدأ الوضع يزداد سوءا، فكتب يُذكِّر بأن «الموضوعُ إطلاقا ليس سخرية، ولا مادة للتندر، المشاهد مخيفة، وقد تتصاعد الأمور إلى كارثة».
وحين كان رد الفعل الرسمي أقل من الحدث، بدأ مصطفى يشجع على التعاضد المجتمعي، حين قال «ليس لنا في هذه الشدة إلا بعض»، وفي اليوم التالي، يوم الطوفان، أبدى «شاعر درنة» إعجابه بحالة التكاتف بين الليبيين حين كتب آخر منشور: «لا أحدَ يستطيع إلا أن يُعجب بهذا النسيج الليبي المتوائم، وهذه النخوة الليبية التي تبانُ عند كل شدة».
مرّ الطوفان على درنة وألقى ببعض المباني في قلب البحر، ولم يُسعف القدر البعض لسرد مشاهد من المأساة، ومن بينهم مصطفى الطرابلسي الذي رحل في الكارثة التي حذّر منها لسنوات.
ربما التبس على بعض المعلقين على «فيسبوك» اسم مصطفى فعده من سكان العاصمة، حيث كتب أحدهم يُذكَّره بأصوله «الطرابلسية» مقترحا عليه الذهاب من درنة إلى هناك إنْ لم يعجبه الوضع.
لكن «شاعر درنة» يزيل الغموض بأنه لم يربطه بالعاصمة سوى ما سماه «النحاة» ياء النسب، وفق ما أوضح في منشور قبل رحيله، حيث التصقت الصفة بالموصوف مجازا، حين هاجر أحد جد الأجداد من هناك على متن الأمواج، فألقت به إحداها على شواطئ «رأس التين»، من ثمَّ استأجر دابة قادته إلى المنحدر في وسط المدينة المسماة «درنة»، وذلك قبل 200 عام.
وأخيرا فإن مصطفى الطرابلسي هو نجل رئيس محكمة استئناف الجبل الأخضر السابق عبدالعزيز الطرابلسي، الذي تعرض لمحاولة اغتيال العام 2014، وحفيد الشيخ مصطفى الطرابلسي الذي سُمي على اسمه.
تعليقات